
رفعت مريم رأسها.
— ما الحقيقة؟
لم يجب أحد.
صرخت:
— ماذا كان يخفي زوجي عني؟
جلس الحاج يونس على كرسي خشبي بجوار الباب.
— قبل وفاة أحمد بثلاث سنوات، اكتشف أن هناك أشخاصًا كانوا يستغلون أطفالًا من أسر فقيرة، ويزورون أوراقهم ثم يرسلونهم إلى أماكن بعيدة.
شهقت مريم.
— وأحمد كان يعرفهم؟
— لم يكن واحدًا منهم، بل حاول كشفهم.
قالت زينب:
— ولهذا اختفت ابنتي ليلى.
أخذت مريم نفسًا عميقًا.
— وما علاقة سلمى؟
صمت الحاج يونس طويلًا، ثم قال:
— أحمد كان أحد الأشخاص الذين ساعدوا في إنقاذ مجموعة من الأطفال.
— وسلمى؟
— سلمى كانت واحدة من الأطفال الذين حاول أحمد حمايتهم.
تراجعت مريم خطوة.
— هذا مستحيل! سلمى ابنتي!
قال الحاج يونس:
— نعم. ولهذا السبب بالذات أخفيت بعض الأدلة.
ثم أشار إلى الكرة الأرضية القديمة التي كانت مريم قد أحضرتها معها.
— هل تعرفين لماذا أعطيتها لسلمى؟
هزت مريم رأسها.
اقترب الرجل وفتح الجزء السفلي من الكرة بطريقة خفية.
انفتح غطاء صغير.
وفي الداخل كان هناك مفتاح نحاسي صغير وذاكرة إلكترونية.
قال:
— أحمد تركهما هنا منذ سنوات.
حدقت مريم فيهما.
— لماذا لم تعطِني إياهما؟
— لأنني كنت أراقب من يحاول الوصول إليهما.
فجأة سُمع صوت سيارة أخرى في الخارج.
تبادل الحاج يونس وزينب نظرة سريعة.
قال الرجل:
— لقد وجدونا.
ارتبكت مريم.
— من؟
أطفأ الحاج يونس المصباح.
— الأشخاص الذين كنت أخشى عودتهم.
وفي تلك اللحظة، ظهر ضوء قوي من خلف النوافذ.
كانت سيارة سوداء تقف أمام المنزل.
ثم نزل منها رجلان.
أمسكت مريم بذراع زينب.
— ماذا سنفعل؟
قال الحاج يونس:
— اذهبي إلى المخزن.
— لكن…
— خذي المفتاح والذاكرة، ولا تخبري أحدًا بمكانهما.
ركضت مريم إلى الداخل.
كان قلبها يخفق بعنف.
وفجأة سمعت صوت طرق قوي على الباب الرئيسي.
ثم جاء صوت رجل:
— يا حاج يونس! افتح الباب!
لم يرد.
تكرر الطرق.
— نعرف أنك بالداخل!
وضعت مريم الذاكرة في جيبها.
ثم نظرت إلى المفتاح.
كانت هناك كتابة صغيرة عليه:
“غرفة 17”.
لكنها لم تكن تعرف ما المقصود.
وفي تلك اللحظة، وصلتها رسالة على هاتفها.
فتحتها.
كان الرقم مجهولًا.
وجاء فيها:
“إذا كنتِ تريدين معرفة الحقيقة عن أحمد وسلمى، تعالي وحدك إلى محطة القطار القديمة قبل منتصف الليل.”
وتحت الرسالة صورة.
عندما فتحتها، تجمدت مريم.
كانت الصورة لزوجها أحمد…
وهو يقف بجوار رجل لم تره من قبل.
لكن الرجل الآخر كان يحمل في يده ملفًا مكتوبًا عليه اسم:
سلمى.
رفعت مريم رأسها نحو الحاج يونس.
— من أرسل هذه الرسالة؟
نظر إلى الهاتف، ثم تغير وجهه.
وقال بصوت منخفض:
— هذا يعني أن الشخص الذي ظننا أنه مات… عاد من جديد.
الجزء الرابع
شعرت مريم أن قلبها سيتوقف.
— من تقصد؟
لم يجب الحاج يونس مباشرة.
ظل يحدق في صورة أحمد على شاشة الهاتف، وكأن الماضي الذي حاول دفنه لسنوات عاد ليقف أمامه من جديد.
قال أخيرًا:
— الرجل الموجود بجوار أحمد اسمه كمال.
— ومن هو؟
— كان شريكًا لنا في البداية… ثم خاننا.
اقتربت زينب وقالت:
— كمال هو السبب في اختفاء ابنتي ليلى.
شهقت مريم.
— لكنكم قلتم إن ليلى اختفت منذ خمسة عشر عامًا!
— وهذا صحيح.
— إذن كيف تقولون إنه عاد؟
نظر إليها الحاج يونس.
— لأننا لم نكن متأكدين أنه مات أصلًا.
فجأة سُمع صوت تحطم زجاج من الغرفة المجاورة.
صرخت زينب.
أمسك الحاج يونس بمريم وأشار إليها أن تصمت.
ثم همس:
— هناك مخرج خلفي.
لكن مريم رفضت أن تتحرك.
— وسلمى؟ ابنتي في المنزل!
— أرسلت أحدًا ليبقى معها.
— ماذا؟
— لا تقلقي. هي بأمان.
لم تكن مريم مطمئنة، لكنها أدركت أن البقاء هنا أخطر.
خرج الثلاثة من باب خلفي صغير، وساروا بين الأشجار حتى وصلوا إلى طريق جانبي.
كانت سيارة قديمة تنتظرهم.
ركبوا بسرعة.
وبعد دقائق، بدأت مريم تسأل:
— أريد الحقيقة كاملة. لا أريد أي أسرار أخرى.
تنهد الحاج يونس.
— قبل خمسة عشر عامًا، كانت ليلى ابنتي الوحيدة. اكتشفت أنا وزينب أن هناك أشخاصًا يزورون أوراق أطفال فقراء ويغيرون هوياتهم.
— وماذا فعلتم؟
— حاولنا إبلاغ السلطات، لكن كمال كان يعرف أشخاصًا نافذين. وعندما اكتشف أننا جمعنا الأدلة، اختفت ليلى.
قالت زينب:
— بحثنا عنها سنوات.
— وماذا حدث بعد ذلك؟
أجاب الحاج يونس:
— أحمد ساعدنا.
صمت قليلًا.
— كان يعمل في مجال النقل، وكان يعرف طرقًا كثيرة بين المحافظات. اكتشف أن بعض الأطفال كانوا يُنقلون باستخدام أوراق مزورة.
نظرت مريم إلى الأرض.
— ولماذا لم يخبرني؟
— لأنه كان يخاف عليكِ وعلى سلمى.
ثم أخرج الحاج يونس صورة أخرى.
كانت صورة أحمد وهو يحمل طفلة صغيرة.
قال:
— هذه الصورة التُقطت قبل وفاة أحمد بأشهر.
حدقت مريم فيها.
كانت الطفلة هي سلمى.
لكن عمرها في الصورة كان أكبر مما تتذكره مريم.
رفعت رأسها بسرعة.
— هذه الصورة لا يمكن أن تكون حقيقية.
قالت زينب:
— لهذا ترك أحمد لكِ رسالة.
أعطتها ظرفًا آخر.
فتحته مريم.
وكانت كلمات أحمد واضحة:
> “مريم، إذا كنت تقرئين هذه الرسالة، فربما لم أعد موجودًا. لا أريدك أن تبحثي عن الحقيقة وحدك. سلمى هي ابنتنا، لكن هناك أشخاصًا سيحاولون استخدام ماضيها للوصول إلى ملفات قديمة. ثقي فقط في يونس.”
ارتجفت يد مريم.
— لماذا قال إن هناك أشخاصًا سيحاولون الوصول إلى سلمى؟
قال الحاج يونس:
— لأن أحمد كان يحتفظ بدليل يمكن أن يكشف كمال ومن معه.
— أين الدليل؟
نظر الحاج يونس إلى المفتاح.
— في الغرفة 17.
وصلوا إلى محطة القطار القديمة بعد منتصف الليل بقليل.
كانت مهجورة تقريبًا.
المبنى قديم، والجدران متشققة، والنوافذ مكسورة.
دخلت مريم خلف الحاج يونس.
كان الممر مظلمًا.
بحثوا عن الغرفة حتى وجدوها.
كان الرقم 17 مكتوبًا على باب خشبي.
أدخل الحاج يونس المفتاح.
صدر صوت طقطقة.
فتح الباب.
كانت الغرفة فارغة تقريبًا.
لكن في الجدار المقابل وُجد صندوق حديدي صغير.
فتحوه.
في الداخل كانت هناك ملفات وصور وأسماء وتواريخ.
أخذت مريم أحد الملفات.
وفجأة توقفت.
كان على الغلاف اسم:
كمال عبد الرحيم.
وفي الملف صورة له مع عدة أشخاص.
لكن ما جعل مريم تشعر بالصدمة لم يكن وجود كمال.
بل وجود شخص آخر تعرفه جيدًا.
رفعت الصورة أمام الحاج يونس.
— هذا الرجل…
قالت بصوت مرتجف:
— هذا هو شقيق زوجي أحمد.
ساد الصمت.
ثم قالت زينب:
— إذن عرفنا الآن كيف كانت الأسرار تصل إلى كمال.
وفي اللحظة نفسها، سمعوا صوت خطوات قادمة من الممر.
ثم جاء صوت رجل:
— أعلم أنكم هنا.
تجمدت مريم.
كان الصوت هادئًا، لكنه مألوف بشكل مخيف.
اقتربت الخطوات.
ثم ظهر الرجل أمام باب الغرفة.
كان في منتصف الخمسينيات، يرتدي معطفًا داكنًا.
ابتسم ابتسامة باردة.
وقال:
— مر وقت طويل يا يونس.
حدق الحاج يونس فيه.
ثم قال:
— كمال…
ابتسم الرجل.
— نعم.
ثم نظر إلى مريم.
— وأنتِ لابد أن تكوني مريم.
تراجعت خطوة.
قال كمال:
— لا تقلقي. لم آتِ لأؤذيك.
ثم أضاف:
— جئت فقط لأخبرك شيئًا عن زوجك الراحل.
— ماذا؟
اقترب خطوة.
— أحمد لم يمت في حادث عشوائي كما أخبروك.
الجزء الخامس — قبل الأخير
شعرت مريم بأن الدم انسحب من وجهها.
— ماذا قلت؟
كرر كمال بهدوء:
— حادث أحمد لم يكن عشوائيًا.
صرخت مريم:
— أنت تكذب!
— كنت أتمنى أن أكون كذلك.
تقدم الحاج يونس خطوة، وقال بغضب:
— لا تستمعي إليه يا مريم. إنه يحاول التلاعب بك.
ابتسم كمال.
— لو كنت أريد التلاعب بها، لما أحضرت هذا.
وأخرج من جيبه ظرفًا بنيًا قديمًا.
ثم ألقاه أمام مريم.
انحنت والتقطته.
كان اسم أحمد مكتوبًا عليه بخط يده.
فتحت الظرف بسرعة.
في الداخل كانت هناك ورقة واحدة.
> “مريم، إذا حدث لي شيء، لا تثقي في شقيقي.”
ارتجفت أصابعها.
— أخوه؟
قال كمال:
— نعم. أخوه كان يعمل معي.
صمتت مريم للحظات، ثم رفعت رأسها.
— إذا كان كل هذا صحيحًا، فلماذا لم تكشف الحقيقة طوال هذه السنوات؟
ضحك كمال بمرارة.
— لأنني كنت جبانًا.
تفاجأت مريم من إجابته.
أكمل:
— خفت على حياتي. وخفت أن يقتلوا ليلى، وخفت أن يصلوا إلى سلمى.
تدخلت زينب:
— لا تصدقيه بالكامل. كمال أخطأ كثيرًا، لكنه ساعدنا في النهاية.
نظرت مريم إليهم جميعًا.
— أنا لا أفهم شيئًا.
اقترب الحاج يونس منها وقال:
— حان الوقت أن تعرفي الحقيقة كاملة.
ثم أخرج ملفًا من الصندوق الحديدي.
فتحه على صفحة محددة.
كانت هناك شهادة ميلاد قديمة، وتقارير، وصورة لرضيعة.
وعلى الورقة اسم سلمى أحمد عبد الله.
شهقت مريم.
— هذه أوراق ابنتي.
— نعم.
— إذن لماذا كانت عندكم؟
قال الحاج يونس:
— لأن أحمد تركها هنا قبل موته.
ثم أشار إلى تاريخ على إحدى الأوراق.
— انظري جيدًا.
حدقت مريم في التاريخ.
كان قبل وفاة أحمد بشهر واحد.
ثم لاحظت شيئًا آخر.
التوقيع الموجود أسفل الصفحة لم يكن توقيع أحمد.
بل توقيع شخص آخر.
شقيقه.
شعرت مريم بدوار.
— ماذا كان يريد من سلمى؟
لم يجب أحد.
وفي تلك اللحظة، رن هاتف مريم.
كان رقمًا مجهولًا.
فتحت الاتصال.
جاءها صوت رجل مذعور:
— مدام مريم… خذي ابنتك واهربي فورًا.
تجمدت.
— من أنت؟
— لا يهم. المهم أنني أعرف أين هم الآن.
— أين؟
ساد صمت لثوانٍ.
ثم قال:
— إنهم أمام منزلك.
انقطع الاتصال.
رفعت مريم رأسها بسرعة.
— سلمى!
ركضت نحو الباب.
أمسك بها الحاج يونس.
— انتظري!
— ابنتي وحدها!
— ليست وحدها.
— لا أستطيع الانتظار!
خرجت مريم من الغرفة، وتبعها الحاج يونس وزينب.
ركبوا السيارة وانطلقوا بأقصى سرعة.
وعندما اقتربوا من منزل مريم، رأت سيارة سوداء متوقفة أمامه.
كان باب المنزل مفتوحًا.
صرخت:
— سلمى!
دخلت مسرعة.
لم تجد أحدًا.
الغرفة فارغة.
سرير سلمى مرتب.
الكرة الأرضية اختفت.
وعلى الطاولة وُضعت ورقة صغيرة.
أمسكتها مريم.
كانت مكتوبة بخط طفل.
“أمي، لا تخافي. أنا ذاهبة مع الرجل الذي يعرف أبي.”
تجمدت مريم.
— من الرجل الذي يعرف أباها؟
نظر الحاج يونس إلى الورقة.
ثم تغير وجهه تمامًا.
— لا…
— ماذا؟
قال بصوت مرتجف:
— هذا ليس خط سلمى.
وقبل أن تستوعب مريم كلماته، سقطت صورة من خلف الورقة.
التقطتها.
كانت صورة قديمة لأحمد وهو يقف أمام منزل غريب.
وبجانبه فتاة شابة.
حدقت مريم في وجه الفتاة.
ثم شهقت.
— هذه…
اقتربت زينب.
وعندما رأت الصورة، وضعت يدها على فمها.
كانت الفتاة هي ليلى.
لكن خلف الصورة كانت هناك جملة واحدة:
“ليلى لم تختفِ قبل خمسة عشر عامًا… لقد كانت تعيش بالقرب منكم طوال الوقت.”
الجزء السادس — النهاية
شعرت مريم أن رأسها يدور.
— ماذا يعني هذا؟ ليلى كانت تعيش بالقرب منا؟




