
رفعت عيني ليها وقلت: «وده بالضبط سبب إن كان لازم أثق فيها وأسألها، مش إني أسيب كل حاجة من غير ما أراجعها».
الأستاذة نجلاء قربت خطوة وقالت: «يا أستاذ أحمد، أنا مش عايزة أتدخل في حياتكم الخاصة، لكن لازم أقول لك إن مريم اتغيرت جدًا في المدرسة خلال الشهور اللي فاتت».
بصيت لها باهتمام: «اتغيرت إزاي؟»
قالت: «كانت بنت اجتماعية، بتشارك في الأنشطة، وبتلعب رياضة، وبتتكلم مع زميلاتها. لكن مؤخرًا بقت بتعتذر عن أي نشاط بعد انتهاء اليوم الدراسي، وبتستعجل تمشي أول ما الجرس يضرب».
سألتها: «ليه ما اتصلتيش بيا؟»
ردت بحزن: «حاولنا نتواصل مع البيت أكتر من مرة، لكن رانيا كانت بترد أحيانًا وتقول إن مريم مشغولة في البيت، أو إنها محتاجة تتعلم الالتزام. ولما كنا بنسأل مريم، كانت بتقول إن كل حاجة كويسة».
رانيا رفعت صوتها: «يعني إنتوا كلكم متفقين عليّا؟! أنا كنت بحاول أربي بنت، مش أكتر!»
الأستاذة نجلاء ردت بهدوء: «التربية مش معناها إن طفلة تخاف تتكلم، ولا إنها تحس إنها لازم تخدم الكبار عشان تستحق مكانها وسطهم».
ساد الصمت في الصالة.
بعد لحظات، طلبت من الضيوف المغادرة. واحدة منهم اعتذرت لي بهدوء، والتانية قالت إنها ما كانتش تعرف حقيقة الموقف، بينما الأستاذة نجلاء وعدتني إنها هتتابع حالة مريم في المدرسة، لو بنتي وافقت على ده.
بعد ما خرجوا، فضلت أنا ورانيا ومريم في البيت.
قلت لمريم: «حبيبتي، إنتِ ممكن تطلعي أوضتك ترتاحي شوية، وأنا هتكلم مع رانيا».
مسكت إيدي بسرعة وقالت: «هتزعق لها بسببي؟»
السؤال ده وجعني بطريقة ما أقدرش أوصفها.
حتى وهي اللي كانت متأذية، كانت خايفة تكون السبب في مشكلة بين الكبار.
قلت لها: «إنتِ مش مسؤولة عن تصرفات أي حد يا مريم. وأنا مش هسمح إن حد يلومك عشان قلتي الحقيقة».
طلعت أوضتها، وأنا استنيت لحد ما سمعت بابها بيتقفل.
بعدها التفت لرانيا.
كانت قاعدة على طرف الكنبة، وبتحاول تحافظ على هدوئها.
قالت: «أنا مش هقبل إنك تهد كل اللي بنيناه بسبب موقف واحد».
رديت: «المشكلة مش في الموقف اللي شوفته النهارده. المشكلة في كل المواقف اللي ما شفتهاش».
حاولت تبرر: «مريم محتاجة تتعلم المسؤولية. أنا ما كنتش بخليها تعمل حاجة فوق طاقتها».
سألتها: «طيب، ليه قلتي لضيوفك إنها بنت جيرانكم؟»
ما ردتش.
كررت السؤال: «ليه خبيتي عنهم إنها بنت جوزك؟»
قالت بعد تردد: «عشان ما يدخلّوش في تفاصيل حياتنا. مش كل الناس لازم تعرف مشاكلنا العائلية».
قلت: «وأي مشاكل عائلية؟ إن بنت عندها اتناشر سنة بتغسل الأرض بينما أربع ستات قاعدين مستريحين؟»
وقفت بعصبية: «إنت بتصورني كأني وحش! أنا اللي كنت بشيل مسؤولية البيت لما إنت بتسافر. وأنا اللي كنت بتعامل مع كل تفاصيل يومها».
قلت: «لو كنتِ محتاجة مساعدة، كان ممكن تطلبيها مني. لو مريم محتاجة تتعلم مسؤولية، كان ممكن نحدد لها مهام مناسبة لسنها. لكن تخويفها من إنها ممكن تخسر أبوها؟ ده مش تربية».
رانيا سكتت للحظات، وبعدها قالت: «أنا ما قلتلهاش إنها هتخسرك حرفيًا. أنا بس قلتلها إنها لازم تتعلم تحترم قواعد البيت».
سألتها: «وإنتِ شايفة إن احترام قواعد البيت معناه إنها تخاف منك؟»
ما لقيتش إجابة.
في اللحظة دي، عرفت إن الكلام مش هيحل كل حاجة في ليلة واحدة.
قلت لها إني هاخد مريم وأقضي معاها كام يوم عند أمي، لحد ما أفكر بهدوء في الخطوات اللي لازم أعملها. وطلبت منها ما تتواصلش مع بنتي عشان تضغط عليها أو تحاول تغيّر كلامها.
رانيا اتصدمت، لكنها ما حاولتش تمنعني.
طلعت أوضة مريم، لقيتها قاعدة على السرير، ولفائف القرفة اللي جبتها محطوطة جنبها من غير ما تفتحها.
قعدت جنبها وقلت: «إيه رأيك نروح عند تيتة شوية؟»
سألتني: «هترجعني هنا تاني؟»
ما وعدتهاش بوعد مش متأكد منه. مسكت إيديها وقلت: «مش هخليكي ترجعي لمكان إنتِ خايفة فيه. لازم الأول أتأكد إنك هتكوني مرتاحة وآمنة».
هزت راسها ببطء.
لمّينا شوية هدومها، وأخدنا حاجات المدرسة، ونزلنا للعربية.
قبل ما نخرج، بصيت للبيت اللي كنت فاكر إنه مستقر، واكتشفت إني كنت شايف بس الصورة اللي كنت عايز أصدقها.
في الطريق، مريم نامت بعد أقل من نص ساعة، وهي مسنودة على باب العربية.
كنت كل شوية أبصلها في المراية، وأسأل نفسي سؤال واحد:
إزاي قدرت ألاحظ كل مشكلة في شغلي، لكن ما لاحظتش إن بنتي كانت بتخاف تعيش في بيتها؟
لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها، إن اللي حصل في المدخل ما كانش نهاية الحكاية.
لأن في صباح اليوم التالي، وأنا قاعد عند أمي وبحاول أرتب أفكاري، وصلني اتصال من المدرسة.
وكانت الجملة الأولى اللي سمعتها من مديرة المدرسة كفيلة إنها تغيّر كل اللي كنت فاهمه عن الشهور اللي فاتت:
«يا أستاذ أحمد، إحنا محتاجين نقابلك في أقرب وقت… لأن مريم مش أول طفلة اتكلمت عن اللي كان بيحصل في البيت، وفيه تفاصيل لازم تعرفها قبل ما تاخد أي قرار».
### الجزء الأخير: الحقيقة اللي قلبت حياة الجميع
فضلت ماسك الموبايل بعد ما مديرة المدرسة قالت جملتها، وحاسس إن فيه حاجة أكبر بكتير من اللي اكتشفته لسه مستخبية.
سألتها بقلق:
«تقصدّي إيه إن مريم مش أول طفلة اتكلمت عن اللي كان بيحصل في البيت؟ فيه إيه تاني؟»
ردت المديرة بحذر:
«مش مناسب نتكلم في التفاصيل على التليفون يا أستاذ أحمد. من فضلك، تعالى المدرسة النهارده، ولو مريم مرتاحة للكلام، نتمنى تكون معاك».
قفلت المكالمة، وبصيت ناحية الصالة.
كانت أمي بتحضر الفطار، ومريم قاعدة على الكنبة، لابسة بيجامتها، وبتقلب في كراسة المدرسة من غير ما تكتب حاجة.
قربت منها وسألتها:
«حبيبتي، إنتِ تقدري تيجي معايا المدرسة النهارده؟ المديرة عايزة تتكلم معانا شوية».
رفعت عينيها بسرعة، وظهر القلق على وشها.
«هو أنا عملت حاجة غلط يا بابا؟»
حسيت بوجع في قلبي.
حتى بعد ما خرجنا من البيت، وبعد ما أكدت لها إنها مش هتتعاقب على الكلام، لسه مقتنعة إن أي مشكلة بتحصل لازم تكون هي السبب فيها.
قعدت جنبها وقلت:
«لأ يا مريم، إنتِ ما عملتيش أي حاجة غلط. الكبار هما اللي مسؤولين عن تصرفاتهم، وإحنا رايحين المدرسة عشان نفهم اللي حصل ونساعدك».
هزت راسها، وبعد شوية وافقت.
وصلنا المدرسة قبل الظهر. استقبلتنا المديرة، الأستاذة هالة، وطلبت من مريم تقعد في مكتب الإرشاد الطلابي مع الأخصائية الاجتماعية، بشرط إنها تكون مرتاحة وموافقة.
أما أنا، فدخلت مكتب المديرة.
كانت الأستاذة نجلاء موجودة هناك، ومعاها ملف فيه ملاحظات مكتوبة من المدرسة على مدار الشهور اللي فاتت.
قالت المديرة:
«إحنا لاحظنا إن مريم بقت مرهقة، وبتعتذر عن الأنشطة، وأحيانًا بتوصل المدرسة من غير ما تكون خلصت واجباتها. في البداية، اعتقدنا إن الموضوع متعلق بضغط الدراسة».
فتحت الملف وورّتني ملاحظات من مدرسين مختلفين.
واحد كتب إن مريم بقت تنام أحيانًا أثناء الحصة.
ومدرسة تانية لاحظت إنها بتطلب الإذن بالمغادرة بدري كل ما يكون فيه نشاط بعد انتهاء اليوم الدراسي.
أما الأستاذة نجلاء، فقالت إنها سألت مريم أكتر من مرة عن سبب استعجالها، وكانت الإجابة دايمًا واحدة:
«لازم أرجع البيت، عندي حاجات لازم أعملها».
سألت المديرة:
«لكن إنتوا قلتوا إن فيه طفلة تانية اتكلمت عن اللي بيحصل. مين هي؟»
تبادلت المديرة والأستاذة نجلاء النظرات، وبعدها قالت:




