
كنت أعمل في مجال إدارة الاستثمارات، وكان والد ياسر قد طلب مني مساعدته في ترتيب بعض الأمور المالية.
لكنه لم يخبرني أن هناك اتفاقًا آخر.
قلت:
“ليه حط اسمي؟”
أجاب حسام:
“لأنه كان يثق فيكِ أكثر من ابنه.”
ساد الصمت.
ثم أضاف:
“والأهم أن الاتفاق ينص على أن حصتك في الشركة لا يمكن نقلها أو التصرف فيها إلا بموافقتك.”
نظرت إليه.
“يعني ياسر ما يقدرش يبيع المبنى؟”
ابتسم.
“مش بس المبنى.”
فتح صفحة أخرى.
“أي أصل رئيسي مرتبط بالشركة يحتاج لموافقة مجلس الإدارة، وفي بعض الحالات موافقتك أنتِ تحديدًا.”
جلست في صمت.
كل تلك السنوات، كان ياسر يتصرف وكأنه صاحب كل شيء.
بينما الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
ثم قال حسام:
“لكن لسه فيه جزء أهم.”
قلب الصفحة.
“والد ياسر وضع شرطًا في الاتفاق.”
“إيه هو؟”
نظر إليّ مباشرة.
“لو ثبت أن أحد أفراد العائلة استخدم أصول الشركة لمصلحته الشخصية، يحق لمجلس الإدارة عزل المدير التنفيذي فورًا.”
شعرت بقشعريرة.
“وياسر هو المدير التنفيذي.”
“بالضبط.”
لم أكن بحاجة إلى أن يقول أكثر.
التحويلات المالية التي اكتشفناها لم تعد مجرد أرقام.
أصبحت دليلًا يمكن أن يغيّر كل شيء.
لكنني قلت:
“عايزة كل حاجة تتم بالقانون.”
هز رأسه.
“وده اللي هيحصل.”
—
في نفس اليوم، وصل ياسر إلى مقر الشركة.
كان يحاول الدخول إلى مكتبه، لكن موظف الأمن أوقفه.
قال:
“آسف يا أستاذ ياسر، عندنا تعليمات.”
صرخ:
“تعليمات من مين؟”
أجابه الموظف:
“من مجلس الإدارة.”
اتصل ياسر بأحد المديرين.
لم يرد.
اتصل بمدير الحسابات.
لم يرد.
ثم اتصل بوالدته.
قالت له:
“تعالى البيت فورًا.”
ذهب إليها.
كانت نوال تنتظره وهي في حالة توتر شديدة.
قالت:
“إيه اللي حصل؟”
رد:
“صلاحياتي اتوقفت.”
شهقت.
“إزاي؟”
“مش عارف.”
ثم نظر إليها وقال:
“ماما… التحويلات اللي كانت بتخرج للشركة اللي باسم قريبك كانت بإذن مين؟”
تغير وجهها.
“إنت بتتهمني؟”
“أنا بس بسأل.”
“دي كانت فلوس تخص العائلة!”
“مين قال لك إنها تخص العائلة؟”
لم تجب.
وبدأت أول شرارة شك بينهما.
—
في المساء، كنت في منزل أختي عندما وصلني ظرف رسمي.
فتحته.
كان موعد أول جلسة في إجراءات الطلاق.
وضعت الورقة على الطاولة.
شعرت بالخوف للحظة.
ليس على نفسي.
بل على ابنتيّ.
كنت أعرف أن الطريق لن يكون سهلًا.
لكنني كنت أعرف أيضًا أن العودة إلى ياسر لم تعد خيارًا.
رن هاتفي.
كان رقمًا لا أعرفه.
أجبت.
جاءني صوت امرأة:
“أنتِ مريم؟”
“أيوه.”
“أنا كنت بشتغل في شركة ياسر من سنتين.”
سكتُّ.
قالت:
“في حاجة لازم تعرفيها.”
“إيه؟”
“أنا شفت بنفسي تحويلات مالية كانت بتطلع من حساب الشركة، وكانوا بيطلبوا مني أسجلها تحت بند مختلف.”
سألتها:
“مين كان بيطلب منك؟”
صمتت للحظة.
ثم قالت اسمًا جعلني أتجمد.
نوال.
قلت:
“إنتِ متأكدة؟”
“عندي إيميلات ورسائل تثبت كل حاجة.”
سألتها:
“ليه بتقولي لي دلوقتي؟”
قالت:
“لأني سمعت إنك بدأتي إجراءات قانونية… وأنا مش عايزة أتحمل مسؤولية حاجة أنا ماليش ذنب فيها.”
طلبت منها أن ترسل كل ما لديها إلى المحامي.
وافقت.
وأغلقت الهاتف.
في تلك اللحظة، خرجت سلمى من غرفتها.
كانت تحمل دفتر رسم.
جلست بجواري.
قالت:
“ماما؟”
“نعم يا حبيبتي.”
فتحت الدفتر.
كانت قد رسمت صورة لنا نحن الثلاثة.
أنا وهي وجنى.
ثم قالت:
“أنا رسمت بيتنا الجديد.”
ابتسمت رغم أن عيني امتلأتا بالدموع.
“بيت جديد؟”
قالت:
“أيوه… من غير خناقات.”
احتضنتها.
ووعدتها:
“هعمل كل اللي أقدر عليه عشان يكون بيتنا مكان آمن ليكم.”
لكنني لم أخبرها أن في تلك اللحظة تحديدًا…
كان ياسر قد اتخذ قرارًا خطيرًا.
فبعد أن شعر أن كل شيء ينهار من حوله، قرر أن يبحث عن طريقة لاستعادة السيطرة.
وفي صباح اليوم التالي، وصل إلى مكتب المحامي حسام مستند غريب.
كان عبارة عن عقد بيع قديم يحمل توقيعي.
والظاهر منه أنني وافقت على التنازل عن جزء كبير من حقوقي في الشركة.
لكن حسام نظر إلى الورقة لثوانٍ فقط…
ثم ابتسم.
وقال:
“كويس.”
سألته:
“كويس إزاي؟”
أجاب:
“لأنهم ارتكبوا غلطة كبيرة.”
“إيه الغلطة؟”
رفع المستند أمامي.
وقال:
“التوقيع ده مش توقيعك.”
وهنا أدركت أن ما يحدث لم يعد مجرد طلاق.
لقد تحولت القضية إلى شيء أكبر بكثير.
شيء قد يكشف سرًا أخطر مما كنت أتخيل.
أكيد، ده الجزء قبل الأخير، مع الحفاظ على الأسماء والمدن التي غيّرناها:
جلست أمام المحامي حسام وأنا أحدق في الورقة.
“يعني إيه التوقيع مش توقيعي؟”
وضع المستند على المكتب وقال:
“يعني حد حاول يستخدم اسمك وتوقيعك علشان يتنازل عن حقوقك.”




