منوعات

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

### الجزء قبل الأخير: الأظرف التلاتة اللي قلبت حياتهم في لحظة

داليا فضلت واقفة قدام باب البيت، ماسكة الظرف التالت، ووشها اتغيّر تمامًا.

فتحت الورقة بسرعة، وبدأت تقرأ أول سطر، وبعدها رجعت تقرأه تاني كأنها مش قادرة تصدق اللي مكتوب.

صرخت بصوت عالي:

«محمود! انزل بسرعة! إنت لازم تشوف المصيبة دي!»

محمود نزل من أوضته وهو لسه مش فاهم في إيه، وقال بضيق:

«في إيه يا داليا؟ إيه الصوت ده كله؟»

مدت له الأوراق وهي بتترعش.

«أبوك عمل إيه؟! هو إزاي يقدر يعمل فينا كده؟!»

محمود خطف الأوراق من إيدها وبدأ يقرأ.

الظرف الأول كان إخطارًا رسميًا بإنهاء أي مساهمة مالية مستقبلية من والده في مصاريف البيت، وفقًا للاتفاقات القائمة والقواعد القانونية اللي بتنظمها.

الظرف التاني كان متعلقًا بمراجعة التزام مالي كان حسن ضامنًا له، مع توضيح الإجراءات المطلوبة لتعديل الضمان أو توفير بديل مقبول حسب شروط الاتفاق.

أما الظرف التالت، فكان نسخة من مستند قانوني موثّق بخصوص مبلغ مالي كان محمود قد اقترضه من والده في وقت سابق، مع تحديد المبلغ المتبقي وطريقة تسويته وفقًا للشروط المكتوبة.

محمود حس إن الأرض بتتهز تحت رجليه.

قال بصوت :

«مش معقول… بابا عمره ما قال لي إنه هيتصرف بالشكل ده!»

داليا ردت بعصبية:

«وإنت كنت فاكر إنه هيفضل يصرف علينا طول العمر؟! طب وإحنا هنعمل إيه دلوقتي؟ أقساط العربية، ومصاريف البيت، والقرض اللي إحنا داخلين فيه؟!»

محمود رجع يبص للأوراق، وبدأ يفتكر حاجات كتير كان بيتجاهلها.

افتكر إن أبوه كان بيساعدهم في مصاريف البيت كل شهر، وإنه ساهم في دفع جزء من مقدم العربية الجديدة، وإنه وافق يكون ضامن في بعض الالتزامات لما البنك طلب منهم ضمانات إضافية.

كان محمود فاكر إن أبوه بيعمل كل ده لأنه راجل كبير، وعايز يعيش وسط ابنه، وإن المساعدات دي مجرد فلوس بسيطة بالنسباله.

لكن الحقيقة إنه ما كانش يعرف حجم المساعدة اللي أبوه قدمها لهم على مدار السنين، ولا كان فاهم إن توقفها ممكن يكشف مشاكل مالية كانوا بيأجلوها كل مرة.

داليا بدأت تلف في الصالة بعصبية.

«لازم تكلمه حالًا! قوله يرجع في كلامه! إحنا مش هنستحمل كل ده لوحدنا!»

محمود مسك تليفونه واتصل بيا.

كنت قاعد في شقتي الصغيرة، براجع شوية أوراق، لما التليفون رن.

ظهر اسم محمود على الشاشة.

بصيت له للحظات، وبعدها رديت.

«أيوه يا محمود.»

صوته كان متوترًا.

«بابا، إنت فين؟»

قلت بهدوء:

«في بيتي.»

سكت لحظة، وبعدها قال:

«يعني إيه في بيتك؟ إنت مش هترجع؟»

سألته بهدوء:

«إنت بتسألني عن رجوعي ليه؟»

رد بسرعة:

«يا بابا، إحنا وصلنا 3 خطابات النهارده، وفيها كلام عن الفلوس والضمانات والقرض. إنت ليه ما كلمتنيش قبل ما تعمل كده؟»

أخدت نفسًا عميقًا وقلت:

«وأنا لما كنت في بيتك، ومراتك طلبت مني أمشي قدام الناس، إنت كلمتني قبل ما تطلب مني أسيبكم؟»

محمود سكت.

كملت كلامي:

«لما قلت لي إنك محتاج مساحة، سألت نفسك أنا هروح فين؟ فكرت للحظة واحدة إزاي راجل عنده 68 سنة هيبدأ حياته من جديد؟ ولا كل اللي كان شاغلك إن الليلة تعدي من غير ما يحصل خلاف بينك وبين مراتك؟»

سمعته بيتنفس بصعوبة.

«يا بابا، أنا كنت محرج قدام الناس، وما كنتش عايز أعمل مشكلة.»

رديت عليه:

«وأنا كمان كنت محرج يا محمود. الفرق إني كنت واقف لوحدي، وإنت كان حواليك ناس كتير.»

ما ردش.

وبعد لحظات قال:

«طيب، نقدر نتكلم ونحل الموضوع. إنت أبويا، ومش معقول نوصل لكده.»

قلت له:

«أنا موافق نتكلم، لكن مش علشان ترجع المساعدات. نتكلم علشان نفهم إزاي وصلنا للمرحلة دي.»

قفلنا المكالمة بعد ما اتفقنا نتقابل في مكان عام في اليوم التالي.

لكن قبل ما أنزل من البيت بساعة، اتصلت بيا داليا.

ما كنتش متوقع إنها تتصل، لكن رديت.

قالت بنبرة حاولت تخليها هادية:

«يا عمي حسن، إحنا أكيد حصل بينا سوء تفاهم. إنت عارف إننا بنحبك، وإنت ليك مكانتك عندنا.»

ابتسمت بسخرية خفيفة، رغم إنها ما كانتش شايفاني.

قلت:

«مكانتي عندكم كانت إيه يا داليا؟ الراجل اللي يدخل من الباب الجانبي؟ ولا الراجل اللي يقعد لوحده وقت العيد؟ ولا اللي لازم يختفي لما أصحاب محمود ييجوا؟»

قالت بسرعة:

«أنا ما كنتش أقصد أزعلك.»

رديت:

«يمكن ما كنتيش تقصدي، لكن ده اللي حصل. والإنسان مش بيتحاسب على نيته بس، بيتحاسب كمان على تصرفاته.»

سكتت شوية، وبعدها قالت:

«طب ما ترجع البيت ونتكلم بهدوء.»

قلت لها:

«أنا مش هارجع علشان أحل مشكلة مالية. ولو في يوم رجعت أزوركم، هيكون علشان أشوف ابني، مش علشان أرجع أكون الشخص اللي بيشيل عنكم كل الأعباء.»

قفلت المكالمة بأدب، وفضلت أفكر في كل اللي حصل.

أنا ما كنتش عايز أشوف محمود بيتألم، ولا كنت بتمنى لهم الفشل.

لكن كنت عارف إن استمرار الوضع القديم معناه إني هفضل أتنازل عن كرامتي مقابل إحساس مؤقت بالانتماء.

وفي اليوم التالي، قابلت محمود في كافيه هادي.

دخل وهو باين عليه الإرهاق، وقعد قدامي من غير ما يطلب حاجة.

بص لي وقال:

«بابا، أنا عارف إنك زعلان مني.»

قلت له:

«أنا مش زعلان علشان مشيت يا محمود. أنا زعلان علشان فضلت ساكت وإنت شايفني بتعامل بالطريقة دي.»

حط إيده على وشه وقال:

«أنا غلطت.»

كانت أول مرة أسمع منه اعترافًا واضحًا من غير ما يحاول يبرر تصرفاته.

لكني ما استعجلتش أسامحه لمجرد إنه قال الكلمة.

قلت له:

«الاعتراف بالغلط بداية كويسة، لكن إصلاحه محتاج وقت وتصرفات.»

وبعدين سألته سؤالًا كنت محتاج أعرف إجابته.

«يا محمود، لو كنت عارف إني عندي مدخرات كبيرة، هل كنت هتسمح لداليا إنها تطلب مني أمشي بالطريقة دي؟»

رفع عينيه وبص لي.

فضل ساكت فترة طويلة.

وفي النهاية قال:

«مش عارف يا بابا.»

الإجابة وجعتني، لكنها كانت أصدق إجابة سمعتها منه من سنين.

قلت له:

«أنا عندي مدخرات فعلًا، واشتغلت طول عمري علشان أوفّرها. لكن عمري ما استخدمتها علشان أشتري محبة حد، ولا هسمح إنها تكون سبب إن حد يحترمني.»

محمود اتفاجئ.

«يعني إيه عندك مدخرات؟»

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى