روايات وقصص

بعد رحيل ابويا كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

«أنا مش فاهم! أكيد فيه خطأ في الحسابات. أنا ما أخدتش حاجة من حد!»

الأستاذ شريف رد بهدوء:

«محدش اتهمك لحد دلوقتي. أنا بس بسألك عن مستندات موجودة قدامي.»

ثم أخرج ورقة أخرى.

«لكن الغريب إن فيه مستندًا إضافيًا، وقّعته سلمى بحسب ما هو مكتوب هنا، بخصوص ضمان مالي مرتبط بأحد الديون.»

بصيت للورقة بصدمة.

أنا ما وقعتش أي ضمان مالي في حياتي!

مديت إيدي ناحية المستند، وبدأت أقرأه.

كان فيه اسمي كاملًا، ورقم بطاقتي، وتوقيع يشبه توقيعي فعلًا.

لكن التوقيع ما كانش توقيعي.

رفعت رأسي ببطء وبصيت لأحمد.

«إيه الورقة دي؟»

ما ردش.

كررت السؤال، وصوتي المرة دي كان أقوى:

«يا أحمد، إيه الورقة اللي عليها اسمي وتوقيع مزوّر؟»

حماتي تدخلت بسرعة:

«يا بنتي، اهدَي! ممكن تكوني وقّعتي على الورقة ونسيتِ. إنتِ كنتِ بتمضي أوراق كتير بعد الجواز.»

بصيت لها باستغراب.

«أنا ما مضيتش على أي ورقة ضمان، ومش هنسى حاجة زي دي.»

الأستاذ شريف أخذ الورقة مني، ووضعها داخل ملف منفصل.

«التوقيع ده محتاج فحص من خبير مختص. ومش هنستنتج أي حاجة قبل ما الفحص يخلص.»

ثم التفت إلى أحمد وقال:

«والآن، نقدر نكمل قراءة الوصية.»

أحمد رجع قعد، لكنه ما بقاش قادر يبص في عيني.

حماتي كانت ساكتة تمامًا، وعينيها بتتنقل بين الأوراق وبين ابنها.

أما أنا، فكنت حاسة إن الأرض اللي كانوا واقفين عليها بثقة من دقائق بدأت تنهار تحت أقدامهم.

الأستاذ شريف فتح الملف الأخير، وأخرج الوصية الرسمية.

بدأ يقرأ البنود المتعلقة بممتلكات أبويا، ووضح إن فيه إجراءات قانونية لازم تتعمل قبل نقل الملكية أو التصرف في الأصول.

وبعدين توقف عند بند محدد.

رفع عينيه ناحيتي وقال:

«يا سلمى، والدك ترك لك رسالة أخيرة، وطلب مني أقرأها أمام الحاضرين بعد الانتهاء من البنود الأساسية.»

فتح الورقة، وبدأ يقرأ بصوت هادئ:

«إلى ابنتي سلمى…

لو وصلتي للحظة دي، فمعناه إنك بتواجهي اختبارًا صعبًا، ويمكن تكتشفي إن بعض الناس اللي وثقتي فيهم ما كانوش زي ما تخيلتي.

أنا ما كتبتش الوصية دي عشان أعاقب حد، ولا عشان أنتقم من أي شخص. أنا كتبتها عشان أحمي تعب عمري، وأضمن إن بنتي ما تتحطش تحت ضغط أي إنسان مهما كانت صلته بيها.

يا سلمى، الفلوس ممكن تتعوض، والعقارات ممكن تتباع وتتشرى، لكن كرامتك وحقك في الاختيار ما ينفعش حد ياخدهم منك.

ما تسمحيش لأي شخص يقنعك إن الجواز معناه إنك تتنازلي عن كل حاجة، أو إن مساعدة العيلة معناها إنك تتحملي أخطاء الآخرين.

ولو اكتشفتي إن حد خان ثقتك، ما تتسرعيش في الحكم، لكن ما تتجاهليش الحقيقة كمان.

اسمعي، راجعي، وتأكدي… وبعدها خدي قرارك بنفسك.»

ما قدرتش أمنع دموعي.

كان صوت أبويا كأنه موجود معايا في الغرفة، بيطمني وبيفكرني إني مش لوحدي.

لكن الأستاذ شريف ما كانش خلص كلامه.

قلب الصفحة الأخيرة، وقال:

«هناك بند إضافي يتعلق بالمراجعة القانونية لبعض المعاملات السابقة على وفاة المرحوم. وبناءً عليه، لن يتم اعتماد أي طلب لصرف أموال أو نقل ملكية قبل استكمال المراجعة المطلوبة.»

أحمد رفع رأسه بسرعة.

«يعني إيه؟! أنا مالي بالموضوع ده؟ سلمى مراتي، وأنا من حقّي أساعدها!»

رد المحامي:

«مساعدتك لزوجتك شيء، والتصرف في أموالها أو أموال التركة من غير سند قانوني شيء مختلف تمامًا.»

ثم جمع الأوراق أمامه وأضاف:

«وفيه نقطة أخيرة لازم أوضحها. قبل وفاة والد سلمى، وصلني ملف كامل عن معاملات مالية مشكوك فيها، ومعاه مستندات وتسجيلات إضافية. الملف ده لسه ما اتفتحش بالكامل.»

حماتي قامت مرة تانية.

«إنت بتلمّح لإيه بالضبط؟!»

الأستاذ شريف نظر إليها مباشرة.

«أنا ما بلمّحش لأي حاجة. أنا بوضح إن فيه وقائع لازم تتراجع، وإن كل شخص هيكون مسؤول عن أي تصرف يثبت إنه قام به.»

وبعدين التفت لي وقال:

«سلمى، والدك طلب مني أسلمك ظرفًا شخصيًا، لكن أوصاني ما تفتحيهوش إلا بعد ما تسمعي التسجيل كاملًا وتعرفي محتواه.»

أخرج ظرفًا صغيرًا، مكتوبًا عليه بخط أبويا:

«لبنتي سلمى وحدها… الحقيقة اللي لازم تعرفها.»

مد إيده وناولهولي.

مسكته وأنا حاسة إن قلبي بيدق بسرعة.

أحمد مد إيده ناحيتي فجأة.

«هاتِي الظرف ده!»

لكن الأستاذ شريف سحبه بعيدًا عنه وقال بحزم:

«ممنوع تلمس أي مستند يخص موكلتي من غير إذنها.»

بصيت لأحمد، وبعدها للظرف اللي في إيدي.

كنت عارفة إن فتحه ممكن يغير كل حاجة.

لكن قبل ما أقدر أفتح الظرف، رن تليفون الأستاذ شريف.

رد على المكالمة، واستمع لثوانٍ، ثم تغيرت ملامحه.

قال:

«هل أنت متأكد من نتيجة المراجعة الأولية؟»

صمت قليلًا، ثم قال:

«تمام. ابعت التقرير، وأنا هتعامل مع الموضوع وفق الإجراءات القانونية.»

أنهى المكالمة، وبص لي بجدية.

«سلمى، فيه تطور جديد. المستندات اللي استلمتها من والدك كشفت عن معاملة مالية تانية، واسمك موجود فيها برضه.»

حسيت ببرودة تسري في جسمي.

«معاملة إيه؟»

المحامي بص ناحية أحمد، ثم رجع بص لي.

وقال ببطء:

«فيه عقد قديم متعلق بأرض والدك، ويبدو إن حد حاول يستخدم بياناتك لإتمام إجراء من غير علمك.»

أحمد وقف مرة أخرى، لكن المرة دي ما صرخش.

كان واضح عليه الخوف.

أما حماتي، فبصت له نظرة غريبة، كأنها بدأت تدرك إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد ميراث.

فتحت الظرف أخيرًا.

كان بداخله مفتاح صغير، وورقة مكتوبة بخط أبويا.

قرأت أول سطر، وشعرت إن أنفاسي اتسحبت مني.

«يا سلمى، لو وصلتي للمرحلة دي، فاعرفي إن السر الحقيقي مش في الفلوس اللي هتورثيها… السر في الأرض اللي حاولوا ياخدوها منك قبل ما أبوكي يموت.»

رفعت عيني ناحية الأستاذ شريف.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى