
كان محتاج يدمر مصداقيتي قبل ما أكتشف الحقيقة.
القاضي سأل:
“هل لديك تفسير لماذا تم إرسال هذه الرسائل إلى عائلتك؟”
بصيت ناحية كريم.
وقلت:
“علشان لو اتكلمت… محدش يصدقني.”
أبويا غمض عينه.
أمي بدأت تبكي.
لكن كريم أخيرًا انفجر:
“كنت بحاول أحمي الشركة!”
الصمت وقع مرة واحدة.
القاضي قال:
“من ماذا؟”
كريم سكت.
ثم قال:
“من الانهيار.”
ممثل الادعاء سأله:
“هل تعني أن الشركة كانت معرضة للانهيار؟”
المحامي حاول يمنعه من الكلام.
لكن كريم كان فقد السيطرة.
قال:
“لو الملفات الحقيقية ظهرت، كنت هخسر كل حاجة.”
القاضي سأله:
“أي ملفات؟”
كريم سكت.
وهنا…
ممثل الادعاء ابتسم.
ووضع أمام المحكمة مجلدًا أسود.
وقال:
“هذا هو الملف الذي كنا نبحث عنه.”
بصيت للمجلد.
وعرفت فورًا إنه نفس الملف اللي كنت بدور عليه طوال الشهور الماضية.
لأن داخله كانت موجودة الحقيقة اللي ما كانش كريم عايز حد يشوفها.
الصفقة التي بدأت منها كل الأكاذيب.
نكمل، وهنا تبدأ الصفقة الأصلية في الظهور، ويتضح ليه كريم اختار اسم سلمى بالذات.
المجلد الأسود اتحط قدام القاضي.
كريم بمجرد ما شافه، وشه اتغير.
المحامي بتاعه قرب منه وهمس:
“ما تتكلمش.”
لكن كريم كان عارف إن الوقت فات.
القاضي فتح أول صفحة.
كانت عبارة عن عقد تعاقد حكومي قديم.
تاريخ العقد كان من سبع سنين.
واسم الشركة واضح في أعلى الصفحة:
درع النيل للخدمات والحماية.
لكن تحت اسم الشركة كان فيه بند خاص بالمؤهلات المطلوبة.
ومن ضمن الشروط:
“وجود مستشار أمني بخبرة عسكرية موثقة.”
ثم ظهر اسمي.
سلمى مراد.
القاضي رفع عينه.
“هل كنتِ مستشارة لهذه الشركة وقت توقيع هذا العقد؟”
قلت:
“لا.”
“هل كنتِ تعرفين بهذا العقد؟”
“لا.”
“هل وقعتي عليه؟”
“لا.”
القاضي قلب الصفحة.
ثم قال:
“إذن كيف ظهر اسمك؟”
ممثل الادعاء أجاب:
“لأن الشركة قدمت نسخة من ملف مهني يحمل بيانات السيدة سلمى.”
ثم وضع أمام المحكمة نسخة من الملف.
كان فيه كل شيء.
رتبتي.
سنوات خدمتي.
دورات حصلت عليها.
شهادات تدريب.
حتى بعض المعلومات التي لم تكن منشورة للعامة.
بصيت للورقة.
وهمست:
“ده ملفي الحقيقي.”
المحامي سأل:
“هل تقصدين أن البيانات صحيحة؟”
قلت:
“البيانات صحيحة… لكن استخدامها مش قانوني.”
ثم أضفت:
“أنا ما سلمتش الملف لكريم.”
القاضي سأل:
“هل تعرفين كيف حصل عليه؟”
هنا سكتُّ.
لأني ما كنتش أعرف.
لكن ممثل الادعاء كان عنده الإجابة.
فتح صفحة أخرى.
ظهر اسم موظف سابق في شركة كريم.
وقال:
“هذا الموظف كان مسؤولًا عن تجهيز ملفات التعاقدات.”
ثم أضاف:
“وقد قدم إفادة للجهات المختصة.”
المحامي اعترض.
لكن القاضي سمح باستكمال العرض.
ظهرت إفادة الموظف.
قال فيها إن كريم طلب منه البحث عن شخص يحمل مؤهلات عسكرية حقيقية يمكن وضع اسمه في ملفات الشركة.
الموظف سأله وقتها:
“مين الشخص؟”
كريم أجاب:
“أختي.”
الموظف سأله:
“وهتوافق؟”
كريم قال:
“مش لازم تعرف.”
أبويا حط إيده على جبينه.
أمي كانت بتبص لكريم وكأنها أول مرة تشوفه.
أما أنا…
فكنت بحاول أستوعب حاجة واحدة.
ليه أنا؟
ليه ما استخدمش اسم أي شخص تاني؟
الإجابة ظهرت في الصفحة التالية.
كان فيه تقرير داخلي بيشرح سبب اختيار اسمي.
“لأن صاحبة البيانات لديها سجل عسكري حقيقي، وعائلتها معروفة للشركة، ومن غير المتوقع أن تشك الجهات في العلاقة.”
حسيت بغصة.
حتى علاقتنا العائلية…
كانت بالنسبة له أداة.
أداة يستخدمها علشان ينجح.
القاضي قال:
“السيد كريم، هل لديك ما تقوله؟”
كريم فضل ساكت.
القاضي كرر:
“هذه المحكمة أعطتك فرصة للرد.”
رفع كريم عينه.
وقال:
“أنا كنت ببني مستقبلي.”
رد القاضي:
“على حساب من؟”
كريم ما جاوبش.
لكن بعدها حصل شيء ما كنتش متوقعاه.
والدي وقف.
المحامي بتاع كريم حاول يمنعه:
“أستاذ، من فضلك اقعد.”
أبويا تجاهله.
بص لكريم.
وقال:
“عشر سنين؟”
كريم بص له.
أبويا كمل:
“عشر سنين وإنت بتقول لنا إنها فشلت؟”
كريم قال:
“كنت بحاول أحميكم.”
أبويا رد:
“تحمينا من إيه؟”
كريم سكت.
أبويا أشار ناحيتي.
“من بنتي؟”
كريم قال:
“بابا… الموضوع مش زي ما إنت فاهم.”
أبويا صرخ لأول مرة:
“أنا فاهم كويس!”
القاعة سكتت.
ثم قال:
“أنا كنت شايفها بتدخل الجيش وأنا اللي كنت بقول لها ما تكمليش!”
بص لي.
“وأنت خلتني أصدق إنها فشلت.”
صوته بدأ يرتجف.
“كل مرة كانت تتصل… كنت أنا اللي أقفل.”
أمي انهارت في البكاء.
لكن أنا ما قلتش حاجة.
لأن الاعتذار اللي كنت محتاجاه من عشر سنين…
ما كانش هيمسح عشر سنين من الوحدة.
القاضي طلب من الجميع الهدوء.
ثم عاد للملف.
“هناك سؤال مهم.”
ممثل الادعاء قال:
“ما هو؟”
القاضي أشار إلى آخر صفحة.
“من أين حصلت الشركة على الوثائق الأصلية للسيدة سلمى؟”
ساد الصمت.
كريم بص للأرض.
ثم قال:
“أنا…”
توقف.
المحامي بص له بحدة.
كريم رفع رأسه.
“أنا حصلت عليها من البيت.”
أمي شهقت.
أبويا قال:
“إيه؟”
كريم كمل:
“من صندوق قديم.”
بصيت له.
“أي صندوق؟”
قال:
“الصندوق اللي كان في مكتب بابا.”
أبويا اتجمد.
ثم قال:
“أنا عمري ما سمحت لك تدخل مكتبي.”
كريم سكت.
المحامي قال:
“لا تجيب عن أي أسئلة إضافية.”
لكن الضرر كان حصل.
لأن المعلومة دي فتحت بابًا جديدًا.
القاضي طلب مراجعة سجل دخول الشركة وبيانات الأجهزة التي استخدمت في نسخ المستندات.
وبعد دقائق، ظهر التقرير.
كان هناك جهاز استخدم لنسخ مجموعة من الوثائق.
والجهاز…
لم يكن موجودًا في الشركة.
كان في منزل العائلة.
في مكتب أبي.
أبويا بص للشاشة.
ثم بص لكريم.
“إنت دخلت مكتبي؟”
كريم ما ردش.
وهنا فهمت حاجة مرعبة.
كريم ما كانش بدأ تزوير المستندات من سبع سنين.
كان بيخطط من قبلها.
كان يجمع معلوماتي من سنين.
وكان عنده وصول لملفات قديمة تخص خدمتي.
لكن ليه بدأ كل ده أصلًا؟
ممثل الادعاء قلب الصفحة الأخيرة.
وقال:
“هناك مستند أخير.”
ظهرت صورة تحويل مالي.
ثم اسم شخص.
والاسم كان لشخص ما كنتش أعرفه.
لكن كريم يعرفه جيدًا.
لأن الرجل ده كان شريكًا سابقًا له.
والتحويل تم قبل توقيع أول عقد بثلاثة أشهر.
القاضي سأل:
“ما علاقة هذا التحويل بالسيدة سلمى؟”
ممثل الادعاء قال:
“هنا تبدأ القصة الحقيقية.”
ثم ظهرت رسالة بين كريم وشريكه.
رسالة قصيرة جدًا.
لكنها كانت كافية.
كان كريم كاتبًا:
“لو استخدمنا اسم أختي، مش هنحتاج نجيب حد من بره.”
ثم جاء رد الشريك:
“بس لو اكتشفت؟”
وكان رد كريم:
“مش هتكتشف… وأهلي أصلًا مش هيصدقوها.”
رفعت عيني عن الشاشة.
وبصيت لأخويا.
المرة دي…
هو ما قدرش يبص لي.
لكن كان لسه فيه سر واحد.
سر أخطر من كل اللي ظهر.
لأن التحويل المالي اللي ظهر في المحكمة…
ما كانش مقابل استخدام اسمي فقط.
كان مقابل شيء آخر.
شيء حصل قبل توقيع العقد بأيام.
والدليل عليه كان في ملف منفصل لم يتم فتحه بعد.
القاضي مد إيده ناحية الملف.
وقال:
“سنفتح هذا المستند في الجلسة القادمة.”
وفي اللحظة دي، كريم لأول مرة فقد السيطرة تمامًا.
قال بصوت مرتفع:
“لا!”
القاعة كلها التفتت له.
القاضي نظر إليه.
“لماذا؟”
كريم سكت.
لكن كان واضحًا إن الملف الأخير…
هو الشيء الوحيد اللي كان كريم مستعد يخسر كل شيء علشان يفضل مخفي.
القاضي بص لكريم بعد صرخته المفاجئة.
“إيه اللي في الملف ده؟”
كريم ما ردش.
المحامي بتاعه وقف وقال:
“سيادة القاضي، أطلب منع عرض المستند.”
ممثل الادعاء رد فورًا:
“المستند مرتبط مباشرة بموضوع القضية.”
القاضي سأل:
“وليه المتهم اعترض بالشكل ده؟”
المحامي سكت.
القاضي أشار للموظف.
“افتح الملف.”
اتفتح أول مستند.
كان عبارة عن اتفاق سري بين كريم وشريكه القديم.
لكن في الصفحة الثانية ظهر شيء أخطر.
كان فيه تحويل مالي كبير تم قبل أول تعاقد حكومي للشركة بأيام.
والتحويل لم يكن لشركة.
كان لحساب شخص.
القاضي قرأ الاسم.
ثم رفع عينه ببطء.
“من هو هذا الشخص؟”
ممثل الادعاء قال:
“والد السيدة سلمى.”
القاعة كلها سكتت.
أنا بصيت لأبويا.
هو نفسه كان مذهول.
“أنا؟!”
ممثل الادعاء أخرج نسخة من كشف الحساب.
“المبلغ دخل الحساب بالفعل، لكن بعد يومين تم سحبه بالكامل.”
أبويا هز راسه بسرعة.
“أنا ما أعرفش حاجة عن الكلام ده.”
القاضي سأله:
“هل هذا حسابك؟”
أبويا بص للمستند.
“أيوه.”
“هل استلمت هذا المبلغ؟”
“أنا… مش فاكر.”
كريم بدأ يتكلم:
“بابا، اسمعني.”
أبويا بص له بغضب.
“إنت اسكت!”
لأول مرة، شفت أبويا غاضب من كريم بالشكل ده.
ممثل الادعاء كمل:
“لدينا تسجيل لمكالمة بين كريم وشريكه بعد التحويل.”
تشغل التسجيل.
صوت كريم ظهر واضح:
“المبلغ وصل؟”
الشريك رد:
“أيوه.”
كريم قال:
“خليه في الحساب يومين، وبعدها اسحبه.”
الشريك سأله:
“وحساب أبوك؟”
كريم رد:
“سيبه زي ما هو… لو احتجنا نرجع له، هنقول إن دي فلوس قديمة.”
أبويا حط إيده على صدره.
“أنا ما كنتش أعرف.”
القاضي سأل:
“إذن كيف وصلت الأموال إلى حسابك؟”
أبويا ما عرفش يرد.
هنا ظهرت وثيقة جديدة.
كانت عبارة عن توكيل قديم.
وفيه توقيع أبي يسمح لشخص آخر بإدارة بعض معاملاته المالية.
والشخص ده…
كان كريم.
أبويا بص لكريم.
“إنت استعملت التوكيل؟”
كريم سكت.
وهنا فهمت.
كريم ما كانش بيستخدم اسمي لوحده.
كان بيستخدم اسم أبي.
وكان بيستغل ثقة العيلة كلها علشان يبني الشركة.
لكن كان فيه سؤال واحد لسه من غير إجابة:
ليه كان لازم يشوه صورتي قدام أهلي؟
ممثل الادعاء جاوب بنفسه.
قال:
“لأن السيدة سلمى كانت الشخص الوحيد في العائلة الذي يمتلك القدرة والخبرة لاكتشاف التلاعب في المستندات.”
بصيت له.
كمل:
“كانت تعرف الفرق بين الوثيقة الأصلية والمزورة.”
ثم أضاف:
“وكانت تعرف كيف تُراجع السجلات.”
ساعتها افتكرت حاجة حصلت قبل عشر سنين.
اليوم اللي رجعت فيه البيت فجأة، ولقيت كريم قاعد في مكتب أبويا.
وقتها أول ما شافني، قفل اللابتوب.
ولما سألته كان بيعمل إيه، قال لي:
“شغل.”
أنا ما شكيتش.
لكن دلوقتي…
فهمت إن كل حاجة بدأت من اليوم ده.
القاضي طلب عرض آخر مستند.
ظهر على الشاشة بريد إلكتروني قديم.
المرسل: كريم.
المستلم: شريكه.
والعنوان:
“خطة سلمى.”
فتحت الرسالة.
كان فيها:
“لازم نخلي العيلة تصدق إنها فشلت، لأنها لو رجعت ودققت في الأوراق هتكتشف التناقضات.”
ثم سطر آخر:
“خليهم يفتكروا إنها رجعت بسبب مشكلة مالية.”
ثم:
“لو سألت عن الملفات، قول لهم إنها بتحاول تنتقم من نجاحي.”
أمي بدأت تبكي بصوت مسموع.
أبويا كان ساكت.
أما كريم…
فكان لأول مرة عاجز عن اختراع قصة جديدة.
القاضي قال:
“السيد كريم، هل تنكر كتابة هذه الرسالة؟”
كريم بص للمحامي.
المحامي قال:
“لن يجيب.”
القاضي هز رأسه.
ثم نظر إلى الأوراق.
“هناك شيء واحد غير واضح.”
ممثل الادعاء قال:
“ما هو؟”
القاضي أشار إلى التحويل المالي.
“إذا كان هذا المبلغ مرتبطًا بالشركة، فلماذا تم تحويله إلى والد السيدة سلمى؟”
ممثل الادعاء فتح آخر صفحة.
وقال:
“لأن هذا المبلغ لم يكن مقابل استخدام اسم السيدة سلمى.”
ثم سكت لحظة.
“كان مقابل شيء آخر.”
القاضي سأله:
“ما هو؟”
ممثل الادعاء نظر ناحية كريم.
وقال:
“شراء قطعة أرض.”
القاعة سكتت.
ثم ظهرت صورة عقد ملكية.
الأرض كانت مسجلة باسم أبي.
لكن الدفع تم من أموال شركة كريم.
والأغرب…
إن قطعة الأرض دي كانت هي نفس الأرض اللي كريم بنى عليها مخزن شركته.
أبويا قال:
“أنا ما بعتش الأرض.”
ممثل الادعاء قال:
“صحيح.”
ثم ظهرت وثيقة نقل ملكية مزورة.
وكان التوقيع المنسوب لأبي…
مزورًا.
أبويا قرب من الشاشة.
وبص للتوقيع.
ثم قال:
“ده مش توقيعي.”
القاضي قال:
“إذن لدينا الآن تزوير آخر.”
لكن قبل ما يكمل…
موظف المحكمة دخل القاعة بسرعة وسلم القاضي ظرفًا.
القاضي فتحه.
قرأ أول سطر.
وتغيرت ملامحه.
ثم قال:
“هذا المستند وصل الآن من الجهة المختصة.”
ممثل الادعاء قرب منه.
القاضي أعطاه الورقة.
قرأها.
وبعدين رفع عينه ناحية كريم.
“السيد كريم… يبدو أن لدينا مشكلة أكبر.”
كريم قال:
“إيه؟”
القاضي وضع الورقة أمامه.
“الأرض التي بنيت عليها منشأتك… لم تكن مملوكة لوالدك أصلًا.”
كريم اتجمد.
القاضي كمل:
“كانت مملوكة لجهة حكومية.”
ساد صمت كامل.
ثم أضاف:
“وهذا يعني أن كل المستندات المتعلقة ببيعها ونقل ملكيتها تحتاج إلى مراجعة كاملة.”
كريم رجع خطوة في كرسيه.
أما أنا…
فبدأت أفهم ليه كان مستعد يعمل أي حاجة علشان يدفن الحقيقة.
لأن القضية لم تعد تخص اسمي فقط.
ولا تخص علاقتي بأخويا.
كانت تتعلق بشركة كاملة، وعقود، وأموال، وأرض، ومستندات مزورة.
لكن كان لسه فيه سؤال أخير:
مين الشخص اللي ساعد كريم يزوّر المستندات الأصلية؟
ولما ظهر اسمه في الصفحة الأخيرة…
أنا وأبويا وأمي بصينا لبعض في نفس اللحظة.
لأن الاسم كان لشخص من العائلة…
شخص لم يخطر على بالي أبدًا.
القاضي قلب الصفحة الأخيرة ببطء.
ثم قرأ الاسم بصوت واضح:
“محمود مراد.”
اتجمدت في مكاني.
محمود…
كان ابن عمي.
الشخص اللي كنت دايمًا أعتبره قريب مني زي أخويا.
أبويا بص للشاشة.
“محمود؟ مستحيل.”
لكن المستند كان واضح.
توقيعه ظهر في أكثر من ورقة.
وكان اسمه موجودًا ضمن الأشخاص اللي دخلوا إلى الملفات القديمة الخاصة بأبي.
القاضي سأل:
“هل تعرفون هذا الشخص؟”
أبويا رد:
“ابن أخويا.”
ممثل الادعاء قال:
“ولدينا إفادة منه.”
فتح ملفًا جديدًا.
محمود كان قد أدلى بأقواله قبل الجلسة.
وفي إفادته قال إن كريم طلب منه قبل سنوات الوصول إلى بعض الملفات القديمة، بحجة أنه يحتاج بياناتها لأعمال الشركة.
في البداية لم يكن يعرف الغرض الحقيقي.
لكن بعد فترة، اكتشف أن كريم يستخدم بياناتي في ملفات الشركة.
ولما واجهه، كريم هدده بأنه سيحمّله مسؤولية التزوير إذا تكلم.
ثم ظهر تسجيل آخر.
صوت محمود كان واضحًا:
“أنا مش هكمل.”
ورد كريم:
“لو اتكلمت، هتدخل معايا.”
محمود قال:
“دي أختك.”
كريم رد:
“أنا عارف.”
ثم سكت لحظة وقال:
“بس هي لازم تفضل برا الموضوع.”
القاضي أوقف التسجيل.
ثم نظر إلى كريم.
“هل لديك رد؟”
كريم لم يتكلم.
المحامي حاول طلب استراحة.
لكن القاضي رفض.
كان واضحًا أن الصورة أصبحت مكتملة تقريبًا.
سنوات من الأكاذيب.
مستندات مزورة.
استخدام اسمي.
استغلال بيانات أبي.
أموال تم تحويلها بطرق غير واضحة.
وعقود تم الحصول عليها باستخدام مؤهلات لم أقدمها أصلًا.
لكن أكثر شيء وجعني لم يكن كل ذلك.
كان منظر أمي.
كانت قاعدة تبص لي ودموعها على وشها.
قالت:
“سلمى… أنا آسفة.”
نظرت لها.
لم أعرف ماذا أقول.
أبويا قام من مكانه.
اقترب مني.
وقال بصوت منخفض:
“أنا ظلمتك.”
ظللت ساكتة.
قال:
“كنت مصدق أخوكي أكتر منك.”
نظرت إليه.
“ليه؟”
لم يجد إجابة.
ثم قال:
“مش عارف.”
هزيت رأسي.
“أنا كنت محتاجة منك تصدقني مرة واحدة بس.”
دموعه نزلت.
“عارف.”
ثم أضاف:
“بس أنا عارف إن كلمة آسف مش هترجع العشر سنين.”
قلت:
“لا.”
ثم نظرت إلى كريم.
“بس يمكن تمنع عشر سنين تانية من الضياع.”
القاضي عاد إلى الجلسة.
بعد مراجعة المستندات، تم تسجيل الأدلة ضمن ملف القضية، وأُحيلت الوقائع المتعلقة بالتزوير واستخدام البيانات والمستندات المالية للجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية.
كريم لم يعد ذلك الرجل الواثق الذي دخل المحكمة في الصباح.
كان جالسًا صامتًا.
وعندما مر بجانبي، توقف للحظة.
قال:
“سلمى…”
لم أرد.
قال:
“أنا ما كنتش متخيل إن الموضوع هيوصل لكده.”
نظرت إليه.
وقلت:
“وده بالضبط كان غلطك.”
سألني:
“يعني إيه؟”
قلت:
“إنت قضيت عشر سنين بتحاول تمنع الناس من معرفة الحقيقة.”
ثم أضفت:
“لكن الحقيقة ما كانتش محتاجة حد يدافع عنها.”
سكت.
ثم قلت له:
“كانت محتاجة وقت بس.”
خرجت من المحكمة.
الهواء كان مختلفًا.
لأول مرة منذ عشر سنوات، لم أشعر أنني مطالبة بإثبات من أنا.
لم أكن محتاجة أقول لأحد إني خدمت.
ولا أشرح إني لم أفشل.
ولا أبرر لماذا ابتعدت.
كل شيء كان موجودًا في الأوراق.
بعد يومين، اتصل بي أبي.
هذه المرة لم يطلب مني أن أشرح.
قال فقط:
“لو سمحتي… تعالي نتكلم.”
وافقت.
جلست مع والدي ووالدتي في نفس البيت الذي خرجت منه منذ سنوات.
لكن هذه المرة لم أدخل وأنا أحاول إقناعهم بشيء.
دخلت وأنا أعرف الحقيقة.
أبي قال:
“إحنا غلطنا.”
أمي قالت:
“وأنا أكتر واحدة ندمانة.”
قلت لها:
“أنا مش عايزة تعيشوا في الندم.”
بصوا لي.
قلت:
“أنا عايزة بس لما تسمعوا عني حاجة بعد كده… تسألوني الأول.”
أبي هز رأسه.
“وعد.”
مر وقت طويل قبل أن تعود علاقتنا طبيعية.
لم يحدث الأمر في يوم واحد.
ولا اعتذاراتهم مسحت كل شيء.
لكن على الأقل…
بدأنا من الحقيقة.
بعد عدة أشهر، رجعت لمقر خدمتي السابق لحضور مناسبة رسمية.
وقفت هناك بالزي العسكري.
نفس الزي الذي دخلت به المحكمة.
لكن هذه المرة لم يكن في القاعة شخص يسخر مني.
لم يكن هناك أخ يحكي قصة مزيفة.
ولا أب يصدقها.
ولا أم تخاف من الحقيقة.
كان هناك فقط اسمي على السجل.
اسمي الحقيقي.
وتاريخ خدمتي الحقيقي.
وعندما وقفت أمام المرآة قبل المغادرة، تذكرت أول يوم قال فيه كريم:
“خليها تجرب ونشوف هتقدر تكمل ولا لأ.”
ابتسمت.
لأني أخيرًا فهمت شيئًا.
أنا لم أكن بحاجة أن أثبت له أنني أستطيع.
ولا لأهلي.
ولا لأي شخص.
كنت بحاجة فقط ألا أسمح لكذبة شخص آخر أن تصبح تعريفًا لحياتي.
وفي النهاية…
كريم حاول يكتب قصتي بدلًا مني.
لكنه نسي أهم شيء:
الإنسان ممكن يخسر سنين وهو بيحاول يزوّر الحقيقة… لكن الحقيقة نفسها لا تحتاج كل هذا الوقت لتظهر.
تمت




