
لكن قبل ما يتم عرض المستند…
القاضي طلب رفع الجلسة لمدة عشرين دقيقة.
خرج الناس من القاعة.
وأنا فضلت واقفة مكاني.
وفجأة سمعت صوت أمي ورايا:
“سلمى… استني.”
لفيت.
كانت أمي واقفة قدامي ودموعها في عينيها.
لكن قبل ما تقول أي كلمة…
أبويا وقف جنبها.
وبص لي وقال جملة واحدة:
“إحنا محتاجين نعرف الحقيقة كاملة… حتى لو كانت هتوجعنا.”
أما كريم…
فكان لسه جوه القاعة.
وما كانش يعرف إن الحقيقة اللي جاية…
كانت أخطر بكتير من كل اللي ظهر لحد اللحظة دي.
الجزء الثالث
بصيت لأمي من غير ما أرد.
عشر سنين كاملة وأنا مستنية اللحظة دي.
عشر سنين كنت بحاول أشرح.
وكل مرة كنت بلاقي باب بيتقفل في وشي.
لكن دلوقتي…
أنا ما كنتش محتاجة أشرح.
المحكمة كانت بتتكلم بدالي.
قلت لأمي بهدوء:
“الحقيقة موجودة في الملف.”
أبويا قرب خطوة.
“إنتِ كنتِ فين كل السنين دي؟”
ضحكت ضحكة قصيرة من غير فرحة.
“في المكان اللي قلت لكم إني فيه.”
سكت.
ثم قلت:
“كنت بخدم. كنت بشتغل. كنت ببني حياتي. وإنتوا كنتوا مصدقين إني فشلت.”
أمي بدأت تعيط.
“إحنا افتكرنا إنك كدبتي علينا.”
قلت:
“أنا ما كدبتش.”
ثم بصيت لأبويا.
“بس إنتوا صدقتوا الشخص اللي كذب.”
ما ردش.
في اللحظة دي، نادى أحد موظفي المحكمة إن الجلسة هتبدأ تاني.
رجعنا للقاعة.
كريم كان قاعد مكانه، لكن المرة دي ما كانش بنفس الثبات.
القاضي دخل.
الجميع وقف.
وبعدها جلس.
ممثل الادعاء وقف وهو ماسك ملف بني سميك.
قال:
“سيادة القاضي، لدينا الآن مستندات تثبت أن اسم السيدة سلمى مراد استُخدم في عدد من الملفات دون علمها أو موافقتها.”
ثم وضع الملف على الطاولة.
“لكن لدينا أيضًا دليل على أن هذا الاستخدام لم يكن عشوائيًا.”
القاضي سأله:
“ماذا تقصد؟”
فتح الملف.
“السيدة سلمى كانت تمتلك مؤهلات عسكرية حقيقية.”
ثم أضاف:
“وهذه المؤهلات جعلت اسمها ذا قيمة في بعض الملفات.”
ظهرت على الشاشة مجموعة من العقود.
كل عقد كان يحمل اسم شركتي كريم.
وبجوار اسم الشركة…
كان يظهر اسمي في خانة تتعلق بالاستشارات الأمنية والخبرة العسكرية.
القاضي قال:
“هل حصلت الشركة على أي تعاقدات اعتمادًا على هذه المؤهلات؟”
ممثل الادعاء أجاب:
“نعم.”
ثم ظهرت الأرقام.
مبالغ كبيرة.
عقود متعددة.
دفعات متتالية.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في طريقة تقديم الشركة لنفسها.
كانت بعض الملفات بتقول إن لديها مستشارًا عسكريًا بخبرة طويلة.
وكان المستشار…
أنا.
لكن الحقيقة؟
أنا لم أعمل مع كريم يومًا واحدًا.
ولا وقعت عقدًا واحدًا معه.
ولا وافقت على استخدام اسمي.
كريم وقف فجأة.
“أنا ما زورتش حاجة.”
القاضي قال:
“اجلس.”
كريم رد:
“سيادة القاضي، أنا كنت فاكر إنها موافقة!”
بصيت له.
أول مرة أسمعه يقول الجملة دي.
“فاكر؟”
قلت من غير ما أرفع صوتي.
هو بص لي.
“أيوه… فاكر إنك كنتِ موافقة.”
قلت:
“إمتى؟”
سكت.
“إمتى وافقت لك تستخدم اسمي؟”
ما ردش.
القاضي قال:
“أجب.”
كريم بلع ريقه.
“من زمان.”
قلت:
“إنت عمرك ما سألتني.”
قال:
“إنتِ كنتِ عارفة بالشغل.”
هزيت رأسي.
“لا.”
ثم أضفت:
“أنا عرفت من الملف.”
ممثل الادعاء أخرج مستندًا جديدًا.
وقال:
“لدينا أيضًا تسجيل لاجتماع داخلي في شركة السيد كريم.”
كريم انتفض.
“تسجيل؟!”
تم تشغيل التسجيل.
في البداية، ظهر صوت رجل لم أعرفه.
كان أحد مديري الشركة.
قال:
“لكن الاسم ده حقيقي؟”
وجاء صوت كريم:
“طبعًا.”
الرجل سأل:
“وهي موافقة؟”
كريم ضحك.
وقال:
“هي مش هتعرف.”
ساد الصمت في المحكمة.
أمي حطت إيدها على وشها.
أبويا قعد كأنه فقد القدرة على الوقوف.
أما أنا…
فكنت واقفة ثابتة.
لأن الجزء ده، رغم قسوته، ما كانش مفاجأة بالنسبة لي.
المفاجأة كانت في الكلام اللي جه بعده.
الصوت الآخر سأل:
“ولو سألت؟”
كريم رد:
“مش هتصدقوا كلامها أصلًا.”
ثم قال جملة خلتني أحس ببرودة في جسمي:
“أنا قضيت سنين أخلي أهلي يصدقوا إنها فاشلة.”
سكتت القاعة كلها.
حتى المحامي بتاع كريم ما حاولش يقاطعه.
التسجيل استمر.
“لو ظهرت فجأة وقالت إن اسمها اتستخدم، محدش هيصدقها.”
الرجل سأله:
“وإنت متأكد؟”
كريم ضحك.
وقال:
“عشر سنين كفاية.”
التسجيل توقف.
ولا حد اتكلم.
كريم نفسه بقى ساكت.
القاضي بص له طويلًا.
ثم قال:
“هل تنكر أن الصوت صوتك؟”
كريم ما ردش.
المحامي قال:
“موكلي يحتاج إلى استراحة.”
لكن القاضي قال:
“سيتم ذلك بعد انتهاء هذه النقطة.”
ثم وجه كلامه لي:
“السيدة سلمى، هل لديك أي مستندات أخرى؟”
فتحت حقيبتي.
وأخرجت ظرفًا أبيض.
حطيته قدام ممثل الادعاء.
قال:
“ما هذا؟”
قلت:
“نسخة من خطاب رسمي وصلني قبل ثلاث سنوات.”
فتح الظرف.
قرأ الورقة.
وبعدين رفع عينه.
“لماذا لم تقدميه من قبل؟”
قلت:
“لأني وقتها ما كنتش أعرف إنه مرتبط بكريم.”
الورقة كانت من جهة رسمية.
وكان فيها استفسار عن اسمي بسبب استخدامه في ملف تابع لشركة كريم.
لكن وقتها، كنت أعتقد إن الموضوع مجرد خطأ إداري.
راسلت الجهة المعنية.
وأرسلت لهم إثبات خدمتي.
ثم انتهى الموضوع بالنسبة لي.
لكن الآن…
فهمت الصورة كاملة.
كريم كان بيستخدم اسمي من وقتها.
والأخطر…
إنه كان يعرف إنني بدأت ألاحظ.
عشان كده بدأ يضغط على أهلي أكتر.
بدأ يرسل لهم رسائل عني.
بدأ يقول لهم إني غير مستقرة.
وإني فشلت.
وإني ممكن أعمل أي حاجة علشان الفلوس.



