منوعات

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

الجزء الثاني والاخير
المحامي بتاع كريم وقف بسرعة وقال:

“اعتراض يا سيادة القاضي.”

القاضي بص له بهدوء وقال:

“اعتراضك على أساس إيه؟”

المحامي أشار للشاشة.

“الوثيقة دي محتاجة إثبات إنها أصلًا مرتبطة بالمتهمة… أقصد بالشاهدة.”

ممثل الادعاء ابتسم ابتسامة صغيرة.

“وده بالضبط اللي هنثبته.”

كريم وقتها اتحرك في كرسيه.

كانت أول مرة أشوف القلق على وشه من سنين.

بص ناحيتي للحظات، وبعدين قرب من المحامي وهمس له بحاجة.

المحامي هز راسه.

لكن قبل ما يتكلم، ظهر مستند تاني على الشاشة.

ثم ثالث.

ثم رابع.

كلهم يحملوا اسمي.

كلهم بيقدموني باعتباري مستشارة عسكرية سابقة لشركة كريم.

وكلهم تقريبًا كانوا بيقولوا نفس الكلام:

إن الشركة استعانت بخبرتي العسكرية في مراجعة إجراءات الأمن والتوريدات.

القاضي قلب صفحات الملف وقال:

“السيدة سلمى، هل سبق لكِ العمل مع هذه الشركة؟”

قلت:

“لا.”

“هل وقعتِ أي عقد معها؟”

“لا.”

“هل حصلتِ على أي مبالغ مالية منها؟”

“ولا جنيه.”

القاضي رفع عينه ناحية كريم.

“السيد كريم مراد، هل لديك تفسير؟”

كريم أخد نفس طويل.

ولأول مرة، صوته ما كانش ثابت.

قال:

“سيادة القاضي… ممكن يكون حصل سوء فهم.”

السؤال جه مباشر:

“سوء فهم في أربعة عقود؟”

سكت.

المحامي بتاعه تدخل بسرعة:

“موكلي يقصد إن بعض الإجراءات الإدارية تمت عن طريق موظفين سابقين.”

ممثل الادعاء قال:

“إذن دعونا نتكلم عن الموظفين.”

ظهرت صورة توقيع على الشاشة.

ثم ظهر بجانبها سجل توقيعاتي الرسمية.

الفارق كان واضح.

حتى من غير خبير، أي حد كان يقدر يشوف إن التوقيعين مختلفين.

لكن المفاجأة الحقيقية كانت في التاريخ.

العقد المزور كان مؤرخًا في يوم كنت فيه خارج مصر في مهمة رسمية.

ظهر سجل سفري.

ثم ظهر سجل دخولي وخروجي.

ثم شهادة رسمية من الجهة العسكرية التي كنت أعمل معها.

كلها أكدت شيئًا واحدًا:

أنا لم أكن موجودة أصلًا في المكان الذي ادعى كريم أنني وقعت فيه العقد.

والدتي كانت قاعدة في الصف الأول.

شفتها بتبص للشاشة.

وبعدين بصت لأبويا.

أبويا ما ردش عليها.

كان وشه جامد.

لكن إيده كانت بتتحرك بعصبية فوق ركبته.

كريم حاول يتدخل:

“أنا ممكن أوضح.”

القاضي قال:

“هتوضح لما ييجي دورك.”

رجع كريم يسكت.

ممثل الادعاء قلب الصفحة وقال:

“دلوقتي ننتقل للرسائل الإلكترونية.”

ظهرت أول رسالة.

كانت رسالة موجهة لأهلي.

المرسل فيها كان عنوانًا يشبه عنوانًا عسكريًا.

والرسالة بتقول إنني تعرضت لمشكلة أثناء خدمتي وإنني تركت القوات المسلحة بعد مخالفة خطيرة.

أمي شهقت.

لأنها كانت أول رسالة استخدمها كريم من عشر سنين علشان يثبت لهم إني فشلت.

ممثل الادعاء قال:

“هل تعرفين هذه الرسالة؟”

قلت:

“أيوه.”

“هل أرسلتيها؟”

“لا.”

ثم ظهرت بيانات الرسالة الأصلية.

التاريخ.

الخادم.

عنوان الإرسال.

والجهاز المستخدم.

كل حاجة كانت بتشير لمكان واحد.

مكتب شركة كريم.

أمي حطت إيدها على بوقها.

وأبويا أخيرًا بص لأخويا.

وقال بصوت منخفض لكنه مسموع:

“إنت عملت إيه؟”

كريم ما ردش.

المحامي بتاعه حاول يوقف العرض.

لكن القاضي سمح باستكمال الأدلة.

وبعدها ظهرت رسالة تانية.

ثم ثالثة.

ثم محادثة كاملة.

وفي واحدة منهم، كريم كان بيكتب لشخص داخل شركته:

“خلي شكل الملفات يبين إنها كانت ضمن الفريق من البداية.”

أنا فضلت ساكتة.

ما كانش عندي حاجة أقولها.

الأوراق كانت بتقول كل حاجة.

لكن فجأة ظهر اسم شخص ما كنتش متوقعة أشوفه.

أبي.

رفعت عيني للشاشة.

الرسالة كانت موجهة لكريم.

وكان مضمونها إن أبويا طلب منه ألا يخبرني بأي تفاصيل تخص الشركة.

قلبي انقبض.

بصيت ناحية أبويا.

هو نفسه كان مصدوم.

قال:

“أنا… ما أعرفش الرسالة دي.”

كريم رد بسرعة:

“بابا، دي مش رسالتك.”

ممثل الادعاء قال:

“لدينا تقرير فني يثبت أن الحساب تم اختراقه.”

سكت الجميع.

ثم أضاف:

“والشخص الذي اخترق الحساب لم يكن السيدة سلمى.”

ظهرت صفحة جديدة.

المستند كان بيحدد الحساب الذي تم استخدامه للوصول إلى البريد.

والمفاجأة كانت إن الدخول تم من شبكة داخل مقر شركة كريم.

كريم قام من مكانه تقريبًا.

“ده كذب!”

القاضي ضرب بالمطرقة.

“اجلس.”

رجع كريم مكانه.

لكن ملامحه اتغيرت.

لأن المسألة ما بقتش مجرد أكاذيب عائلية.

بقت قضية مستندات مزورة واستخدام بيانات شخصية في ملفات مرتبطة بتعاقدات حكومية.

ثم جاء الدليل الأخير في تلك الجلسة.

ظهر ملف بعنوان:

السجل العسكري — سلمى مراد.

كريم بص للشاشة.

وفجأة وشه فقد لونه.

أنا كنت أعرف الملف ده.

لأنه كان يحتوي على شيء واحد لم يكن كريم يعرف أنني احتفظت بنسخة منه.

التقييمات الأصلية لخدمتي.

التقييمات التي تثبت أنني لم أفشل.

ولم أُطرد.

ولم أترك الخدمة هربًا.

بل حصلت على ترقيات وتقديرات رسمية خلال سنوات خدمتي.

القاضي قلب الأوراق.

ثم قال:

“السيدة سلمى، هل هذه سجلاتك الأصلية؟”

قلت:

“نعم.”

“وهل الشخص الذي يظهر في هذه السجلات هو أنتِ؟”

“أيوه.”

رفع القاضي عينه عن الأوراق.

“إذن لماذا قيل لعائلتك إنك فشلت في الخدمة؟”

نظرت ناحية كريم.

لأول مرة من عشر سنين، عيني جت في عينه مباشرة.

وقلت:

“لأن أخويا كان محتاجهم يصدقوا إني فاشلة.”

القاضي سأل:

“ولماذا؟”

سكتُّ لثوانٍ.

ثم قلت:

“لأنه كان بيستخدم اسمي.”

القاعة كلها سكتت.

كريم بص للمحامي بتاعه.

المحامي ما بصش له.

وفي اللحظة دي، عرفت إن الجزء الأصعب لسه ما بدأش.

لأن الملف اللي في إيدي…

كان فيه مستند واحد أخير.

مستند لو ظهر قدام المحكمة، مش بس هيكشف كذب كريم عليّا.

هيكشف ليه اختارني أنا بالذات علشان يستخدم اسمي…

وليه قضى عشر سنين بيشوّه صورتي قدام أهلي.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى