
نكمل، وندخل في مرحلة كشف التسجيل والحقيقة اللي كانت مخبية وراء اختفاء والد مريم.
القاعة كلها سكتت.
حتى كريم، اللي طول الجلسة كان بيحاول يظهر ثابت، بقى واضح إن أعصابه بدأت تنهار.
القاضي بص ناحية باب القاعة.
— دخّلوه.
بعد ثواني، دخل رجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة بسيطة، وماسك حقيبة جلد صغيرة.
أبويا أول ما شافه، قال بصوت منخفض:
— محمود…
الرجل وقف قدام المنصة.
— أيوه يا حسن.
كريم بص له بحدة.
— إنت بتعمل إيه هنا؟
محمود رد:
— جاي أقول الحقيقة اللي خفت أقولها من 11 سنة.
القاضي طلب منه يقترب.
— هل لديك ما يثبت ما تقوله؟
محمود فتح الحقيبة وأخرج جهاز تسجيل قديم، ومعاه بطاقة ذاكرة.
— عندي تسجيل صوتي، وعندي نسخة احتياطية منه.
حسام حاول يعترض:
— التسجيل ده ممكن يكون متلاعب فيه.
محمود قال:
— عشان كده سلمته للنيابة قبل ما أدخل المحكمة.
القاضي سأل:
— وماذا يحتوي التسجيل؟
محمود بص لكريم.
— آخر مكالمة تمت قبل الحادث اللي اتعرض له حسن.
كريم وقف.
— أنا مش هسمع أي تسجيل.
القاضي قال:
— اقعد.
جلس كريم ببطء.
تم تشغيل التسجيل.
في البداية كان فيه صوت تشويش.
ثم ظهر صوت أبويا.
«”أنا عرفت كل حاجة يا كريم.”»
ثم جاء صوت كريم.
كان أصغر سنًا، لكنه واضح جدًا.
— إنت مش فاهم الموضوع.
صوت أبويا:
— فاهم أكتر مما تتخيل.
صمت لثوانٍ.
ثم قال كريم:
— مريم مش هتوافق.
أبويا:
— عشان كده لازم تبعدها عن الشركة.
أنا حطيت إيدي على فمي.
كنت سامعة صوت جوزي من 11 سنة وهو بيتكلم عني وكأني مش موجودة.
ثم جاء صوت محمود في التسجيل:
— يا كريم، الموضوع ممكن يتحل من غير ما نأذي حد.
كريم رد:
— أنا ماقلتلكش تأذي حد.
سكت لحظة.
ثم قال:
— أنا قلت بس إن حسن لازم يختفي من الصورة.
التسجيل توقف.
القاعة انفجرت في همهمات.
القاضي قال:
— كملوا.
محمود شغل الجزء الثاني.
صوت أبويا:
— لو حصلي حاجة، المستندات هتوصل لمريم.
كريم:
— لو حصل لك حاجة؟
ثم ضحك.
— إنت بتبالغ.
أبويا:
— أنا عارف إنك عايز الـ61%.
كريم:
— أنا عايز الشركة تستمر.
أبويا:
— الشركة هتستمر… بس مش تحت سيطرتك لوحدك.
ثم صوت ارتطام قوي.
وبعدها انقطع التسجيل.
أنا كنت ببص لكريم.
لكن كريم ماكانش بيبص لي.
كان بيبص لسارة.
سارة كانت بتبكي.
القاضي سأل محمود:
— ماذا حدث بعد هذه المكالمة؟
قال:
— بعدها بساعات، حسن خرج من مكتبه.
— وماذا حدث؟
— عربية خبطته من الخلف.
أبويا قال:
— أنا فاكر.
محمود كمل:
— لما وصلت للمكان، العربية كانت مدمرة. حسن كان مصاب، لكنه كان عايش.
أنا بصيت لأبويا.
— وإنت قلت إنك كنت في المستشفى.
هز رأسه.
— أيوه.
محمود قال:
— أنا نقلته بنفسي لمستشفى خاص بعيد عن القاهرة.
القاضي سأله:
— لماذا؟
محمود رد:
— لأن واحد من الأشخاص اللي وصلوا مكان الحادث قال إن الشرطة لازم تعرف إن حسن مات.
القاعة كلها سكتت.
القاضي قال:
— هل كان هناك شخص آخر؟
محمود تردد.
ثم قال:
— أيوه.
— من؟
محمود بص لكريم.
— أخوه.
طارق انتفض.
— كريم؟
محمود هز رأسه.
— أيوه.
كريم ضرب على الترابيزة.
— كداب!
القاضي رفع صوته:
— التزم الهدوء!
لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.
محمود أخرج ظرفًا.
— دي آخر حاجة احتفظت بيها.
القاضي فتح الظرف.
وكان فيه صورة لورقة تحويل بنكي.
التاريخ يرجع إلى نفس الليلة.
المبلغ كان كبير جدًا.
القاضي قرأ اسم صاحب الحساب.
ثم رفع عينيه ناحية كريم.
— لماذا حولت هذا المبلغ إلى محمود السعدني؟
محمود قال:
— مقابل إني أسكت.
كريم بص له بصدمة.
— إنت وعدتني إنك هتدفن الموضوع!
محمود رد:
— دفنته 11 سنة.
ثم أضاف:
— لكني تعبت من الخوف.
القاضي نظر إلى كريم.
— هل تنكر التحويل؟
كريم لم يرد.
وبدأ الصمت يضغط على القاعة كلها.
ثم قالت سارة فجأة:
— أنا كنت عارفة.
كلنا بصينا لها.
كريم صرخ:
— اسكتي!
سارة بدأت تبكي.
— كنت عارفة إنه متجوزك، وعارفة إنه بيحاول يسيطر على الشركة.
بصت لي.
— بس ماكنتش أعرف موضوع أبوكي.
قلت:
— وموضوع الـ14%؟
سارة سكتت.
القاضي سألها:
— أجيبي.
قالت:
— كريم أعطاني الأسهم.
القاضي:
— من أين؟
— قال لي إنها من حصته.
أنا ضحكت بسخرية.
— حصته؟
طارق قال:
— كريم ماكانش عنده حق يبيعها.
القاضي قلب في الملف.
ثم قال:
— هذا يعني أن نقل الـ14% يحتاج إلى مراجعة قانونية كاملة.
ثم التفت إلى كريم.
— لكن عندي الآن مسألة أخرى.
كريم رفع عينيه.
القاضي قال:
— لماذا قدمت للمحكمة اليوم اتفاق ما قبل الزواج الذي يفيد بأن زوجتك لا تملك أي حصة في الشركة؟
كريم قال:
— لأن ده كان الاتفاق.
أنا قلت:
— الاتفاق اللي جبت منه نسخة ناقصة؟
القاضي نظر إليّ.
— ماذا تقصدين؟
طلعت من شنطتي مستندًا آخر.
— النسخة اللي معاه ناقص منها آخر صفحتين.
حسام حاول الاعتراض.
— ده غير صحيح.
حطيت النسخة قدام القاضي.
— آخر صفحتين في الاتفاق بيقولوا إن أي أصول تم تأسيسها أو تمويلها من أموال مريم تظل ملكيتها القانونية لها.
القاضي قرأ الصفحة.
ثم قرأ الصفحة الثانية.
وبعدين سأل كريم:
— لماذا لم تقدم هذه الصفحات؟
كريم لم يرد.
المحامي حسام أغلق عينيه للحظة.
وكأنه عرف إن القضية خرجت من إيده.
القاضي قال:
— يبدو أن هناك سلسلة كاملة من المستندات التي تم حجبها عن المحكمة.
ثم أمر بتوثيق كل الأوراق والتحفظ عليها.
لكن قبل ما الجلسة تخلص…
أبويا قرب مني.
وقال:
— مريم… فيه حاجة لازم تعرفيها.
— إيه؟
— أنا ما رجعتش بس عشان أنقذ الشركة.
— أمال رجعت ليه؟
بص لآدم وياسين.
— لأن كريم كان بيخطط ياخد حضانتهم منك بحجة إنك مفلسة.
قلت:
— ده أنا عارفة.
هز رأسه.
— لأ.
— يعني إيه؟
قال:
— لأن عندي دليل إنه كان بيجهز ملف تاني… ملف يثبت إنك غير مستقرة نفسيًا وإنك غير قادرة تربي ولادك.
تجمدت.
— إيه؟
أبويا أخرج فلاشة صغيرة من جيبه.
— كل التقارير اللي اتعملت عنك كانت مزورة.
بصيت لكريم.
— إنت عملت ده؟
كريم سكت.
لكن القاضي سمع كل شيء.
وفي نفس اللحظة، دخل موظف المحكمة ومعاه ملف جديد.
قال:
— سيادة المستشار، وصل تقرير من خبير الأدلة الرقمية.
القاضي فتحه.
قرأ أول صفحة.
ثم توقف.
رفع عينيه ببطء.
وقال:
— الملف ده يثبت إن رسائل البريد الإلكتروني المستخدمة ضد مدام مريم تم إرسالها من جهاز موجود داخل مكتب السيد كريم.
أنا حسيت إن رجلي مش شايلاني.
لكن القاضي ماخلصش.
قلب الصفحة الأخيرة.
وقال:
— وفيه كمان تسجيل لكاميرا داخل مكتب الشركة.
بص لكريم.
— والتسجيل ده اتصور قبل يومين من تقديم طلب الطلاق.
كريم بدأ يهز رأسه.
— لا…
القاضي قال:
— في التسجيل، السيد كريم يتحدث مع شخص آخر عن نقل الأسهم، وتزوير المستندات، والتخلص من كل الأدلة.
أنا بصيت لأبويا.
أبويا قال بهدوء:
— لسه الحقيقة كاملة ما ظهرتش.
ثم التفت للقاضي.
— لأن الشخص اللي كان بيتكلم مع كريم في التسجيل…
سكت.
والقاعة كلها انتظرت.
ثم قال:
— مش سارة.
كريم رفع رأسه فجأة.
وأبويا أكمل:
— الشخص ده هو الشخص اللي ساعده يزوّر توقيع مريم من 11 سنة.
القاضي سأل:
— ومن هو؟
أبويا أخرج صورة من الملف.
نظر إليها.
ثم قال:
— المحامي حسام الدمنهوري.
حسام وقف فجأة.
لكن قبل ما يتكلم…
دخلت قوات الأمن إلى القاعة.
وأحد الضباط قال:
— سيادة المستشار، عندنا أمر بالقبض على شخصين بناءً على الأدلة الجديدة.
كريم بص ناحية الباب.
ثم بص للمحامي حسام.
ولأول مرة…
عرف إن مفيش طريق للهرب.
لكن الضابط لم يتجه ناحية كريم.
اتجه ناحية شخص آخر.
وشخصيته كانت آخر شخص ممكن أتوقع إنه متورط في كل ده.
نكمل من لحظة دخول قوات الأمن، ونكشف الشخص اللي ماحدش كان متوقعه.
كل اللي في القاعة بصّ ناحية الضابط.
أنا كنت متوقعة إنه هيتجه ناحية كريم أو حسام.
لكن الضابط عدى من جنبهم…
واتجه ناحية آخر صف في القاعة.
ثم وقف أمام رجل كان قاعد بهدوء من بداية الجلسة.
الرجل ده كان اسمه عادل فوزي.
مدير الحسابات السابق في شركة كريم.
أنا شوفته قبل كده مرات قليلة، لكن عمري ما تخيلت إنه له علاقة بكل اللي حصل.
الضابط قال:
— أستاذ عادل، أنت مطلوب للتحقيق في قضية تزوير مستندات واختلاس أموال وإخفاء أدلة.
عادل وقف ببطء.
— أنا؟
الضابط رد:
— أيوه، أنت.
كريم بص له في ذهول.
— عادل؟!
عادل ما بصش له.
وده كان أول شيء خلاني أشك.
لأن كريم طول الجلسة كان بيحاول يدافع عن نفسه، لكن لما سمع اسم عادل…
وشه اتغير.
القاضي سأل الضابط:
— ما علاقة هذا الرجل بالقضية؟
الضابط قدم ملفًا.
— وصلنا تقرير الأدلة الرقمية والحسابات البنكية، وظهر إن السيد عادل كان حلقة الوصل بين الحسابات السرية والشركة.
أبويا قال:
— مش بس كده.
الضابط بص له.
أبويا أشار إلى الدفتر.
— هو اللي كان معاه النسخة الأولى من عقد الملكية.
أنا بصيت لعادل.
— إنت؟
عادل أخيرًا رفع عينه.
وقال:
— أنا عملت اللي اتطلب مني.
كريم صرخ:
— اسكت!
عادل التفت له.
— ليه؟ لسه خايف؟
الصمت نزل على القاعة.
القاضي قال:
— وضح.
عادل أخذ نفسًا طويلًا.
— كريم هو اللي طلب مني أجهز الأوراق.
كريم هز رأسه.
— كدب.
عادل كمل:
— وهو اللي أعطاني نسخة من توقيع مريم.
أنا حسيت ببرودة في إيدي.
— نسخة من توقيعي؟
هز رأسه.
— أيوه.
القاضي سأله:
— وكيف حصل عليها؟
عادل بص لكريم.
— كانت موجودة في ملف قديم داخل الشركة.
كريم قال:
— أنا ماطلبتش منه يزور حاجة.
عادل ضحك.
— ماقولتش تزور.
ثم أضاف:
— قلت لي بالحرف: “خلي الورق يبان قانوني.”
المحامي حسام اتدخل:
— سيادة المستشار، أقوال المتهم لا يمكن اعتبارها دليلًا نهائيًا.
القاضي قال:
— لكنها تحتاج للتحقيق.
ثم التفت إلى عادل.
— وماذا عن نسبة الـ14% التي انتقلت إلى سارة فؤاد؟
عادل رد:
— ماانتقلتش فعليًا.
سارة رفعت رأسها.
— يعني إيه؟
— الورق اتعمل بس.
القاضي سأله:
— ولماذا؟
قال:
— عشان يظهر إن جزء من أسهم مريم خرج من ملكيتها.
أنا بصيت لسارة.
— يعني إنتِ ماكنتيش مالكة الأسهم؟
سارة هزت رأسها.
— أنا كنت فاكرة إني بقيت شريكة فعلًا.
ثم بصت لكريم.
— إنت كذبت عليا.
كريم قال:
— أنا كنت هخليكي شريكة.
سارة ردت:
— بعد ما تخلص من مريم؟
لم يجب.
القاضي طلب من الجميع الهدوء.
ثم قال:
— أستاذ عادل، أين النسخة الأصلية من المستندات؟
عادل سكت.
أبويا قال:
— هو مش محتاج يقول.
القاضي نظر إليه.
أبويا فتح الدفتر.
— لأنها كانت عندي.
ثم أخرج فلاشة.
— والنسخ الرقمية كانت عند طارق.
طارق أومأ.
— أنا احتفظت بيها 11 سنة.
القاضي طلب تشغيل الملفات.
ظهر على الشاشة نسخ من مستندات قديمة.
ثم ظهرت مراسلات إلكترونية.
ثم تحويلات مالية.
وفي النهاية…
ظهر فيديو قصير.
كان من كاميرا داخل مكتب كريم.
التاريخ يرجع إلى قبل طلاقنا بأيام.
ظهر كريم جالسًا خلف مكتبه.
وأمامه حسام وعادل.
وكان صوت كريم واضحًا:
— أهم حاجة مريم ما تعرفش إن الـ61% لسه باسمها.
حسام سأله:
— ولو عرفت؟
كريم رد:
— مش هتعرف.
ثم قال:
— لازم نثبت إنها باعت الأسهم من زمان.
عادل سأله:
— والتوقيع؟
كريم قال:
— موجود.
أنا حسيت إن نفسي اتقطع.
ثم ظهر صوت حسام:
— وفي حالة المحكمة؟
كريم ابتسم.
— هنخليهم يشوفوا الست اللي معندهاش شغل ولا فلوس.
القاعة كلها سكتت.
أنا بصيت لأولادي.
آدم كان ماسك إيد أخوه.
حسيت إن كل الإهانات اللي سمعتها من كريم رجعت مرة واحدة.
“إنتِ معندكيش شغل.”
“إنتِ عايشة على فلوسي.”
“إنتِ مالكيش حاجة في الشركة.”
كلها كانت مبنية على كذبة.
القاضي أوقف الفيديو.
ثم قال:
— الأدلة دي تحتاج لفحص رسمي، لكن الصورة أصبحت مختلفة تمامًا.
ثم نظر إلى كريم.
— أنت قدمت للمحكمة معلومات غير صحيحة عن أصول الشركة ووضع زوجتك المالي.
كريم حاول يتكلم.
— سيادة المستشار، أنا كنت بحاول أحمي أولادي.
القاضي رد:
— حماية الأولاد لا تعني إخفاء الأصول أو تقديم مستندات مشكوك في صحتها.
ثم قال:
— وبالنسبة للحضانة، لن تُبنى على ادعاءات غير مثبتة.
أنا حسيت لأول مرة من بداية الجلسة إني أقدر أتنفس.
لكن كريم فجأة قال:
— أنا عندي دليل.
الجميع بص له.
فتح حقيبته بسرعة وأخرج ظرفًا.
حسام حاول يمنعه.
— كريم، بلاش.
لكن كريم قال:
— لازم يعرفوا الحقيقة.
أخرج صورة.
وحطها قدام القاضي.
— دي تثبت إن مريم كانت عارفة بكل التحويلات.
أنا قربت.
وبمجرد ما شفت الصورة…
اتجمدت.
كانت صورة لي وأنا قاعدة في مكتب الشركة.
لكن التاريخ…
كان قبل 11 سنة.
كريم ابتسم.
— كانت موجودة.
قلت:
— أيوه، كنت موجودة.
— وشفتي المستندات.
— لا.
— يبقى ليه صورتك موجودة؟
ماعرفتش أرد.
أبويا قرب من الصورة.
وفجأة قال:
— الصورة دي اتاخدت قبل الحادث بيوم.
بصيت له.
— إزاي عرفت؟
أشار إلى الساعة الموجودة في الصورة.
— لأن الساعة دي أنا اشتريتها لك يوم عيد ميلادك.
طارق أخذ الصورة.
وبص خلفها.




