
### الجزء الثاني: دخلت فيلا أبويا في نص الليل… واللي اكتشفته ورا الباب المقفول خلاني أشك في كل حاجة عشتها!
ما نمتش الليلة دي ولا دقيقة.
فضلت قاعد في الصالة، والورقة اللي الطفل سابهالي قدامي على الترابيزة. كل ما أبص على الرسمة، أحس إن فيه حاجة غلط، وإن الولد مش بيبالغ ولا بيحاول يخوفني.
كان فيه شخص محبوس جوه أوضة في فيلا أبويا، والطفل خايف إن مصيره يبقى زي مصير أمه.
لكن مين أمه؟
وليه قال إن جده بيهدده؟
قمت من مكاني، وفتحت اللابتوب، وبدأت أدور في الصور القديمة اللي عندي من أيام ما كنت عايش مع عيلتي.
لحد ما لقيت صورة قديمة ليا أنا وأختي مريم، كنا واقفين في جنينة الفيلا، وأنا حاطط إيدي على كتفها وهي بتضحك.
مريم كانت أصغر مني بسبع سنين، وكانت أقرب إنسانة ليا في الدنيا.
من خمستاشر سنة، اختفت فجأة.
أبويا قال وقتها إنها اتعرفت على شاب من عيلة بسيطة، وإنها هربت معاه، ولما حاول يمنعها، رفضت تسمع كلامه.
فضلت أدور عليها شهور، لكن أبويا كان بيقفل كل الأبواب في وشي.
وبعد فترة، قال لي إنه عرف إنها سافرت بره مصر، وإنها مش عايزة أي حد من العيلة يوصل لها.
كنت زعلان منها، لكن مع الوقت حاولت أتقبل فكرة إنها اختارت تبعد.
دلوقتي، بعد خمستاشر سنة، لقيت نفسي بسأل سؤال عمري ما فكرت فيه قبل كده:
هو أنا شفت دليل واحد فعلًا إنها سافرت؟
الإجابة كانت لأ.
كل اللي كنت أعرفه جاي من كلام أبويا.
قفلت اللابتوب، وخدت مفاتيح عربيتي، وقررت أروح الفيلا بنفسي.
ما كنتش هقدر أستنى للصباح.
وصلت قبل الفجر بشوية، ووقفت بعيد عن البوابة الرئيسية. البيت كان منور، وفيه عربية واقفة قدام المدخل، لكن المكان كله كان هادي بشكل مريب.
اتصلت بأبويا.
رد بعد الرنة التالتة.
— أيوه يا إبراهيم، فيه إيه؟
حاولت أتكلم بشكل طبيعي.
— كنت عايز أطمن عليك يا بابا. أنا عرفت إن نهى والأطفال عندك، وقلت أعدي أشوفهم.
سكت لحظة، وبعدين قال:
— الوقت متأخر. تعالى بكرة.
— مش هعطلك، خمس دقايق بس.
صوته اتغير.
— قلت لك تعالى بكرة يا إبراهيم!
وقفل الخط.
فضلت باصص للموبايل، وقلبي بيدق بسرعة.
أبويا عمره ما كان بيحب حد يخالف أوامره، لكن المرة دي كان فيه خوف في صوته، مش مجرد غضب.
لفيت بالعربية ناحية الشارع الجانبي، ووقفت عند سور منخفض من الناحية الخلفية. كنت حافظ المكان من أيام طفولتي، وعارف إن فيه باب خدمة قديم نادرًا ما حد بيستخدمه.
نزلت، ومشيت بحذر لحد ما وصلت للباب.
كان مقفول، لكن القفل القديم ما اتغيرش من سنين.
بعد محاولات قليلة، قدرت أفتحه.
دخلت من غير ما أعمل صوت، وعديت من الممر الخلفي لحد ما وصلت للجنينة.
وفجأة، سمعت صوت أطفال جاي من ناحية الشرفة.
كان صوت الولد الكبير.
— أنا مش عايز أنام هنا! عايز أروح مع ماما!
وبعده سمعت صوت أبويا، حاد وقاسي:
— ماما مش هترجع دلوقتي. ومن النهارده هتسمع الكلام، ومش هتسأل عن أي حاجة تخص الماضي.
الولد رد بصوت مرتعش:
— طب هو عمو إبراهيم هييجي؟
أبويا سكت شوية، وبعدين قال:
— عمك إبراهيم مش هيقدر يساعدك. هو نفسه مش عارف يحمي نفسه.
حسيت بغضب شديد، لكني فضلت مكاني.
بعد ثوانٍ، سمعت خطوات أبويا بتبعد، وبعدها صوت باب بيتقفل.
استنيت لحد ما الهدوء رجع، وطلعت السلم الجانبي لحد الدور الأول.
لقيت الولد واقف لوحده في ممر طويل، ماسك الرسمة اللي شبه اللي حطها في شنطتي.
أول ما شافني، عينيه اتسعت.
— عمو إبراهيم!
حطيت صباعي على شفايفي وقلت له بهدوء:
— متخافش يا حبيبي. أنا جيت علشان أساعدك، بس لازم تفهمني إيه اللي بيحصل هنا.
بص وراه بخوف، وبعدين قرب مني وهمس:
— جدو قال إنك لو عرفت السر، هيطرد ماما ومش هيسمح لنا نشوفها تاني.
نزلت لمستواه وقلت:
— أنا مش هسمح لحد يأذيك. اسمك إيه؟
— برونو.
— وإنت ابن مين يا برونو؟
بص للأرض، وفرك إيديه الصغيرتين، وبعدها قال جملة خلت قلبي يقف.
— أنا ابن مريم.
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
— مريم مين؟
رفع عينيه ليا، وكأنه مستغرب إني بسأل.
— مريم السيوفي… بنت جدو.
رجعت خطوة لورا، وحطيت إيدي على الحيطة علشان أسند نفسي.
مريم عندها ابن؟
إزاي؟ وإمتى؟
ولو ده ابنها، يبقى هي كانت فين طول السنين دي؟
قبل ما أقدر أسأله أي سؤال تاني، مسك إيدي بسرعة وقال:
— تعالى، لازم أوريك حاجة قبل ما جدو يصحى.
مشينا في الممر لحد نهايته، وهناك وقف قدام باب خشبي قديم.
كان الباب مختلف عن باقي أبواب الفيلا. مفيش مقبض من الناحية الخارجية، وفيه قفل معدني كبير.
برونو قرب من ودني وهمس:
— ماما كانت هنا قبل ما ياخدونا من بيتنا. وجدو قال إنها مش هتخرج غير لما توافق تمضي على الورق.
حسيت بغضب بيغلي جوايا.
— مامتك هنا دلوقتي؟
هز رأسه.
— مش عارف. آخر مرة شفتها كانت من تلات أيام. جدو قال إنها سافرت، بس أنا سمعت صوتها وهي بتعيط ورا الباب.
حطيت إيدي على القفل، لكن قبل ما أحاول أفتحه، سمعت صوت خطوات جاية من آخر الممر.
برونو اتخض، وشدني ناحية تجويف صغير في الحيطة.
— استخبى يا عمو! لو جدو شافك، كل حاجة هتضيع!
دخلنا المكان الضيق، وبعد لحظات ظهر أبويا ومعاه راجل غريب لابس بدلة سوداء.
وقفوا قدام الباب المقفول.
الراجل قال:
— الورق جاهز يا فندم، لكن لازم مريم تمضي بنفسها. من غير توقيعها، نقل الملكية مش هيتم.
أبويا رد بعصبية:
— هتمضي. عندها وقت لحد بكرة الصبح، وبعدها هتكتشف إن رفضها مش هيغير أي حاجة.
الراجل تردد، وبعدين سأله:
— وإبراهيم؟ لو عرف إن أخته لسه عايشة، ممكن يعطل كل حاجة.
أبويا ضحك ضحكة باردة.
— إبراهيم؟ ابني طول عمره بيصدق اللي أقوله. أنا خليته يصدق إن أخته هربت، وخليته يبعد عن مراته أربع سنين من غير ما يعرف الحقيقة. مش هيقدر يعمل لي حاجة.
حسيت إن الدم بيغلي في عروقي.
أبويا بنفسه اعترف إنه خدعني.
لكن المفاجأة ما كانتش هنا.
الراجل فتح الملف اللي معاه، وطلع ورقة، وقال:
— طب والأطفال التانيين؟ لازم نعرف هنعمل إيه معاهم بعد توقيع مريم.
أبويا رد من غير تردد:
— الأطفال دول جزء من الاتفاق. نهى عارفة المطلوب منها، ومش هتتكلم.
في اللحظة دي، حسيت إن كل حاجة اتلخبطت أكتر.
نهى!
مراتي ليها علاقة بإخفاء أختي؟ والأطفال التلاتة دول كلهم مرتبطين بمريم؟
بصيت لبرونو، لقيته بيعيط من غير صوت.
همست له:
— متخافش، أنا هنا.
لكن فجأة، أبويا وقف عن الكلام وبص ناحية المكان اللي إحنا مستخبيين فيه.
— مين هناك؟!
قلبي دق بعنف.
الراجل اللي معاه قرب من الحيطة، ومد إيده ناحية الستارة اللي كانت مخبيانا.
وفي اللحظة الأخيرة، برونو خرج من مخبأنا وجري ناحية جده.
— جدو! أنا كنت بدور على الحمام!
أبويا مسكه من كتفه بعنف، وبص له بشك.
— وإنت كنت بتعمل إيه في الدور ده؟
الولد رد وهو بيترعش:
— ولا حاجة.
أبويا قرب منه وقال بصوت منخفض لكنه مخيف:
— فاكر كلامي يا برونو؟ لو فتحت بوقك مع أي حد، مش هتشوف أمك تاني أبدًا.
ماقدرتش أتحمل.
خرجت من مكاني وقلت بصوت عالي:
— سيبه يا بابا!
أبويا لف ناحيتي، واتسعت عينيه من الصدمة.
— إبراهيم؟!
وقفت قدامه، وأنا لأول مرة في حياتي مش خايف منه.
— أيوه، إبراهيم. والمرادي مش همشي قبل ما أعرف الحقيقة.
حاول يستعيد هدوءه بسرعة.
— إنت دخلت بيتي إزاي من غير إذن؟
— بيتي؟ ولا بيت أختي اللي إنت مخبيها فيه من خمستاشر سنة؟
وشه اتغير للحظة، لكنه سرعان ما رد:
— إنت مش فاهم حاجة.
أشرت للباب المقفول.
— افتح الباب ده يا بابا.
— مفيش حد هنا.
— يبقى افتحه!
اتدخل الراجل الغريب وقال:
— أستاذ إبراهيم، الأفضل إنك تهدى، لأن الموضوع أكبر منك.
بصيت له وقلت:
— وإنت مين علشان تتدخل في عيلتي؟
أبويا رفع إيده يمنعه من الكلام، وبعدين قرب مني.
— اسمعني كويس. أختك اختارت طريقها من زمان، واللي حصل لها نتيجة قراراتها. إنت مالكش دعوة بالموضوع، وخد مراتك والأطفال وامشي من هنا.
ضحكت بمرارة.
— مراتي؟ إنت اللي جبتها هنا! وإنت اللي بتبعت لها فلوس كل شهر! وإنت اللي خليتني أصدق إن أختي سابتنا!
أبويا سكت، وده كان كفاية علشان أتأكد إن فيه حاجات كتير مخبيها.
مديت إيدي ناحية القفل.
لكن قبل ما ألمسه، سمعت صوت خافت من ورا الباب.
صوت ست بتعيط.
وبعدين سمعت صوتها وهي بتنادي:
— إبراهيم… لو إنت فعلًا بره الباب، اوعى تصدق أبوك!
اتجمدت مكاني.
الصوت ده كنت أعرفه كويس، حتى لو عدى عليه خمستاشر سنة.
كان صوت أختي مريم.
قربت من الباب وأنا مش قادر أصدق.
— مريم؟!
سمعت صوت خبط ضعيف من الناحية التانية، وبعده صوتها وهي بتقول:
— إبراهيم، اسمعني كويس. نهى مش هي اللي خانتك، وكل اللي حصل في السنين اللي فاتت كان علشان تحميك وتحمي ولادي.
بصيت لأبويا، لقيته بيصرخ في الراجل اللي معاه:
— طلّعه بره فورًا!
لكن مريم صرخت من جوه الباب قبل ما حد يتحرك:
— إبراهيم! لو عايز تعرف ليه نهى رفضت تخلف منك، اسألها عن اللي حصل في المستشفى من اتناشر سنة!
حسيت إن قلبي اتقبض.
من اتناشر سنة؟
ده كان نفس العام اللي اتجوزت فيه نهى!
إيه علاقة أختي برفض نهى للخلفة؟ وإيه اللي حصل في المستشفى؟
وقبل ما أقدر أستوعب كلامها، سمعت صوت تكسير قوي من جوه الأوضة، وبعده صرخة مكتومة.
جريت ناحية الباب، لكن أبويا وقف قدامي ومنعني.
بص لي بعينين مليانين غضب وقال:
— لو فتحت الباب ده، هتخسر كل حاجة، يا إبراهيم. مراتك، وبيتك، واسم عيلتك، وحتى الحقيقة اللي فاكر إنك بتدور عليها.
بصيت له وقلت:
— لو الحقيقة هتخليني أخسر كل ده، يبقى أنا مستعد أخسره.
وفي اللحظة دي، موبايله رن.
بص للشاشة، واتغير لون وشه فجأة.
رد بسرعة، وسمعته بيقول:
— إيه؟! إزاي خرجت من المستشفى؟!
سكت لحظات، وبعدها بص لي بصدمة حقيقية.
وقبل ما يقفل المكالمة، سمعت الطرف التاني بيقول بوضوح:
— أستاذ محمود، مريم مش موجودة في الأوضة… إحنا لقيناها فاضية من عشر دقايق!
بصيت للباب المقفول قدامي.
لو مريم مش موجودة في المستشفى، والصوت اللي سمعته كان صوتها فعلًا…
يبقى مين اللي كان ورا الباب؟!
يتبع في الجزء الثالث…
### الجزء الثالث: الباب اتفتح… لكن اللي لقيناه وراه كشف سر أخطر من اختفاء أختي!
فضلت باصص لأبويا، مستني منه أي رد يفسر اللي سمعته.
الراجل اللي كان معاه بدأ يتكلم في التليفون بعصبية، وأبويا وشه بقى أصفر، وإيده اللي ماسكة الموبايل كانت بتترعش.
لأول مرة في حياتي، أشوف الحاج محمود السيوفي، الراجل اللي كان بيخوف أكبر رجال الأعمال في البلد، واقف قدامي مش عارف يتصرف.
قربت منه وقلت:
— مين اللي خرج من المستشفى يا بابا؟ ومريم فين؟
رد بعصبية:
— ملكش دعوة!
— لأ، ليا كل الدعوة. دي أختي، وإنت قلت لي من خمستاشر سنة إنها سافرت ومش عايزة تشوفنا. دلوقتي عرفت إنها كانت موجودة طول الوقت، وعرفت إنك مخبيها عني. عايز أعرف الحقيقة كاملة!
أبويا بص للراجل اللي معاه، وبعدها أشار له إنه يخرج.
لكن قبل ما الراجل يتحرك، مسكته من دراعه وقلت:
— محدش هيمشي من هنا قبل ما أعرف مين مريم اللي اتكلمت من ورا الباب!
الراجل بص لأبويا بتوتر.
أما أبويا، فصرخ فيا:
— إنت اتجننت؟ إنت بتتهمني في بيتي؟!




