منوعات

القصة كاملة للنهاية من هنا بقلم محمد عبده

الجزء الثاني

ظل مروان واقفًا مكانه للحظات، وكأن عقله لم يستوعب ما يحدث.

السيارتان السوداوان توقفتا أمام المنزل، وخرج منهما أربعة رجال يرتدون ملابس رسمية.

لكن الرجل الذي نزل من السيارة الأولى جعل الجميع يصمت.

كان يرتدي زيًا عسكريًا أنيقًا، وعلى صدره صف طويل من الأوسمة، وعلى كتفيه شارات رتب جعلت مروان يحدق فيه غير مصدق.

تقدم الرجل بخطوات ثابتة نحو الفناء.

ثم توقف أمامي مباشرة.

ألقى نظرة سريعة على الأصفاد حول معصمي، وتغير وجهه.

قال بصوت واضح:

— سيدي اللواء فارس الحداد!

سقط الهاتف من يد عمتي نوال.

أما مروان، فتجمد في مكانه.

نظر الرجل إليه ثم قال:

— من سمح لك بوضع الأصفاد في يدي اللواء؟

فتح مروان فمه، لكنه لم يجد كلمة واحدة.

قال عمي حسن:

— اللواء؟!

ضحك أحد أبناء العائلة بتوتر:

— مستحيل… فارس مجرد موظف حكومي.

استدار الرجل نحوه وقال ببرود:

— موظف حكومي؟

ثم أخرج بطاقة رسمية ووضعها أمام أعين الجميع.

— اللواء فارس الحداد يشغل منصبًا قياديًا في هيئة الاستجابة الوطنية للطوارئ، وخدم لسنوات في مهام عسكرية وحكومية حساسة.

ساد الصمت.

كنت أستطيع أن أرى الصدمة على وجوههم واحدًا تلو الآخر.

أما مروان فبدأ يتراجع خطوة.

قلت له:

— قلت لك أن تزيل الأصفاد.

رد بسرعة:

— أنا… كنت أمزح.

قلت:

— لم يكن الأمر مضحكًا عندما وضعتها.

اقترب أحد الضباط من مروان وقال:

— أعطني مفاتيح الأصفاد.

تردد مروان.

فكرر الضابط:

— الآن.

أخرج مروان المفتاح بيد مرتجفة، وبدأ يفك الأصفاد.

وبمجرد أن تحررت يداي، فركت معصمي بهدوء.

لم أصرخ.

لم أهدده.

لم أطلب منهم الانتقام.

وهذا جعل مروان أكثر خوفًا.

لأنه كان يعرف أن الشخص الذي يقف أمامه لم يكن ابن عمه الذي اعتاد السخرية منه.

كان شخصًا آخر تمامًا.

قالت عمتي نوال بصوت متقطع:

— فارس… لماذا لم تخبرنا؟

نظرت إليها وقلت:

— أخبركم بماذا؟

لم تجب.

تابعت:

— أنني كنت أخدم بلدي؟

هزت رأسها.

قلت:

— كنتم تعرفون أنني في الجيش.

ثم نظرت إلى مروان.

— لكنكم قررتم أن تعتبروا صمتي دليلًا على أنني فاشل.

خفض عمي حسن عينيه.

أما مروان فقال بسرعة:

— فارس، اسمعني… أنا لم أكن أعرف.

قلت:

— بالضبط.

اقترب مني الضابط الذي ناداني باللواء وقال:

— سيدي، لدينا اجتماع بعد أربعين دقيقة.

أومأت برأسي.

ثم التفت إلى عائلتي.

لأول مرة منذ سنوات، لم أشعر بالحاجة إلى إثبات أي شيء لهم.

قلت:

— لهذا السبب لم أتحدث عن عملي.

ثم نظرت إلى الأصفاد التي كانت لا تزال في يد مروان.

— لأنني لم أكن بحاجة إلى أن أستخدم رتبتي حتى أشعر أنني شخص مهم.

لم يرد أحد.

ركبت السيارة الحكومية.

لكن قبل أن أغلق الباب، سمعت مروان يقول:

— فارس!

توقفت.

قال بصوت منخفض:

— هل… ستبلغ عني؟

نظرت إليه لبضع ثوانٍ.

ثم قلت:

— الأمر لا يتعلق بما سأفعله أنا.

تغير وجهه.

وأضفت:

— بل بما ستكتشفه أنت عندما تصل تقارير ما فعلته إلى الأشخاص الذين يجب أن يعرفوا.

ثم أغلقت الباب.

تحركت السيارة ببطء مبتعدة عن المنزل.

لكن ما لم يعرفه أحد في ذلك الوقت…

أن وصول السيارات الحكومية لم يكن بسبب حادثة الأصفاد.

لقد جاءت من أجل مهمة أكبر بكثير.

وكان اسم عائلتي قد ظهر بالفعل داخل ملف سري لم يكن من المفترض أن يراه أحد.

والمفاجأة الأكبر؟

أن مروان لم يكن الشخص الوحيد في تلك العائلة الذي يخفي شيئًا.

يتبع…
الجزء الثالث

لم أكن أتوقع أن تتغير حياتي بسبب حفلة شواء عائلية.

لكن بعد مغادرتي منزل عائلتي، لم تتجه السيارة الحكومية إلى مقر عملي مباشرة.

بدلًا من ذلك، انعطفت إلى طريق جانبي بعيد عن المدينة.

جلست في المقعد الخلفي، بينما كان الرقيب سامر يقود السيارة، وبجواره ضابط آخر يُدعى العقيد ياسين.

قال ياسين دون أن يلتفت إليّ:

— سيدي، هل أنت بخير؟

نظرت إلى معصمي.

كانت هناك علامات حمراء واضحة من الأصفاد.

قلت:

— أنا بخير.

ثم أضفت:

— لكنني أريد أن أعرف لماذا طلبتم مني مغادرة الحفل بهذه السرعة.

ساد الصمت لثوانٍ.

ثم أخرج ياسين ملفًا أسود من حقيبته ووضعه بجانبي.

قال:

— لأن الأمر لم يعد يتعلق بمهمتك المعتادة.

فتحت الملف.

كانت الصفحة الأولى تحمل ختمًا أحمر مكتوبًا عليه:

سري للغاية.

تحت الختم كان هناك اسم أعرفه جيدًا.

مروان الحداد.

تجمدت عيناي.

رفعت رأسي.

— ابن عمي؟

أومأ ياسين.

— نعم.

قلبت الصفحة.

كانت هناك صور لمروان، وسجلات مالية، وأسماء شركات، وتحويلات مالية تمت خلال الأشهر الماضية.

قلت:

— ماذا يفعل؟

قال ياسين:

— هذا ما نحاول معرفته.

قلبت المزيد من الأوراق.

ثم توقفت عند اسم شركة.

شركة النور للخدمات الأمنية.

عرفتها.

كانت الشركة التي يعمل معها أحد أصدقاء مروان المقربين.

قلت:

— هذه الشركة حصلت مؤخرًا على عقود حكومية.

— صحيح.

— ومن يملكها؟

نظر إليّ ياسين.

— هذا هو الجزء المثير للاهتمام.

ثم وضع صورة أخرى أمامي.

كان الرجل الموجود فيها هو عمي حسن.

شعرت بشيء بارد يمر في صدري.

— عمي؟

قال ياسين:

— والد مروان شريك صامت في الشركة.

أغلقت الملف للحظة.

لم أكن أستطيع تصديق ما أراه.

عائلتي التي قضت سنوات وهي تسخر مني لأنني أعمل في الحكومة، كانت مرتبطة بشركة تخضع الآن لتحقيق رسمي.

قال سامر من خلف المقود:

— وهناك شيء آخر، سيدي.

نظرت إليه عبر المرآة.

— ماذا؟

قال:

— اسمك ظهر داخل إحدى الوثائق.

فتحت الملف مرة أخرى.

وجدت نسخة من مستند يحمل توقيعًا مزورًا باسمي.

قلت:

— هذا ليس توقيعي.

قال ياسين:

— نعرف.

ثم أضاف:

— لهذا السبب كان وجودك في ذلك الحفل مشكلة.

رفعت رأسي.

— كيف؟

قال:

— لأننا كنا نراقب مروان منذ أسابيع.

ثم نظر إليّ مباشرة.

— ولم نكن نعرف أنه سيضع الأصفاد في يديك أمام أفراد عائلتك.

صمتُّ.

وفجأة فهمت شيئًا.

لم تكن السيارات الحكومية قد وصلت مصادفة.

كانوا يراقبون المنزل بالفعل.

لكن لماذا؟

قال ياسين:

— هناك شخص داخل عائلتك يمرر معلومات لشخص آخر.

قلت:

— ومن هو؟

هز رأسه.

— لا نعرف بعد.

ثم أضاف:

— لكننا نعتقد أن الشخص الذي يملك الإجابة كان موجودًا في حفل الشواء اليوم.

تذكرت وجوه الجميع.

عمتي نوال.

عمي حسن.

مروان.

إخوته.

أبناء العائلة.

كلهم كانوا هناك.

ثم تذكرت شيئًا صغيرًا.

شيئًا لم أنتبه إليه إلا بعد فوات الأوان.

قبل أن يغادر مروان المكان، كان قد أجرى مكالمة هاتفية قصيرة.

وكان الشخص الذي اتصل به…

عمتي نوال.

قلت لياسين:

— أريد العودة إلى المنزل.

نظر إليّ باستغراب.

— لماذا؟

قلت:

— لأن هناك شخصًا في ذلك المنزل يعرف الحقيقة.

ثم فتحت هاتفي.

وجدت رسالة وصلتني قبل دقائق من رقم مجهول.

كانت تحتوي على جملة واحدة فقط:

“إذا كنت تريد معرفة من خانك، لا تثق بأحد من عائلتك.”

رفعت عيني عن الشاشة.

وفي تلك اللحظة وصلتني رسالة ثانية.

كانت أخطر بكثير.

“والأهم… لا تثق بالضابط الذي يجلس بجانبك.”

نظرت ببطء إلى العقيد ياسين.

ثم إلى سامر خلف المقود.

وفجأة…

لم أعد أعرف من أستطيع أن أثق به.

يتبع…
الجزء الرابع

ظللت أحدق في الرسالة على هاتفي، بينما كان صوت محرك السيارة يملأ الصمت.

لم أُظهر أي انفعال.

وضعت الهاتف في جيبي وقلت بهدوء:

— العقيد ياسين، إلى أين نتجه الآن؟

أجاب دون تردد:

— إلى مركز القيادة.

ابتسمت ابتسامة خفيفة.

— جيد.

لكنني لم أكن أصدقه.

الرسالة كانت واضحة: لا تثق بالضابط الذي يجلس بجانبك.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى