منوعات

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

لم تتوقف السيارة إلا بعد أن ابتعدنا عدة شوارع عن القاعة.

كانت سلمى تجلس في المقعد الخلفي، صامتة تمامًا.

أما جنى، فكانت تمسك دميتها وتراقب أختها بقلق.

لم أحتمل رؤية ابنتي بهذا الشكل.

أوقفت السيارة أمام منزل أختي مريم، ونزلت معهما.

بمجرد أن دخلنا، ركضت جنى إلى الداخل، لكن سلمى بقيت واقفة عند الباب.

نظرت إليّ وقالت بصوت خافت:

“ماما… هو بابا بجد مش زعلان منها؟”

شعرت بقلبي ينقبض.

جلست أمامها وأمسكت يديها.

“يا حبيبتي، اللي حصل مش غلطتك.”

هزت رأسها، لكن دموعها بدأت تنزل.

“أنا عملت إيه عشان جدتي تكرهني؟”

احتضنتها بقوة.

“إنتِ معملتيش أي حاجة. أبدًا.”

وبعد لحظات، همست:

“بس بابا وافقها.”

لم أجد جوابًا يخفف عنها في تلك اللحظة.

فقط قلت:

“أحيانًا الكبار بياخدوا قرارات غلط جدًا… لكن ده مش معناه إن الغلط بقى صح.”

في تلك الليلة، لم أنم تقريبًا.

وبعد أن تأكدت أن ابنتيّ نامتا، أخرجت هاتفي.

كان هناك بريد إلكتروني من المحامي حسام فؤاد.

فتحت الرسالة.

كان عنوانها:

“إجراءات الطلاق وحماية حقوقك وحقوق الطفلتين.”

قرأت الرسالة للمرة الثالثة.

كل شيء كان جاهزًا.

لم أكن قد أخبرت ياسر بأي شيء لأنني كنت أحتاج إلى التأكد من كل التفاصيل قبل أن أواجهه.

منذ سنوات، وأنا أتحمل إهانات حماتي.

كنت أتحمل تعليقاتها على ملابسي.

تدخلها في تربية بناتي.

مقارناتها المستمرة بين بناتي وأبناء العائلات الأخرى.

لكنني في الفترة الأخيرة بدأت أكتشف أشياء جعلتني أتوقف عن السكوت.

أموال تختفي من حسابات الشركة.

تحويلات مالية لا أفهم سببها.

مصاريف ضخمة باسم مشاريع لم أسمع عنها من قبل.

والأخطر…

وثائق ملكية لم تكن كما أخبرني ياسر طوال سنوات.

في البداية، كنت أظن أنني أبالغ.

لكنني بدأت أراجع المستندات بهدوء.

واكتشفت أن المنزل الذي يعيش فيه ياسر ويتباهى بأنه “بناه من ماله” لم يكن ملكًا له بالكامل.

جزء كبير منه كان مسجلًا باسمي.

أما المبنى الذي توجد فيه شركته…

فكانت ملكيته تعود إلى شركة استثمارية أمتلك فيها الحصة الأكبر.

ياسر لم يكن يعرف أنني احتفظت بكل تلك الأوراق.

كان يعتقد أنني مجرد زوجة تهتم بالبيت والأطفال.

وكان ذلك أكبر خطأ ارتكبه.

في صباح اليوم التالي، استيقظت قبل الجميع.

أعددت الإفطار لبناتي، ثم أخذتهما إلى المدرسة.

بعدها توجهت مباشرة إلى مكتب المحامي.

كان حسام ينتظرني.

وضع أمامي ملفًا سميكًا.

وقال:

“قبل ما نبدأ، لازم تعرفي إن اللي حصل في الحفلة ممكن يكون مهم جدًا في القضية.”

نظرت إليه.

“لأنها ضربت سلمى؟”

هز رأسه.

“الاعتداء على طفلة شيء خطير، خصوصًا لو كان قدام شهود. لكن الأهم هو موقف زوجك.”

سألته:

“تقصد إنه وافقها؟”

قال:

“بالضبط.”

ثم فتح الملف.

“لو عندنا شهود، تسجيلات كاميرات، أو أي رسائل تثبت إن ياسر كان على علم باللي حصل ورفض يحمي ابنته، ده ممكن يكون له تأثير كبير.”

صمت قليلًا، ثم أضاف:

“لكن فيه حاجة أهم.”

دفع نحوي مجموعة من الأوراق.

“راجعنا ملكيات الأصول والحسابات اللي طلبتي مني أراجعها.”

نظرت إليه.

“ولقيت إيه؟”

رفع عينيه إليّ وقال:

“ياسر أخفى عنك أصولًا بقيمة كبيرة.”

شعرت أنني توقعت ذلك.

لكنني لم أتوقع الرقم.

قال:

“ولو تحليلي صحيح، فهو خلال السنوات الماضية كان بيحول جزء من أرباح الشركة إلى حسابات مرتبطة بأفراد من عيلته.”

تذكرت حماتي.

وتذكرت كلماتها في الحفلة.

“من غير حفيد ولد، مفيش احتفال.”

فجأة بدأت الصورة تكتمل.

لم تكن المشكلة في حفيد ولد فقط.

كان هناك شيء آخر.

شيء أكبر بكثير.

سألت:

“هل حماتي كانت بتاخد فلوس من الشركة؟”

قال حسام:

“لسه بنراجع التفاصيل، لكن فيه تحويلات باسم شركة مسجلة باسم أحد أقاربها.”

نظرت إلى الأوراق طويلًا.

ثم قلت:

“عايزاك تكمل.”

ابتسم ابتسامة صغيرة.

“كنت عارف إنك هتقولي كده.”

في ذلك اليوم، بدأنا بجمع كل شيء.

كشف حسابات.

عقود.

تحويلات.

مستندات ملكية.

رسائل إلكترونية.

وأسماء الأشخاص الذين كانوا يحصلون على أموال من شركة ياسر.

لم أتصل به.

لم أرسل له رسالة.

لم أطلب منه تفسيرًا.

كنت أتركه يعتقد أنني غاضبة فقط.

وفي المساء، حدث ما توقعته.

وصلتني رسالة منه:

“إنتِ فين؟”

لم أجب.

بعد عشر دقائق:

“خدي البنات وارجعي البيت.”

ثم:

“أمي قالت إنها كانت متعصبة ومش قصدها تضرب سلمى.”

ثم رسالة أخرى:

“بلاش تكبري الموضوع.”

نظرت إلى الشاشة طويلًا.

ثم وصلت الرسالة الأخيرة:

“إنتِ عارفة إنك مش هتقدري تعيشي من غيري.”

وضعت الهاتف على الطاولة.

ولأول مرة منذ سنوات…

ضحكت.

ليس لأن كلامه مضحك.

بل لأن الرجل الذي قال لي قبل ساعات إنني خرجت من بيته…

لم يكن يعلم أنني أمتلك مستندات تثبت أن جزءًا كبيرًا من ذلك البيت كان ملكي.

ولم يكن يعلم أيضًا أنني بدأت إجراءات الطلاق.

لكنني قررت ألا أخبره بعد.

كنت أريد أن أرى إلى أي مدى سيتمادى.

لأنني كنت متأكدة من شيء واحد:

ياسر لم يكن خائفًا بعد.

وكانت تلك أكبر ميزة أملكها.
في اليوم التالي، اتصل بي ياسر أكثر من عشر مرات.

لم أرد.

ثم بدأ يرسل رسائل متتالية.

“كفاية عناد.”

“أمي اعتذرت، والمفروض ترجعي.”

“الناس كلها بتتكلم عن اللي حصل.”

السابق1 من 6
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى