
توقفت عند الرسالة الأخيرة.
لم يقل: سلمى بخير؟
لم يسأل إن كان خدها ما زال يؤلمها.
كل ما كان يشغله هو كلام الناس.
أغلقت الهاتف.
بعد ساعة، اتصل بي المحامي حسام.
قال:
“مريم، محتاجك تيجي المكتب فورًا.”
ذهبت إليه، فوجدته جالسًا أمام مجموعة جديدة من الملفات.
قال:
“قدرنا نوصل لحاجة مهمة جدًا.”
جلست أمامه.
“إيه هي؟”
أخرج عقدًا قديمًا.
“فاكرة المبنى اللي فيه شركة ياسر؟”
هززت رأسي.
قال:
“اتضح إن ملكيته انتقلت من والد ياسر لشركة استثمارية قبل سنوات.”
توقفت.
“والشركة دي؟”
نظر إليّ مباشرة.
“أنتِ صاحبة الحصة الأكبر فيها.”
لم أتكلم.
كنت أعرف أنني استثمرت في تلك الشركة منذ سنوات، لكنني لم أتخيل أن الأمر وصل إلى هذه الدرجة.
قال حسام:
“ياسر كان بيستخدم المبنى وبيتعامل معاه كأنه ملكه، لكن قانونيًا الموضوع مختلف تمامًا.”
ثم أضاف:
“وفي حاجة تانية.”
وضع ورقة أخرى أمامي.
“فيه تحويلات مالية خرجت من حسابات الشركة لحسابات مرتبطة بوالدته وأخوه.”
نظرت إلى الأرقام.
كانت مبالغ ضخمة.
قلت:
“يعني كانوا بيسرقوا من الشركة؟”
رد بحذر:
“خلينا نقول إن فيه تحويلات محتاجة تفسير قانوني. وإحنا هنطلب كل المستندات الرسمية قبل ما نوجه أي اتهام.”
هززت رأسي.
“تمام.”
كنت أريد كل شيء موثقًا.
لا انتقام.
لا صراخ.
لا فضائح بلا دليل.
فقط الحقيقة.
في المساء، جاء ياسر إلى منزل أختي.
كنت أعرف أنه سيأتي.
خرجت إليه قبل أن يطرق الباب.
كان غاضبًا.
قال:
“إنتِ هتفضلي تعملي كده لحد إمتى؟”
سألته بهدوء:
“أعمل إيه؟”
“تهربي بالبنتين وتخليني أبان قدام الناس كأني أب وحش.”
نظرت إليه بدهشة.
“إنت اللي خليتني أخرج.”
خفض صوته.
“أنا كنت متعصب.”
“ووافقت أمي.”
سكت.
قلت:
“سلمى عندها عشر سنين يا ياسر.”
تنهد.
“أمي غلطت، وأنا قلت لك إنها كانت متعصبة.”
“وأنت؟”
“أنا إيه؟”
“أنت شفتها وهي بتضرب بنتك، وقلت لها إنها عندها حق.”
لم يجد جوابًا.
ظل صامتًا عدة ثوانٍ.
ثم قال:
“بصي، أنا مش جاي أتشاجر. أنا جاي آخد بناتي.”
أجبته فورًا:
“مش هتاخدهم.”
تغير وجهه.
“إنتِ بتمنعيني من بناتي؟”
“أنا مش بمنعك من أي حاجة. لكن بعد اللي حصل، الموضوع هيتم عن طريق القانون.”
ضحك بسخرية.
“القانون؟”
ثم اقترب خطوة وقال:
“إنتِ ناسية إن كل حاجة باسمّي؟ البيت، العربية، الشركة…”
تركته يتحدث.
كان يعتقد أن تلك الكلمات ستخيفني.
لكنني كنت أعرف الحقيقة.
قلت فقط:
“متأكد؟”
تجمد.
“إيه؟”
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
“ولا حاجة.”
استدرت ودخلت المنزل.
لكنه صرخ من خلفي:
“هتندمي!”
لم ألتفت.
بعد دقائق، أرسل لي حسام رسالة:
“ما تقوليش له أي تفاصيل عن المستندات. سيبيه يعتقد إنك لا تعرفين شيئًا.”
قرأت الرسالة ووضعت الهاتف جانبًا.
وفي صباح اليوم التالي، بدأت المفاجآت.
وصلني اتصال من البنك.
ثم اتصال آخر من مكتب المحاسبة.
ثم رسالة من أحد أعضاء مجلس إدارة الشركة.
كان هناك اجتماع طارئ تم تحديده.
والسبب؟
مراجعة مالية شاملة.
وفي نفس الوقت، تلقى ياسر إخطارًا رسميًا بأن صلاحياته على بعض الحسابات التجارية أصبحت مقيدة مؤقتًا لحين انتهاء المراجعة.
هنا فقط بدأ يشعر أن شيئًا غير طبيعي يحدث.
اتصل بي.
هذه المرة لم يكن غاضبًا.
كان خائفًا.
قال:
“إنتِ عملتي إيه؟”
أجبته:
“ولا حاجة.”
“مين اللي بدأ يراجع حسابات الشركة؟”
“معرفش.”
“مريم، متلعبيش معايا.”
صمتُّ.
ثم قلت:
“أنا قلت لك كلمة واحدة في الحفلة.”
سأل:
“إيه؟”
قلت:
“حسنًا.”
وأغلقت الهاتف.
لكنني لم أكن أعرف أن ياسر، في تلك اللحظة، كان يتلقى اتصالًا آخر.
اتصالًا من والدته.
وكانت نوال تصرخ في الهاتف:
“قول لي إنك مسيطر على الموضوع!”
رد عليها ياسر بصوت متوتر:
“مش عارف.”
فقالت:
“إزاي مش عارف؟ دي مراتك!”
صمت ياسر.
ثم قال:
“أنا بدأت أشك إنها كانت مخططة لكل ده من زمان.”
ولأول مرة…
بدأ الاثنان يفهمان أن المرأة التي ظنا أنها ستبكي وتعود إليهما…
كانت قد توقفت عن الخوف.
لكن ما لم يعرفاه بعد…
أن الملف الذي كان بحوزة المحامي حسام يحتوي على وثيقة واحدة ستقلب كل شيء رأسًا على عقب.
وثيقة تثبت أن ملكية المبنى لم تكن هي المفاجأة الأكبر.
بل أن هناك اتفاقًا قديمًا بيني وبين والد ياسر، يعود إلى ما قبل زواجي منه…
واتفاقًا كهذا كان كفيلًا بأن يجعل مستقبل عائلة الشاذلي بالكامل في يدي.
الجزء التالي
في صباح اليوم التالي، ذهبت إلى مكتب المحامي حسام وأنا أحاول أن أفهم ما الذي يقصده بالاتفاق القديم.
كان الملف موضوعًا أمامه، لكنه لم يفتحه فورًا.
قال لي:
“قبل ما أوريكي الورقة، لازم تعرفي حاجة.”
قلت:
“قول.”
أجاب:
“والد ياسر كان عارف من البداية إن ابنه مش قادر يدير الشركة لوحده.”
فتحت عيني بدهشة.
“يعني إيه؟”
أخرج مستندًا قديمًا.
“قبل زواجك من ياسر بعام، والدُه أسس شركة استثمارية، ووضع جزءًا كبيرًا من أصول العائلة فيها.”
ثم أشار إلى اسمي.
“وأنتِ كنتِ طرفًا فيها.”
تذكرت تلك الفترة.




