
رديت عليه وأنا ببص في عينيه:
— أنا مش بتهمك يا بابا. أنا بقول لك إني سمعت صوت أختي، وسمعتك وإنت بتتكلم عن توقيعها على أوراق ملكية. ولو فيه تفسير تاني، اتفضل قوله.
سكت.
وفجأة، برونو شدني من جاكت بدلتي.
بصيت له، لقيته بيشاور ناحية آخر الممر، ناحية باب صغير كان مستخبي ورا ستارة طويلة.
همس لي:
— يا عمو، فيه باب تاني بيوصل للأوضة دي.
بصيت لأبويا، ولقيته اتغير لونه أكتر.
وده كان كفاية علشان أعرف إن الولد بيقول الحقيقة.
جريت ناحية الباب الصغير، وأبويا حاول يمنعني، لكني سبقته وفتحته.
ورا الباب كان فيه سلم ضيق نازل للقبو.
نزلت بسرعة، وبرونو ورايا، لحد ما وصلنا لأوضة فيها سرير صغير، وكرسي، ودولاب قديم.
الأوضة كانت فاضية.
لكن على الأرض كان فيه موبايل مكسور، وكوباية مية واقعة، وقطعة قماش عليها بقع دم صغيرة.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
— يا نهار أبيض!
برونو بدأ يعيط.
— ماما كانت هنا يا عمو. أنا شوفتها بعيني. جدو قال إنها مش هتخرج غير لما تمضي الورق.
لفيت ناحيته بسرعة.
— إنت تقصد مريم ولا نهى؟
الولد سكت، وبص لي بخوف.
وبعد لحظات قال:
— ماما مريم.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
يعني مريم كانت هنا فعلًا، وبعدها اختفت قبل ما أوصل بدقايق!
لكن إزاي؟
وفين راحت؟
وقبل ما أسأله، أبويا نزل السلم ووقف عند باب الأوضة.
— اطلع يا إبراهيم. كفاية لحد كده.
بصيت له بغضب.
— مريم فين؟
— مش عارف.
— كداب! إنت كنت بتتكلم عنها من شوية، وبتقول إنها لازم تمضي على ورق!
رفع صوته:
— أنا بحاول أحافظ على العيلة دي من الفضايح!
ضحكت بمرارة.
— فضايح إيه؟ إن بنتك اختفت خمستاشر سنة؟ ولا إنك حبستها؟ ولا إنك خليت ابنها يخاف منك لدرجة إنه يستخبى علشان يطلب المساعدة؟
أبويا قرب مني وقال بصوت واطي:
— إنت فاكر إنك البطل اللي هيقدر ينقذ الكل؟ إنت حتى مش عارف إيه اللي حصل لأختك، ولا إيه اللي عملته مراتك علشان تحمي نفسها!
وقفت قدامه وسألته:
— نهى عملت إيه؟
لكنه ما ردش.
بدل ما يجاوب، بص لبرونو وقال:
— خد الولد واطلع فوق.
برونو مسك إيدي بقوة، وكأنه خايف أسيبه.
قلت لأبويا:
— محدش هياخد الولد من هنا.
أبويا بص لي نظرة طويلة، وبعدها قال:
— إنت لسه فاكر إن الأطفال دول أولاد نهى؟
الكلام نزل عليا زي الصاعقة.
— أمال أولاد مين؟
ابتسم ابتسامة باردة.
— اسأل مراتك.
وفي اللحظة دي، سمعت صوت عربية بتقف قدام الفيلا.
بعد ثواني، دخلت نهى القبو وهي بتنهج، وشعرها مبعثر ووشها شاحب.
أول ما شافت برونو، جريت عليه وحضنته.
— إنت كويس يا حبيبي؟ حد عمل لك حاجة؟
الولد هز رأسه وهو بيعيط.
لكن أنا ما كنتش قادر أبص لها غير بنظرات الغضب والحيرة.
— إنتِ كنتِ عارفة إن مريم عايشة؟
نهى رفعت عينيها ليا، ودموعها نزلت.
— أيوه.
حسيت إن قلبي اتكسر.
— من إمتى؟
— من تسع سنين.
رجعت خطوة لورا.
تسع سنين!
يعني كل السنين دي، وأنا فاكر إن أختي اختفت، ومراتي كانت عارفة إنها عايشة!
قلت بصوت مخنوق:
— وإنتِ سكتّي ليه؟ ليه خليتيني أعيش كل ده وأنا مش عارف الحقيقة؟
نهى مسحت دموعها، وبصت لي نظرة عمري ما هنساها.
— علشان لو كنت عرفت، أبوك كان هيأذيك إنت كمان.
— يأذيني إزاي؟!
بصت لأبويا، وبعدها رجعت تبص لي.
— لأن مريم ما اختفتش بإرادتها يا إبراهيم. أبوك هو اللي أجبرها تبعد عنك، ولما حاولت ترجع، هددها إنها مش هتشوف ابنها تاني.
برونو دفن وشه في حضنها، وبدأ يعيط.
وأنا حسيت إن كل كلمة بتقولها نهى بتكشف جزء من كابوس أكبر.
بصيت لأبويا.
— إنت عملت كده فعلًا؟
رد بغضب:
— أنا كنت بحمي عيلتي!
نهى صرخت:
— لأ! إنت كنت بتحمي فلوسك وسمعتك!
ساد الصمت في الأوضة.
لأول مرة، نهى واجهت أبويا من غير خوف.
وبعدها رجعت تبص لي وقالت:
— فيه حاجة لازم تعرفها عن مريم، وعن الأطفال التلاتة، وعن سبب رفضي للخلفة طول السنين اللي فاتت.
قعدت على الكرسي القديم، وحطيت إيدي على راسي.
— اتفضلي. أنا سامعك.
نهى بدأت تحكي.
من خمستاشر سنة، مريم كانت بتحب شاب اسمه كريم. كان شاب محترم، لكن عيلته بسيطة، وأبويا رفض جوازهم بشدة.
مريم اتجوزته في السر، وبعدها حملت في أول طفل ليهم.
لما أبويا عرف، هددها إنه هيحرمها من الميراث، وهيخليها تندم على اليوم اللي خالفت فيه أوامره.
مريم خافت، لكنها ما رجعتش في قرارها.
وبعد ولادة ابنها الأول، حصلت مشكلة كبيرة بين كريم وأبويا، انتهت بموت كريم في حادث عربية غامض.
الشرطة سجلت الحادث باعتباره قضاء وقدر، لكن مريم كانت مقتنعة إن فيه حاجة مش طبيعية حصلت.
بعد وفاة كريم، مريم حاولت ترجع بيت عيلتها، لكنها اكتشفت إن أبويا مش ناوي يسامحها.
أخد منها ابنها الأول لفترة، وهددها إنه هيخليها تخسره للأبد لو حاولت تفضح أي حاجة تخص شغله.
ومع مرور السنين، مريم خلفت طفلين تانيين، وبقت عايشة في خوف دائم من إن أبويا ياخد أولادها منها.
نهى كانت أول شخص من عيلتنا يعرف مكانها.
قابلتها بالصدفة من تسع سنين، لما كنت مسافر في رحلة شغل قصيرة، ونهى راحت تزور واحدة صاحبتها في الإسكندرية.
هناك، شافت مريم في مستشفى، وكانت حالتها الصحية سيئة بعد ولادة طفلها الأصغر.
نهى ساعدتها، وبدأت تزورها سرًا، وبعد فترة عرفت حجم التهديدات اللي كانت بتتعرض لها.
لكن أبويا اكتشف الموضوع.
هدد نهى إنه هيستخدم علاقاته علشان يدمّر حياتها، وإنه هيخليني أصدق إنها بتخوني لو حاولت تساعد مريم.
ومن وقتها، نهى فضلت محاصرة بين خوفها على نفسها وخوفها على أختي وأطفالها.
كنت بسمعها وأنا مش قادر أستوعب.
لكن كان فيه سؤال واحد لسه ملوش إجابة.
قلت لها:
— طيب، ليه رفضتي الخلفة مني؟ إيه علاقة ده بكل اللي حصل؟
نهى غمضت عينيها، وكأنها بتحاول تستجمع شجاعتها.
وبعدين قالت:
— علشان أنا حملت يا إبراهيم.
حسيت إن قلبي وقف.
— إيه؟!
دموعها نزلت أكتر.
— من اتناشر سنة، بعد جوازنا بشهور، حملت في طفلنا الأول. كنت فرحانة، وكنت مستنياك ترجع من السفر علشان أقول لك. لكن قبل ما ترجع، حصلت لي مشكلة صحية، واضطريت أدخل المستشفى.
وقفت لحظة، وبعدين كملت:
— أبوك عرف إني حامل، وجالي المستشفى. قال لي إن وجود طفل بينا هيخليني مرتبطة بيك للأبد، وإنه مش هيسمح لبنت من دار أيتام إنها تتحكم في مستقبل ابنه.
بصيت لها وأنا مش قادر أتنفس.
— عمل لك إيه؟
نهى هزت رأسها وهي بتعيط.
— ما أقدرش أثبت كل اللي حصل، لكن بعد الزيارة دي، حالتي اتدهورت، وفقدت الحمل. وبعدها الدكتور قال لي إن فرصتي في الحمل تاني بقت ضعيفة جدًا بسبب المضاعفات اللي حصلت.
حطيت إيدي على وشي.
أنا كنت فاكر إن نهى بترفض الأطفال لأنها مش عايزة تكون أم.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
كانت موجوعة، وخايفة، ومش قادرة تواجهني بالحقيقة، خصوصًا بعد ما أبويا هددها.
رفعت عيني ليها وسألتها:
— ليه ما قلتيليش؟
ردت بصوت مكسور:
— حاولت. كتبت لك رسالة وأنا في المستشفى، لكن أبوك أخدها قبل ما توصل لك. وبعدها قال لي إنك عرفت الحقيقة، وإنك وافقت على إننا منخلفش علشان متخسرنيش.
حسيت بغضب عمري ما حسيت بيه قبل كده.
أربع سنين بعيد عن مراتي، واثناشر سنة من الشك وسوء الفهم، وخمستاشر سنة من الكذب على أختي.
كل ده بسبب راجل كنت فاكره بيحاول يحافظ على عيلته.
لفيت ناحية أبويا.
كان واقف ساكت، ووشه خالي من أي تعبير.
قلت له:
— إنت دمرت حياتنا كلنا.
رد ببرود:
— أنا عملت اللي كان لازم يتعمل.
وقبل ما أقدر أرد، نهى مسكت إيدي وقالت:
— إبراهيم، لسه فيه حاجة أخطر. الأطفال التلاتة مش مجرد أولاد مريم. أبوك بيحاول ياخد منهم حاجة تخص والدهم، وعلشان كده محتاج توقيع مريم.
سألتها:




