
كانت شاحبة الوجه، وعيناها تحملان إرهاقًا واضحًا.
نظرت إليّ وقالت:
“أنتِ مريم؟”
“أيوه.”
ترددت لحظة، ثم فتحت الباب أكثر.
“ادخلي.”
دخلت.
جلست أمامها، وقلت:
“إنتِ سارة؟”
هزت رأسها.
“أيوه.”
سألتها مباشرة:
“إيه علاقتك بياسر؟”
خفضت عينيها.
“أنا كنت بشتغل في شركته.”
“بس ده مش تفسير للتحويلات اللي كانت بتوصلك كل شهر.”
رفعت رأسها.
“أنا ما كنتش عشيقته.”
صمتُّ.
ثم قالت:
“على الأقل… مش بالطريقة اللي إنتِ فاكرها.”
وضعت أمامي ملفًا صغيرًا.
فتحته.
كان بداخله عدد من الأوراق وصور قديمة.
قالت:
“أنا كنت موظفة عند والد ياسر قبل ما هو يموت.”
نظرت إليها باهتمام.
“والد ياسر؟”
“أيوه.”
ثم أضافت:
“وقبل وفاته، طلب مني أحتفظ بمستندات معينة، وقال لي لو حصل أي خلاف في العائلة، أو لو ياسر حاول يتصرف في أصول الشركة، لازم أوصل المستندات للشخص اللي يثق فيه.”
سألتها:
“ومين الشخص ده؟”
نظرت إليّ مباشرة.
“إنتِ.”
شعرت بالدهشة.
“أنا؟”
أومأت.
“والده كان عارف إن ياسر ممكن يضيع كل حاجة. وكان شايف إنك أهدى وأعقل منه.”
ثم أخرجت صورة.
كانت صورة قديمة لي مع والد ياسر.
كنت أتذكر ذلك اليوم.
لكنني لم أتذكر أنه التقط لنا صورة.
قالت سارة:
“هو كان عايز يحمي الشركة من ابنه.”
سألت:
“طب ليه التحويلات؟”
قالت:
“كان بيدفع لي مقابل الاحتفاظ بالمستندات ومتابعة بعض الحسابات.”
ثم نظرت إليّ بحزن.
“لكن بعد وفاة والد ياسر، بدأ يضغط عليّ علشان أسلمه كل حاجة.”
“وإنتِ رفضتي؟”
“أيوه.”
“علشان كده استمر في دفع الفلوس؟”
هزت رأسها.
“في البداية، كانت الفلوس مقابل عملي. بعدين بقت أشبه بمحاولة إسكات.”
أمسكت آخر ورقة.
كانت تحتوي على توقيع والد ياسر.
قرأتها ببطء.
ثم شعرت بأن يدي بدأت ترتجف.
كان مكتوبًا بوضوح أن ملكية عدد من الأصول ستنتقل إلى إدارة مستقلة إذا حاول ياسر الاستيلاء عليها أو استخدم أموال الشركة لمصلحة شخصية.
لكن كانت هناك فقرة أخرى جعلتني أتوقف.
في حالة ثبوت إساءة أحد أفراد العائلة إلى أبناء المالك أو استخدام نفوذه ضدهم، يحق للمجلس إعادة توزيع بعض الأصول وفقًا للاتفاق الأصلي.
رفعت عيني إلى سارة.
“هو كان متوقع إن يحصل حاجة زي كده؟”
قالت:
“كان خايف إن ياسر وأمه يظلموا أولاده.”
ثم سكتت قليلًا.
وأضافت:
“خصوصًا لو أولاده كانوا بنات.”
شعرت بقشعريرة.
فجأة فهمت لماذا كانت نوال مهووسة بوجود حفيد ولد.
لم يكن الأمر مجرد تقاليد عائلية.
كان هناك اعتقاد داخل العائلة بأن وجود وريث ذكر سيمنحهم سيطرة أكبر على مستقبل الأصول.
لكن والد ياسر كان قد وضع شروطًا لحماية أحفاده، سواء كانوا أولادًا أو بنات.
قالت سارة:
“نوال كانت تعرف جزءًا من الاتفاق.”
“إزاي؟”
“لأنها حاولت قبل كده تخلي ياسر يغير بعض البنود.”
ثم أضافت:
“لكن والد ياسر رفض.”
جلست صامتة.
كل الإهانات التي تحملتها.
كل مرة كانت حماتي تقول فيها إن بناتي “مش هيكملوا اسم العائلة”.
كل مرة كانت تتحدث فيها عن حفيد ذكر.
كل ذلك بدأ يأخذ معنى مختلفًا.
—
عندما عدت إلى مكتب حسام، أعطيته المستندات.
قرأها بعناية.
ثم قال:
“دي الورقة اللي كنا محتاجينها.”
سألته:
“يعني إيه؟”
قال:
“يعني إن موقفك القانوني أقوى بكثير مما كنا نعتقد.”
ثم أضاف:
“لكن لازم نتحرك بسرعة.”
“ليه؟”
قال:
“لأن ياسر لو عرف إن المستندات ظهرت، ممكن يحاول ينقل أصول أو يخفي أموال.”
لم أتردد.
“اعمل كل الإجراءات.”
في اليوم نفسه، تم تقديم طلبات قانونية لحماية الأصول ومنع أي تصرفات مشروعة أو مشكوك فيها إلى حين انتهاء التحقيق.
وفي المساء، تلقيت اتصالًا من ياسر.
هذه المرة لم يكن غاضبًا.
كان صوته مكسورًا.
قال:
“مريم… أنا عايز أشوف البنات.”
قلت:
“هتشوفهم بالطريقة القانونية.”
سكت.
ثم قال:
“أنا عارف إني غلطت.”
لم أجب.
قال:
“بس أمي هي اللي ضغطت عليّ.”
أغلقت عيني.
حتى الآن كان يحاول تحميل المسؤولية لشخص آخر.
قلت:
“إنت رجل بالغ يا ياسر.”
ثم أضفت:
“أمك اختارت تضرب طفلة. لكن إنت اخترت تقف جنبها.”
لم يرد.
وقبل أن أغلق الهاتف، قال:
“لو سمحتي… ما تدمريش حياتي.”
نظرت إلى الشاشة.
ثم قلت:
“أنا مش اللي دمرت حياتك.”
وسكتُّ لحظة.
“إنت بنفسك عملت ده.”
وأغلقت الهاتف.
بعد أسبوع، صدر قرار أولي في التحقيق.
تم تجميد عدد من الأصول محل النزاع، وبدأت الجهات المختصة في مراجعة التحويلات المالية.
أما ياسر، فكان قد فقد منصبه داخل الشركة.
ونوال لم تعد قادرة على الوصول إلى الأموال التي كانت تحصل عليها.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في انتظارنا داخل المحكمة.
في يوم الجلسة، دخلت القاعة مع حسام.
كان ياسر يجلس في الجهة المقابلة.
وبجواره والدته.
وعندما دخل القاضي، ساد الصمت.
بدأت الجلسة.
ثم أخرج حسام ملفًا أخيرًا.
وقال:
“لدينا دليل جديد يثبت أن المدعى عليه حاول استخدام مستند مزور للتنازل عن حقوق زوجته في الشركة.”
نظر ياسر إلى أمه.
ونظرت نوال إليه.
ثم حدث شيء لم أتوقعه.
وقف ياسر وقال:
“أنا مستعد أقول الحقيقة.”




