روايات وقصص

بعد رحيل ابويا كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

الجزء الثاني: الموبايل القديم اللي قلب حياة أحمد وحماته في لحظة!  في صباح اليوم التالي، صحيت بدري، ولبست فستان أسود بسيط، وحطيت موبايل أبويا القديم في شنطتي. ما نمتش كويس طول الليل. مش بسبب الحزن على أبويا بس، لكن لأن كلامه الأخير كان بيتكرر في دماغي كل شوية.

 

«لو حصل لي حاجة قبل ما أقدر أخلص الموضوع ده، روحي للأستاذ شريف منصور… مش جوزك، ومش أمه.»

كنت عارفة إن أبويا ما كانش بيقول الكلام ده من فراغ.

الساعة تسعة ونص، سمعت صوت عربية أحمد قدام البيت. نزلت لقيته واقف جنب عربيته الجديدة، لابس بدلة غالية، وبيتكلم في التليفون.

أول ما شافني، قفل المكالمة وقال:

«أخيرًا! يلا بينا، المحامي مستنينا.»

ركبت العربية، وبعد دقائق من الصمت، بدأ يتكلم عن المستقبل وكأن الموضوع اتحسم بالفعل.

«أنا فكرت في كل حاجة يا سلمى. أول ما إجراءات الميراث تخلص، هنسدد ديون أخويا، وبعدها نخلص موضوع الفيلا اللي ماما اختارتها.»

بصيت له وقلت:

«وإنت سألتني إذا كنت موافقة على كل ده؟»

لف وشه ناحيتي باستغراب، كأني قلت حاجة غير منطقية.

«موافقة على إيه؟ دي فلوس هتيجي لبيتك وعيلتك! إنتِ مش هتحتاجي الفلوس دي كلها لوحدك.»

سألته بهدوء:

«ومين قال لك إني هورث فلوس أصلًا؟»

ضحك باستهزاء وقال:

«سلمى، بلاش التمثيل ده. أبوكي عنده ورشة وأراضي وعقارات. أنا عارف حجم ممتلكاته كويس.»

سكت لحظة، وبعدين أضاف:

«وبعدين إحنا متجوزين. مش معقول تخبي عني حاجة بالحجم ده.»

ابتسمت وأنا ببص من الشباك.

كان أحمد عايز يعرف كل حاجة عن ميراثي، لكنه عمره ما سأل نفسه إذا كان يستحق يعرف أصلًا.

وصلنا مكتب الأستاذ شريف منصور في وسط القاهرة قبل الساعة عشرة بدقايق.

كان مكتبًا واسعًا، جدرانه مليانة رفوف ملفات قديمة، وفيه ترابيزة اجتماعات كبيرة في النص.

حماتي كانت موجودة بالفعل، قاعدة على الكنبة الجلد، وماسكة ملف فيه صور الفيلا اللي اختارتها.

أول ما دخلنا، قامت وسلمت على أحمد، وبعدها بصت لي وقالت:

«يا حبيبتي، أنا عارفة إن اليوم صعب عليكي، بس لازم تكوني قوية. أبوكي أكيد كان نفسه يشوفك مستقرة.»

ما رديتش.

بعد دقائق، خرج الأستاذ شريف من مكتبه، راجل في أواخر الستينات، شعره أبيض ونظارته رفيعة.

كان يعرفني من وأنا صغيرة، وكان صديقًا مقربًا لأبويا لسنين طويلة.

سلّم عليّ بحنان وقال:

«البقاء لله يا سلمى. أبوكي كان راجل عظيم، وربنا يرحمه.»

وبعدين بص لأحمد وحماتي، ورحب بيهم رسميًا.

جلسنا جميعًا حول الترابيزة، وبدأ الأستاذ شريف يرتب الملفات قدامه.

أحمد كان مستعجلًا بشكل واضح.

قال:

«أستاذ شريف، إحنا عارفين إن الإجراءات ممكن تاخد وقت، لكن ياريت نبدأ بالأصول الأساسية وقيمة التركة، عشان نقدر نرتب التزامات العيلة.»

رفع المحامي عينيه من الأوراق.

«التزامات العيلة؟»

ابتسم أحمد بثقة.

«أقصد الالتزامات المالية. طبعًا أنا زوج سلمى، ومن الطبيعي أساعدها في إدارة الميراث.»

المحامي ما ردش فورًا.

فتح ملفًا، وراجع ورقتين، وبعدها قال:

«قبل ما نتكلم عن أي تصرفات مالية، لازم نقرأ الوصية بالكامل، ونراجع المستندات المتعلقة بممتلكات المرحوم محمود.»

حماتي مالت للأمام وسألته:

«طيب، ممكن نعرف قيمة الميراث تقريبًا؟ لأن عندنا التزامات عاجلة جدًا.»

الأستاذ شريف قفل الملف بهدوء وقال:

«كل حاجة هتتوضح في وقتها يا مدام نادية.»

أحمد بدأ يفقد صبره.

«طيب، خلينا نخلص. عندي اجتماع بعد الظهر.»

في اللحظة دي، الأستاذ شريف بص لي نظرة سريعة.

كانت نظرة قصيرة، لكنها خلتني أفهم إن اللحظة اللي أبويا كان بيحذرني منها وصلت.

فتح المحامي درجًا جانبيًا، وأخرج ظرفًا بنيًا قديمًا.

وبجانبه، وضع موبايل أبويا القديم على الترابيزة.

أول ما شافت حماتي الموبايل، اختفت ابتسامتها.

أما أحمد، ففضل باصص له كأنه شاف حاجة مستحيل تكون موجودة.

قال بصوت متوتر:

«إيه ده؟ الموبايل ده جابه منين؟»

الأستاذ شريف ما ردش عليه.

بص لي وقال:

«سلمى، والدك سلّمني تعليمات واضحة بخصوص الجهاز ده. وطلب مني أشغّل تسجيلًا محددًا أثناء اجتماع قراءة الوصية.»

أحمد اتحرك في كرسيه بعصبية.

«تسجيل إيه؟ وإيه علاقة الموبايل بالوصية؟»

المحامي حط الموبايل في منتصف الترابيزة، وفتح قائمة التسجيلات الصوتية.

وبعدين قال:

«ده سؤال هنجاوب عليه بعد ما نسمع كلام والدك.»

ضغط على زر التشغيل.

في البداية، سمعنا صوت تشويش خفيف، وبعدها ظهر صوت أبويا واضحًا، رغم التعب اللي كان باين عليه.

«أنا محمود عبد الرحيم، وبسجل الرسالة دي علشان بنتي سلمى، ولأي شخص ممكن يحاول يستغل وفاتي عشان يستولي على ممتلكاتي.»

حماتي شهقت بصوت مكتوم.

أحمد مال بجسمه للأمام.

لكن أبويا أكمل:

«لو التسجيل ده بيتسمع دلوقتي، فده معناه إن في حاجة حصلت وأنا ما قدرتش أخلصها بنفسي. وعشان كده، بطلب من الأستاذ شريف إنه يتأكد إن كل ورقة وكل حساب وكل مستند اتراجع كويس قبل ما أي حد يتصرف في التركة.»

ساد الصمت في الغرفة.

ثم قال أبويا جملة واحدة جعلت أحمد يقفز من كرسيه.

«وعلى وجه الخصوص، لازم يتم التحقيق في التصرفات المالية اللي تمت باسم بنتي من غير علمها، وفي أي محاولة لاستخدام ممتلكاتي لسداد ديون أشخاص ما لهمش أي حق فيها.»

أحمد وقف فجأة، وخبط بإيده على الترابيزة.

صرخ:

«اقفل الموبايل ده فورًا!»

لكن الأستاذ شريف ما اتحركش.

رفع عينيه لأحمد وقال ببرود:

«من فضلك اقعد يا أستاذ أحمد. التسجيل هيتسمع للنهاية.»

أحمد بص له بغضب، ثم بص لي.

«إنتِ كنتِ عارفة؟! إنتِ مخبية عني إيه؟»

لأول مرة من سنين، ما خفتش من نبرة صوته.

قلت بهدوء:

«أنا ما أعرفش التسجيل بيقول إيه يا أحمد. لكن واضح إنك إنت اللي خايف تسمعه.»

حماتي قامت من مكانها بسرعة.

«الكلام ده مالوش أي أساس! محمود كان مريض، وممكن يكون حد استغل حالته وخلاه يسجل الكلام ده!»

الأستاذ شريف أشار لها إنها تقعد.

«التسجيل محفوظ ضمن المستندات اللي سلّمها المرحوم إليّ بنفسه، وتاريخه مثبت. وأي اعتراض عليه ممكن يتقدم بالطريق القانوني.»

ثم أعاد تشغيل التسجيل.

رجع صوت أبويا يملأ الغرفة:

«فيه مستندات هتوضح كل حاجة. ولو حد حاول ينكر أو يضغط على سلمى عشان تتنازل عن حقها، أتمنى إنها تفتكر إن السكوت مش معناه الموافقة، وإن الحق ما بيضيعش لمجرد إن صاحبه ما رفعش صوته.»

حسيت بدموعي بتتجمع في عيني.

دي كانت بالضبط الجملة اللي أبويا كان بيقولها لي كل ما أحمد أو حماتي يحاولوا يقللوا مني.

لكن المفاجأة ما كانتش في التسجيل وحده.

الأستاذ شريف أوقف الصوت، وفتح الظرف البني.

أخرج منه مجموعة من كشوف الحسابات وصورًا من عقود، ثم وضع ورقة منفصلة أمام أحمد.

وقال:

«قبل ما نكمل قراءة الوصية، محتاج أسألك سؤالًا واضحًا يا أستاذ أحمد.»

أحمد بلع ريقه.

«اتفضل.»

المحامي أشار إلى إحدى الأوراق.

«هل تعرف الحساب البنكي المنتهي رقمه بـ ٤٨٢١؟»

أحمد بص إلى الورقة، وتغير لون وجهه.

حماتي التفتت إليه بسرعة.

«أحمد، إيه الحساب ده؟»

ما ردش.

المحامي أكمل:

«وهل تعرف ليه فيه تحويلات مالية خرجت من حساب مرتبط بممتلكات المرحوم، ووصلت إلى حساب آخر باسم شركة لها صلة بأحد أقاربك؟»

حماتي رجعت تقعد ببطء، وملف صور الفيلا وقع من إيدها على الأرض.

أما أحمد، فبدأ يتكلم بسرعة:

السابق1 من 5
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى