
الجزء الثاني والاخير
رانيا فضلت باصة للأستاذة نجلاء، وكأنها بتحاول تلاقي أي كلمة تنقذها من الموقف.
قالت بتوتر: «أنا مش فاهمة إنتِ تقصدي إيه يا نجلاء! البنت دي بنت جوزي، وهي بتحب تساعدني في البيت. الموضوع مش مستاهل كل ده».
الأستاذة نجلاء ما ردتش فورًا. بصت لمريم اللي كانت واقفة عند حوض المطبخ، بتغسل إيديها في صمت، وبعدها رجعت بصت لرانيا.
«إنتِ بنفسك قلتي لنا إنها بنت جيرانكم، وإنها بتيجي تساعدك مقابل مصروف. ولما سألتك ليه البنت صغيرة كده وبتشتغل لوحدها، قلتي إن أهلها مش مهتمين بيها وإنك بتساعديهم».
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحت رجلي.
بصيت لرانيا وقلت: «إيه الكلام ده؟ وإيه حكاية إنها بنت جيرانكم؟»
رانيا حطت الكوباية على الترابيزة بسرعة وقالت: «يا أحمد، إنت مكبر الموضوع. دي مجرد طريقة كلام، ومش فاكرة أنا قلت إيه بالضبط».
لكن ست تانية من اللي كانوا قاعدين على الكنبة اتدخلت وقالت: «لأ يا رانيا، إنتِ قلتي إن البنت دي بتساعدك كل يوم تقريبًا، وإنها اتعلمت النظام على إيدك. وإحنا بصراحة كنا فاكرين إنك بتساعدي أسرة محتاجة».
بصيت لمريم.
كانت لسه عند الحوض، لكن إيديها وقفت تحت المية. سمعت كل كلمة، ووشها بقى شاحب.
ناديت عليها برفق: «مريم، تعالي اقعدي جنبي يا حبيبتي».
نشفت إيديها في الفوطة، وجت وقعدت على الكرسي اللي جنبي. لاحظت إن صوابعها محمرة من المية والمنظفات.
مسكت إيدها وسألتها: «إنتِ بتعملي شغل البيت ده كل يوم؟»
مريم بصت لرانيا قبل ما ترد.
النظرة دي كانت كفاية عشان أفهم إن بنتي مش حرة حتى في الإجابة عن سؤال بسيط.
قلت لها: «بصيلي يا مريم. إنتِ مش هتتعاقبي على أي حاجة هتقوليها. أنا عايز أسمع الحقيقة منك، وبس».
بلعت ريقها، وقالت بصوت واطي: «مش كل يوم يا بابا».
استنيت تكمل، لكنها سكتت.
سألتها: «طيب، إمتى بتعملي الشغل ده؟»
قالت: «لما يكون عند ماما رانيا ضيوف، أو لما تكون مشغولة. ساعات بنضف الصالة والمطبخ، وبغسل المواعين، وبجهز الحاجات اللي بيحتاجوها».
رانيا قاطعتها بعصبية: «مريم! إنتِ فاهمة كلامك؟ أنا عمري ما أجبرتك تعملي حاجة!»
مريم اتنفضت في مكانها.
في اللحظة دي، عرفت إن صوت رانيا لوحده بقى كفاية يخوف بنتي.
رفعت إيدي وقلت: «رانيا، من فضلك ما تقاطعيش بنتي. سيبيها تتكلم».
بصتلي بصدمة، كأنها مش متعودة تسمع مني الكلام ده.
رجعت لمريم وسألتها: «وإنتِ بتعملي ده ليه؟»
سكتت شوية، وبعدها قالت جملة هتفضل محفورة في ذاكرتي طول عمري.
«عشان لو ما عملتش اللي مطلوب مني، ماما رانيا بتقول إني أنانية، وإنك هتزهق مني وتخليني أعيش مع ماما منى».
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
بنتي كانت بتخاف تخسر بيتها، لدرجة إنها قبلت تتحمل مسؤوليات أكبر من سنها، وهي فاكرة إن ده ثمن وجودها معايا.
قلت لها بسرعة: «مريم، بصيلي. أنا عمري ما هسيبك عشان ما غسلتيش مواعين، أو ما نظفتيش الأرض. إنتِ بنتي، ووجودك في حياتي مش مشروط بأي حاجة».
عينيها اتمليت بالدموع، لكنها حاولت تمنعها من النزول.
قالت: «بس إنت كنت بتقول لماما رانيا إنها اللي بتربيّني طول الأسبوع، وإنك بتشكرها عشان مستحملاك».
الكلام دخل قلبي زي السكينة.
افتكرت مرات كتير كنت برجع فيها من السفر، ألاقي رانيا بتشتكي إن مريم مش بترتب أوضتها، أو إنها محتاجة حد يتابعها طول الوقت.
وكنت برد عليها: «أنا عارف إنك بتتعبي معاها، وشكرًا إنك مستحملاها».
ما كنتش أقصد أبدًا إن بنتي عبء، لكن دلوقتي فهمت إن الكلمات اللي كنت بقولها من غير تفكير ممكن تكون اتنقلت لمريم بشكل مختلف تمامًا.
بصيت لها وقلت: «أنا آسف يا حبيبتي. آسف إني ما سألتكيش، وآسف إني ماخدتش بالي إنك زعلانة».
في اللحظة دي، مريم انفجرت في العياط.
ماكانش عياط دلع، ولا عياط طفلة عايزة حاجة. كان بكاء حد فضل ساكت فترة طويلة، ولما لقى أخيرًا حد بيسمعه، ما قدرش يحبس كل اللي جواه.
حضنتها، وفضلت أربت على ضهرها لحد ما بدأت تهدى.
أما رانيا، فكانت واقفة في مكانها، وملامحها بتتقلب بين الغضب والارتباك.




