
الجزء الثاني
لم تنم مريم تلك الليلة.
كانت صورة كومة التراب بجوار المخزن لا تفارق عينيها، وكلما أغمضت عينيها تخيلت سلمى وهي تدخل ذلك المكان بمفردها.
أما سلمى، فكانت نائمة بهدوء، تحتضن الكرة الأرضية القديمة التي أهداها لها الحاج يونس.
في منتصف الليل، استيقظت مريم على صوت ابنتها وهي تتحدث أثناء نومها.
— لا… لا تخاف يا جدي…
جلست مريم فجأة.
— جدي؟
اقتربت من ابنتها، لكنها لم توقظها.
في الصباح، سألتها بهدوء:
— سلمى، لماذا قلتِ “جدي” وأنتِ نائمة؟
فتحت الطفلة عينيها وقالت:
— الحاج يونس قال لي إن جدي كان يحب الخرائط مثلي.
تجمدت مريم.
— ماذا قال لكِ أيضًا؟
— قال إن عنده شيئًا يخصني، لكنه سيعطيني إياه عندما أكبر.
— وأين قال ذلك؟
أشارت سلمى إلى الكرة الأرضية.
— هنا.
نظرت مريم إليها باستغراب.
كانت كرة أرضية قديمة، مصنوعة من الخشب، وعليها آثار خدوش كثيرة.
أخذتها من ابنتها وبدأت تفحصها.
لم تجد شيئًا.
لكنها لاحظت أن القاعدة الخشبية كانت أثقل من اللازم.
حاولت فتحها، لكنها لم تستطع.
قررت ألا تخبر أحدًا.
في ذلك اليوم، ذهبت إلى محل البقالة كعادتها، لكنها لم تستطع التركيز في عملها.
وبعد الظهر، وصلت شقيقتها هالة.
قالت وهي تنظر إليها بقلق:
— سمعت أن سلمى كانت عند الحاج يونس مرة ثانية.
— نعم.
— مريم، هذا الرجل خطير.
تنهدت مريم.
— الجميع يقول ذلك، لكن لا أحد يملك دليلًا.
— وهل تحتاجين إلى دليل حتى تحمي ابنتك؟
لم تجب مريم.
كانت تعرف أن شقيقتها محقة في شيء واحد على الأقل: عليها أن تعرف الحقيقة.
وفي المساء، انتظرت حتى نامت سلمى، ثم خرجت من المنزل وحدها.
كانت تحمل مصباحًا صغيرًا وهاتفها.
لم تخبر أحدًا إلى أين ذاهبة.
سارت في الطريق المؤدي إلى منزل الحاج يونس.
كلما اقتربت، ازداد شعورها بأن هناك شيئًا غير طبيعي.
وعندما وصلت إلى السور، اختبأت خلف شجرة كبيرة.
كان المنزل مظلمًا.
لكن ضوءًا خافتًا ظهر من جهة المخزن.
اقتربت ببطء.
ثم سمعت صوتًا.
صوت الحاج يونس.
كان يتحدث مع شخص آخر.
توقفت مريم خلف الباب الخشبي.
— لم يعد بإمكاني إخفاء الأمر أكثر.
صمت قليلًا.
ثم جاء صوت رجل آخر:
— إذا عرف أهل القرية الحقيقة، فسوف ينهار كل شيء.
ارتجفت مريم.
وضعت يدها على فمها حتى لا تصرخ.
ثم سمعت الحاج يونس يقول:
— أنا وعدت زوجتي أن أحافظ على الأمانة حتى تأتي ابنتها.
ابنتها؟
شعرت مريم بقشعريرة.
ابنة من؟
اقتربت أكثر.
لكن قدمها اصطدمت بقطعة خشب.
صدر صوت خافت.
توقف الكلام داخل المخزن.
ثم فُتح الباب فجأة.
تراجعت مريم بسرعة واختبأت خلف الشجرة.
خرج الحاج يونس، ونظر حوله طويلًا.
ثم أغلق الباب وعاد إلى الداخل.
انتظرت مريم عدة دقائق قبل أن تتحرك.
كانت على وشك العودة إلى منزلها عندما لاحظت شيئًا قرب المخزن.
كان هناك صندوق معدني صغير مدفون جزئيًا في التراب.
اقتربت منه.
وجدت أن غطاءه غير مغلق بالكامل.
فتحته.
في الداخل كانت هناك أوراق قديمة وصور ورسائل مربوطة بشريط قماشي.
أخذت مريم أول رسالة.
كان الظرف يحمل اسمًا واضحًا:
“إلى من سيأتي بعدي… من زوجتي زينب.”
اتسعت عينا مريم.
زوجة الحاج يونس؟
بدأت تقرأ.
كانت الرسالة قصيرة، لكن كلماتها جعلت قلبها يخفق بشدة:
> “إذا كنت تقرأ هذه الرسالة، فهذا يعني أن يونس لم يخبرك بالحقيقة كاملة. الناس يظنون أنني اختفيت، لكنني لم أمت كما يعتقدون…”
توقفت مريم عن التنفس للحظة.
ثم تابعت القراءة.
> “لم يقتلني زوجي. بل أنقذ حياتي.”
رفعت مريم رأسها نحو المنزل.
وفجأة سمعت صوتًا خلفها.
— ماذا تفعلين هنا يا مريم؟
استدارت بسرعة.
كان الحاج يونس يقف على بعد خطوات منها.
وفي يده مصباح.
نظر إلى الصندوق المفتوح، ثم إلى الرسالة في يدها.
لم يغضب.
لم يصرخ.
بل قال بصوت حزين:
— كنت أتمنى ألا تعرفي بهذه الطريقة.
ابتلعت مريم ريقها.
— أين زوجتك؟
ظل الرجل صامتًا لثوانٍ.
ثم قال:
— في المكان الذي أخفيتها فيه منذ خمسة عشر عامًا.
تراجعت مريم خطوة.
— هل هي… ميتة؟
هز رأسه.
— لا.
تجمدت مريم في مكانها.
ثم أضاف:
— زوجتي زينب ما زالت على قيد الحياة.
لكن قبل أن تستوعب مريم ما سمعته، سمع الاثنان صوت سيارة تتوقف أمام المنزل.
ثم فُتح باب السيارة.
ونزلت منه امرأة مسنة تحمل حقيبة صغيرة.
رفع الحاج يونس رأسه نحوها، وقال:
— لقد وصلت.
نظرت المرأة إلى مريم مباشرة.
ثم قالت بصوت مرتجف:
— أنتِ أم سلمى، أليس كذلك؟
أومأت مريم.
اقتربت المرأة منها، وأخرجت صورة قديمة من حقيبتها.
عندما رأتها مريم، شعرت أن الأرض اختفت من تحت قدميها.
كانت الصورة تجمع الحاج يونس مع امرأة شابة…
وبين ذراعيهما طفلة صغيرة.
والطفلة كانت تشبه سلمى بشكل مخيف.
لكن سلمى لم تكن قد وُلدت قبل ذلك التاريخ فقط… بل كانت هناك حقيقة أخطر بكثير لم تعرفها مريم عن زوجها الراحل أحمد.
الجزء الثالث
ظلّت مريم تحدق في الصورة دون أن تنطق.
كانت المرأة التي تقف أمامها هي نفسها المرأة الموجودة في الصورة، لكن الصورة كانت قديمة جدًا. ظهر فيها الحاج يونس في شبابه، وبجانبه زوجته زينب، وبين ذراعيها طفلة صغيرة.
والطفلة…
كانت تشبه سلمى بدرجة أخافت مريم.
قالت المرأة:
— لا تخافي. هذه ليست ابنتك.
رفعت مريم عينيها إليها بسرعة.
— إذن من تكون؟
تنهدت زينب.
— اسمها ليلى. كانت ابنتي.
نظر الحاج يونس إلى الأرض.
قالت زينب:
— لكنها اختفت منذ خمسة عشر عامًا.
شعرت مريم بالارتباك.
— وما علاقة هذا بابنتي؟
أجاب الحاج يونس:
— علاقة أكبر مما تتخيلين.
اقتربت زينب من مريم ومدت إليها رسالة أخرى.
— هذه كتبها زوجك أحمد قبل وفاته.
تجمدت مريم.
— أحمد؟
أومأت زينب.
— كان يعرفنا منذ سنوات.
فتحت مريم الرسالة بيدين مرتجفتين.
كان الخط خط زوجها بالفعل.
> “يونس، إذا حدث لي شيء، لا تخبر مريم بالحقيقة إلا عندما تكبر سلمى قليلًا. أخشى أن يؤدي كشف الأمر إلى تعريضهما للخطر.”




