روايات وقصص

بعد رحيل ابويا كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

«أي أرض؟ وإيه اللي حصل قبل وفاة بابا؟»

المحامي أشار للمفتاح اللي في إيدي وقال:

«المفتاح ده بيفتح خزنة موجودة في مكتب والدك القديم. وطبقًا للتعليمات اللي تركها لي، فيه مستندات هناك هتوضح مين كان بيحاول يتصرف في الأرض، وليه.»

ثم نظر إلى أحمد نظرة طويلة، وأضاف:

«لكن قبل ما نروح للخزنة، فيه سؤال واحد لازم يتجاوب عليه…»

سكت لحظة، ثم قال:

«مين آخر شخص دخل مكتب محمود قبل وفاته بيوم واحد، وخرج منه ومعاه ملف أزرق؟»

في اللحظة دي، حماتي حطت إيدها على فمها.

وأحمد رجع خطوة لورا.

لأن الملف الأزرق اللي بيتكلم عنه المحامي…

كان هو نفسه الملف اللي شافته حماتي في إيد أحمد ليلة وفاة أبويا!

### الجزء الثالث: الملف الأزرق كشف السر اللي كانوا فاكرين إنه هيفضل مدفون للأبد!

فضلت باصة لأحمد، مستنية منه أي رد.

المحامي الأستاذ شريف كان لسه مستني إجابة سؤاله، وحماتي نادية قاعدة على طرف الكرسي، وشها شاحب، وإيديها بتترعش وهي بتحاول تخفي خوفها.

كررت السؤال وأنا ببص لجوزي:

«أحمد، إنت كنت في مكتب بابا قبل وفاته بيوم؟»

رد بسرعة:

«لأ طبعًا! إيه الكلام الفارغ ده؟ أنا ما دخلتش مكتب عمك… أقصد أبوكي، من شهور!»

كان مرتبك لدرجة إنه لخبط في كلامه.

الأستاذ شريف لاحظ ده، لكنه ما علّقش.

فتح ملفًا آخر وأخرج منه صورة مطبوعة، ثم وضعها أمام أحمد.

«طيب، ممكن تفسر لنا الصورة دي؟»

أحمد بص للصورة، واتجمد مكانه.

كانت صورة مأخوذة من كاميرا المراقبة الموجودة عند مدخل ورشة أبويا. ظهر فيها أحمد وهو داخل المكتب، وفي إيده ملف أزرق كبير.

والتاريخ المكتوب أسفل الصورة كان اليوم السابق لوفاة أبويا.

حسيت إن قلبي بيتعصر.

لفيت ناحية أحمد وقلت بصوت مخنوق:

«إنت قلت لي يومها إنك كنت في اجتماع شغل خارج القاهرة!»

حاول يضحك، لكن ضحكته طلعت متوترة.

«اسمعيني يا سلمى، الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة. أبوكي كان تعبان، وأنا رحت أطمن عليه. والملف ده أكيد كان فيه أوراق تخص شغله.»

الأستاذ شريف رد بهدوء:

«لو كانت زيارة عادية، ليه أنكرت إنك كنت هناك من الأساس؟»

أحمد سكت.

حماتي تدخلت بسرعة:

«هو إنتوا بتحاكموا ابني؟ الراجل راح يزور حماه المريض، وبدل ما تشكروه، بتتهموه وتعرضوا صورًا قديمة!»

المحامي بص لها وقال:

«مدام نادية، محدش اتهم ابنك رسميًا. إحنا بنحاول نفهم وقائع متعلقة بمستندات ملكية، ومن حقنا نراجعها.»

وبعدين أخرج ورقة أخرى.

«والأهم إن الملف الأزرق مش مجرد ملف حسابات عادي. فيه مستندات مرتبطة بمحاولة نقل حق الانتفاع بأرض مملوكة للمرحوم إلى شركة خاصة.»

سألته وأنا مش مصدقة:

«شركة مين؟»

بص في الورقة، ثم رفع عينيه.

«شركة مسجلة باسم شريك تجاري لأخو أحمد.»

حسيت إن الدنيا بتلف بيا.

أخو أحمد كان غارقًا في الديون، ومشروع المطعم بتاعه كان على وشك الإفلاس. وأنا كنت أعرف إن أحمد حاول أكثر من مرة يقنع أبويا يساعد أخوه، لكن أبويا رفض لأنه ما كانش مقتنع بطريقة إدارته للفلوس.

هل ممكن يكونوا حاولوا ياخدوا أرض أبويا عشان ينقذوا مشروعهم؟

بصيت لأحمد وسألته:

«إنت كنت بتحاول تنقل أرض بابا باسم شركة أخوك؟»

ضرب بإيده على الترابيزة.

«كفاية بقى! أنا مش هفضل قاعد أسمع الاتهامات دي!»

قام، وبدأ يلم حاجته.

لكن الأستاذ شريف قال بحزم:

«تقدر تنهي الاجتماع لو حبيت، لكن ده مش هيوقف مراجعة المستندات. وكل ورقة موجودة هنا هتتسلم للجهات المختصة لو ظهرت شبهة تزوير أو تصرف غير قانوني.»

أحمد وقف مكانه.

لأول مرة، شفته مش عارف يعمل إيه.

كان متعود يزعق فأخاف، ويهدد فأعتذر، ويضغط عليّ لحد ما أتنازل.

لكن المرة دي ما كنتش لوحدي.

كان فيه محامٍ، ومستندات، وتسجيلات، وصورة بتثبت إنه كذب عليّ.

والأهم إن أبويا كان مجهز كل ده قبل ما يموت.

بعد دقائق، طلب الأستاذ شريف من أحمد وحماتي ينتظروا خارج المكتب لبعض الوقت، بحجة إنه محتاج يراجع معايا بعض الإجراءات الخاصة بالتركة.

أحمد اعترض، لكن المحامي أصر.

خرجوا أخيرًا، وأول ما الباب اتقفل، انهرت في البكاء.

قلت:

«يا أستاذ شريف، أنا مش قادرة أصدق إن أحمد ممكن يعمل كده. ده جوزي! أنا كنت بثق فيه أكتر من أي حد.»

ناولني منديلًا، وقال بهدوء:

«أنا مقدر اللي إنتِ حاسة بيه يا سلمى. لكن لازم نفصل بين مشاعرك وبين المستندات. إحنا لسه ما نعرفش كل التفاصيل، ولازم نتحقق من كل حاجة قبل ما نصدر أحكام.»

مسحت دموعي وسألته:

«هو بابا كان عارف إن أحمد بيحاول ياخد الأرض؟»

سكت المحامي لحظة، ثم فتح درج مكتبه وأخرج صورة قديمة لأبويا.

«والدك بدأ يشك في وجود معاملات غير طبيعية من حوالي ستة شهور. طلب مني أراجع بعض العقود، وبعدها اكتشفنا إن فيه مستندات اتقدمت لإحدى الجهات، وفيها توقيع منسوب ليه، لكنه أنكر إنه وقّع عليها.»

شهقت.

«يعني حد زوّر توقيع بابا كمان؟»

رد:

«ده احتمال لازم يتحقق منه خبير. والدك أصر إننا ما نتهمش حد من غير دليل. لكنه كان خايف إن الأرض تتعرض للتصرف قبل ما نعرف الحقيقة.»

افتكرت كلام أبويا في آخر زيارة ليا.

كان قال لي يومها: «خلي بالك من الناس اللي بتستعجل مصلحتها يا بنتي. اللي بيطلب منك توقيع من غير ما يشرح لك، ممكن يكون بيطلب أكتر من مجرد توقيع.»

وقتها ما فهمتش قصده.

دلوقتي بدأت أفهم.

سألت المحامي:

«طيب، المفتاح ده بيفتح الخزنة اللي في مكتب بابا فعلًا؟»

أومأ برأسه.

«أيوه. وأنا شايف إننا نروح هناك في أقرب وقت، بحضور الشخص المسؤول عن إدارة ممتلكات والدك، ونراجع محتوياتها وفق الإجراءات المناسبة.»

ثم أضاف:

«لكن قبل ده، عايزك تسمعي آخر جزء من تسجيل والدك.»

أخرج الموبايل القديم وشغّله مرة تانية.

في البداية، كان فيه صوت أبويا وهو بيتنفس بصعوبة، ثم قال:

«يا سلمى، لو وصلتي للرسالة دي، فغالبًا هتكوني اكتشفتي إن فيه حد حاول يستغل ثقتك وثقتي. أنا مش عايزك تكرهي حد لمجرد الشك، لكن عايزك ما تسمحيش لأي حد يخوفك من الحقيقة.»

توقف قليلًا، ثم أكمل:

«فيه مستند مهم موجود في الخزنة. المستند ده هيوضح إن الأرض اللي اتكلموا عنها مش مجرد قطعة أرض عادية. دي الأرض اللي تعبت فيها سنين، واللي كنت مخطط أعمل عليها مشروع يخدم ناس كتير.»

ابتسمت وسط دموعي.

كان أبويا طول عمره بيحلم يحول جزءًا من أرضه إلى مركز لتدريب الشباب على مهن إصلاح السيارات والصناعات الصغيرة، عشان يساعد الناس اللي مش قادرة تتحمل تكاليف التعليم.

لكنه لم يذكر لي إنه وصل لمرحلة متقدمة في تنفيذ المشروع.

عاد صوته يقول:

«لو أي حد حاول يقنعك إن المشروع ده عبء أو إن بيعه هو الحل الوحيد، ما تستعجليش. راجعي الأوراق الأول. فيه حقوق والتزامات لازم تتحترم، وفيه ناس اعتمدت على وعدي ليهم.»

ثم قال جملة جعلتني أرفع رأسي فجأة:

«والأهم يا بنتي، ما توقعيش على أي تنازل يخص الأرض، مهما كان الشخص اللي بيطلب منك التوقيع قريب منك.»

انتهى التسجيل.

فضلت ساكتة للحظات.

أبويا ما كانش بيحذرني من شخص غريب.

كان بيحذرني من شخص قريب لدرجة إنه يقدر يوصل لأوراقي، ويعرف تفاصيل حياتي، ويستغل ثقتي فيه.

في نفس اليوم، ذهبنا إلى مكتب أبويا القديم.

كان المكان هادئًا، ورائحة الزيت والمعادن ما زالت تملأ الورشة. أول ما دخلت، افتكرت طفولتي، لما كنت بقعد على كرسي صغير جنب المكتب وأراقبه وهو بيكتب حساباته بخط إيده.

وقفت قدام مكتبه، ومررت إيدي على سطحه الخشبي.

همست:

«وحشتني يا بابا.»

الأستاذ شريف وقف بعيدًا، واداني لحظة أستوعب فيها المكان.

بعدها أخرجت المفتاح الصغير، وفتحنا الخزنة الموجودة خلف خزانة الملفات.

كانت بداخلها ثلاثة أظرف، ودفتر حسابات قديم، وذاكرة تخزين صغيرة، وملف أزرق آخر.

اتجمدت وأنا ببص للملف.

نفس اللون، ونفس الحجم تقريبًا اللي ظهر في صورة أحمد وهو خارج من مكتب أبويا.

فتحت الملف بحذر.

كان فيه عقد مبدئي متعلق بأرض أبويا، وصور من مراسلات تجارية، ونسخة من طلب نقل حق الانتفاع بالأرض إلى الشركة اللي ذكرها المحامي.

لكن المستند اللي خلاني أرتعش فعلًا كان ورقة تحمل اسمي وتوقيعًا منسوبًا لي.

مكتوب فيها إني وافقت على التنازل عن بعض حقوقي المستقبلية في الأرض لصالح الشركة.

قلت بصدمة:

«ده مستحيل! أنا عمري ما شفت الورقة دي!»

الأستاذ شريف فحصها من غير ما يلمس موضع التوقيع مباشرة.

«هنحتفظ بيها، ونسلمها للفحص الفني. ما نقدرش نحدد مين كتبها أو وقّع عليها قبل ما يتم التحقق.»

قلبت الورقة، فوجدت ملاحظة بخط أبويا على ظهرها:

«لا تعتمدوا هذا المستند قبل مراجعة أصل التوقيع والتحقق من مصدره.»

وتحت الملاحظة، كان مكتوبًا تاريخ اليوم اللي سبق وفاة أبويا.

بصيت للمحامي.

«يعني بابا شاف الورقة دي قبل ما يموت؟»

قال:

«واضح من الملاحظة إنه كان على علم بوجودها، لكن لازم نراجع باقي المستندات عشان نعرف إيه اللي حصل بالضبط.»

أخرجت الظرف الأول.

كان فيه خطاب رسمي متعلق بحقوق الانتفاع بالأرض، والظرف الثاني احتوى على مستندات مالية.

أما الظرف الثالث، فكان مكتوبًا عليه:

«يفتح عند ظهور اسم الشركة في أي مستند رسمي.»

فتحت الظرف.

وجدت ورقة واحدة، مكتوبًا فيها بخط أبويا:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى