
سألته:
“مين؟”
قال:
“لسه ما نقدرش نجزم. لكن عندنا دلوقتي دليل إن المستند اتقدم للشركة من خلال مكتب محاسبة تابع لأحد أقارب ياسر.”
شعرت بالغضب، لكنني تماسكت.
“إيه اللي نعمله؟”
أجاب:
“ولا حاجة دلوقتي. هنخليهم يفتكروا إن الورقة عدّت.”
نظرت إليه باستغراب.
“إزاي؟”
ابتسم وقال:
“لأن اللي زور التوقيع ارتكب غلطة أكبر من التزوير نفسه.”
ثم أخرج نسخة من السجل الرسمي.
“التاريخ المكتوب على العقد كان يوم إنتِ كنتِ فيه خارج مصر.”
تجمدت.
“يعني عندنا إثبات؟”
“عندنا جواز سفرك، سجلات السفر، وشهادة دخول وخروج. وكلها تثبت إنك كنتِ في الخارج وقت توقيع العقد.”
بدأت أفهم خطته.
كانوا قد صنعوا دليلًا ضد أنفسهم.
—
في اليوم التالي، انعقد اجتماع مجلس إدارة الشركة.
دخل ياسر القاعة وهو يحاول الظهور بثقة.
كانت نوال بجواره.
وكان واضحًا أنهما يعتقدان أنني لن أحضر.
لكن عندما دخلت القاعة مع المحامي حسام، تغيرت ملامح ياسر بالكامل.
نظر إليّ وقال:
“إنتِ بتعملي إيه هنا؟”
أجبته بهدوء:
“ده اجتماع مجلس الإدارة، مش كده؟”
لم يرد.
جلست في مكاني.
بدأ رئيس الاجتماع بمراجعة الحسابات والتحويلات المالية.
ظهرت أسماء شركات وأشخاص لم يسمع بهم معظم أعضاء المجلس من قبل.
ثم ظهرت التحويلات التي وصلت إلى شركة مرتبطة بعائلة نوال.
بدأت الهمسات في القاعة.
قال ياسر بسرعة:
“دي كلها مصاريف قانونية ومصاريف عائلية تم اعتمادها.”
رفع حسام يده.
“مين اعتمدها؟”
صمت ياسر.
“السجلات بتقول إن الموافقات تمت باستخدام صلاحيات المدير التنفيذي.”
قال حسام:
“وأين المستندات التي تثبت أن مجلس الإدارة وافق عليها؟”
لم يجد ياسر إجابة.
ثم أخرج حسام العقد المزور.
وقال:
“وده مستند آخر قدمته الإدارة لإثبات إن السيدة مريم تنازلت عن جزء من حقوقها.”
نظر الجميع إلى الورقة.
قال ياسر:
“دي ورقة قانونية.”
رد حسام:
“سنثبت ذلك.”
ثم وضع أمامهم نسخة من سجل السفر.
“التاريخ الموجود على العقد يوافق يومًا كانت فيه مريم خارج البلاد.”
ساد الصمت.
رفعت عيني نحو ياسر.
كان وجهه قد فقد لونه.
أما نوال، فبدأت تتحدث بسرعة:
“أنا ماليش علاقة بالعقد ده!”
نظر إليها ياسر بدهشة.
“ماما!”
قالت:
“أنا أصلًا معرفش عنه حاجة!”
هنا فهمت شيئًا.
عندما بدأ الخوف، بدأ كل واحد منهما يحاول إنقاذ نفسه.
قال أحد أعضاء المجلس:
“لازم يتم فتح تحقيق مستقل.”
وافق الباقون.
ثم صدر القرار الذي لم يتوقعه ياسر:
تعليق منصبه كمدير تنفيذي لحين انتهاء التحقيق.
وقف ياسر غاضبًا.
“إنتوا مش من حقكم تعملوا كده!”
فرد رئيس المجلس:
“إحنا من حقنا نحمي الشركة.”
نظر ياسر إليّ.
كانت عيناه مليئتين بالغضب.
ثم قال بصوت منخفض:
“إنتِ خططتي لكل ده.”
أجبته:
“أنا ما خططتش لسقوطك يا ياسر.”
وتوقفت لحظة.
“أنا بس بطلت أمنعك من السقوط.”
لم يجد ما يقوله.
—
بعد انتهاء الاجتماع، خرجت من المبنى.
وجدت ياسر ينتظرني عند الباب.
قال:
“مريم، خلينا نتكلم.”
“مفيش كلام بينا.”
“أنا ممكن أصلح كل حاجة.”
نظرت إليه.
“تصلح إيه؟”
“اللي حصل لسلمى.”
“بعد ما ضربتها أمك؟”
“أنا غلطت.”
“وأنا؟”
صمت.
قلت:
“أنا قضيت سنين بحاول أكون زوجتك وشريكة حياتك. لكنك كنت شايفني مجرد شخص مضمون إنه يفضل موجود مهما حصل.”
اقترب مني.
“أنا محتاجك.”
هززت رأسي.
“أنت محتاج السيطرة، مش أنا.”
ثم تركته ومشيت.
—
في نفس المساء، جاءني اتصال من حسام.
قال:
“مريم، التحقيق بدأ يجيب نتائج.”
“إيه اللي ظهر؟”
قال:
“التحويلات مش بس كانت لوالدة ياسر.”
سألته:
“يعني؟”
قال:
“فيه حسابات تانية.”
“لمين؟”
صمت للحظة.
ثم قال:
“فيه حساب باسم امرأة.”
شعرت بشيء غريب في صدري.
“مين؟”
قال الاسم.
سارة منصور.
سألته:
“مين دي؟”
قال:
“بحسب السجلات، كانت بتحصل على مبالغ شهرية من شركة ياسر بقالها أكتر من خمس سنين.”
ثم أضاف:
“وفيه عنوان سكن مسجل باسمها.”
توقفت عن التنفس للحظة.
خمس سنوات.
مبالغ شهرية.
وحساب سري.
سألته:
“ياسر كان يعرف؟”
أجاب:
“كل المؤشرات بتقول إنه هو اللي كان بيوافق على التحويلات.”
أغلقت الهاتف.
لم أشعر بالغيرة.
ولم أشعر بالصدمة التي توقعتها.
شعرت بشيء آخر.
كنت أشعر أن آخر قطعة من اللغز بدأت تظهر.
وفي صباح اليوم التالي، وصلتني رسالة من رقم مجهول.
كانت قصيرة جدًا:
“لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة عن ياسر، تعالي للمكان ده لوحدك.”
وتحتها عنوان في أحد أحياء الإسكندرية.
نظرت إلى الرسالة طويلًا.
كنت أعرف أن الذهاب قد يكون خطرًا.
لكنني كنت أعرف أيضًا أنني إذا أردت إنهاء هذه القصة، فعليّ أن أعرف الحقيقة كاملة.
أرسلت العنوان إلى حسام.
ثم قلت له:
“لو حصل لي أي حاجة، أنت عارف تعمل إيه.”
ولم أكن أعلم أن ما سأكتشفه في ذلك المكان…
لن يكشف فقط سر المرأة الأخرى.
بل سيكشف السبب الحقيقي وراء إصرار عائلة ياسر طوال هذه السنوات على إنجاب ولد.
في صباح اليوم التالي، لم أذهب إلى العنوان وحدي.
كنت قد تعلمت درسًا مهمًا طوال السنوات الماضية:
الثقة لا تعني أن أضع نفسي في خطر.
أخبرت حسام بكل التفاصيل، واتفقنا أن أبقى على اتصال به طوال الوقت.
وصلت إلى العنوان في الموعد المحدد.
كان مبنى قديمًا في أحد أحياء الإسكندرية الهادئة.
صعدت إلى الطابق الثالث.
طرقت الباب.
فتحته امرأة في أواخر الثلاثينيات.




