روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

حسيت إن قلبي اتقبض.

«مريم اشتكت قبل كده؟»

ردت المديرة:

«هي ما قدمتش شكوى رسمية. لكنها قالت إنها ساعات بتضطر تخلص شغل البيت قبل ما تقدر تذاكر أو ترتاح، وإنها بتخاف لو اعترضت يحصل خلاف بينك وبين زوجتك، وفي النهاية تضطر تسيب البيت».

غمضت عيني للحظة.

بنتي حاولت تطلب المساعدة، وأنا كنت بعيد عنها، مشغول باجتماعاتي وسفرياتي، ومقتنع إن كل شيء ماشي بشكل طبيعي.

لكن المديرة كملت كلامها، وقالت حاجة ما كنتش أتوقعها.

«فيه طالبة تانية كانت بتزور بيتكم أحيانًا مع والدتها، وحكت للأخصائية إنها شافت مريم وهي بتجهز حاجات للضيوف وبتنضف بعدهم. الطالبة ما كانتش متأكدة من كل التفاصيل، لكنها قالت إن مريم كانت بتبان متوترة جدًا كل ما حد يطلب منها حاجة».

سألتها:

«وليه ما اتصلتوش بيا وقتها؟»

قالت المديرة:

«حاولنا نتواصل مع ولي الأمر أكتر من مرة، لكننا ما كانش عندنا دليل واضح على وجود خطر مباشر، ومريم نفسها كانت بتطلب مننا ما نكبرش الموضوع. إحنا كان لازم نتابع بشكل أفضل، وهنراجع الإجراءات اللي اتخذناها».

ما حاولتش أجادلها.

كنت عارف إن فيه مسؤولية على المدرسة في المتابعة، لكن مسؤوليتي أنا كأب ما كانتش أقل.

بعد الاجتماع، خرجت أدور على مريم.

لقيتها قاعدة مع الأخصائية الاجتماعية، ووشها هادي نسبيًا.

لما شافتني، قامت وسألت:

«هنروح البيت يا بابا؟»

ابتسمت لها وقلت:

«هنروح عند تيتة، وبعدها هنرجع بيتنا لما نرتب كل حاجة».

ما سألتنيش عن رانيا.

لكن وأنا خارج من المدرسة، فهمت إن مريم مش محتاجة مني أحقق في كل تفصيلة قدامها، ولا أطلب منها تحكي كل حاجة مرة واحدة. كانت محتاجة تحس إن فيه حد هيسمعها، وهيصدقها، ومش هيضغط عليها.

### المواجهة الأخيرة

في نفس اليوم، اتصلت برانيا وطلبت منها نتقابل في مكان هادي، من غير وجود مريم.

وافقت، وجت بيت أمي بعد العصر.

أول ما دخلت، قالت:

«أنا مش قادرة أصدق إنك أخدت البنت ومشيت، وإنك خليت المدرسة تدخل بينا. إنت عارف إن الموضوع ممكن يوصل للناس إزاي؟»

بصيت لها بهدوء.

«أنا مش بفكر في الناس. أنا بفكر في بنت عندها اتناشر سنة كانت خايفة تقول لأ، لأنها مقتنعة إنك ممكن تخلي أبوها يبعد عنها».

ردت بسرعة:

«أنا ما كنتش عايزة أبعدها عنك! أنا كنت عايزة البيت يبقى منظم، وكل واحد يعرف حدوده».

قلت:

«تنظيم البيت مش مشكلة. المشكلة إنك استخدمتي خوفي من فشل جوازي عشان تفرضي على مريم إنها تسكت وتنفذ كل حاجة».

رانيا سكتت، وبعدها قالت:

«إنت كمان غلطان يا أحمد. إنت كنت بتسافر طول الأسبوع، وتسيب لي كل المسؤولية. كنت عايزني أتعامل مع بنتك، وأربيها، وأهتم بدراستها، وفي نفس الوقت ما أعترضش على أي حاجة».

كلامها كان فيه جزء من الحقيقة.

أنا فعلًا كنت بسافر كتير، وكنت أعتبر إن وجود رانيا في البيت كفاية عشان أكون مطمئن على بنتي.

قلت لها:

«أنا مش ههرب من مسؤوليتي. أنا قصرت، وده شيء لازم أصلحه. لكن تقصيري ما يديكيش الحق إنك تخوفي مريم أو تحسسيها إنها عبء».

بدأت تعيط، وقالت:

«أنا كنت بحاول أخليها تحبني. كنت عايزاها تعتبرني أمها».

سألتها:

«إزاي كنتِ متوقعة إنها تحبك وإنتِ بتخليها تخاف منك؟»

ما ردتش.

وبعد لحظات، اعترفت إنها كانت بتطلب من مريم تعمل مهام أكتر من اللي اتفقنا عليها في البداية. ومع الوقت، بقت تعتبر وجود الضيوف سببًا كافيًا إن مريم تجهز الصالة، وتقدم المشروبات، وتجمع الأطباق، وتنضف المكان بعد ما يمشوا.

وقالت إنها كانت بتبرر ده لنفسها على إنه تدريب على المسؤولية.

لكن لما سألتها عن تهديد مريم بأنها ممكن تروح تعيش مع أمها، قالت إنها كانت بتقول الكلام ده وقت الخلافات عشان تخليها تلتزم.

بصيت لها وقلت:

«إنتِ كنتِ عارفة إنها خايفة تخسر بيتها، واستخدمتي خوفها عشان تضمني إنها تطيعك».

نزلت رانيا عينيها.

لأول مرة، ما حاولتش تبرر كل حاجة.

لكن الاعتراف وحده ما كانش كفاية عشان أرجع كل شيء زي ما كان.

قلت لها بوضوح:

«مريم هتفضل معايا دلوقتي، ومش هتكون مطالبة تتواصل معاكي أو تقابلك قبل ما تكون مستعدة. وأنا هرتب معاها ومع أمها كل ما يخص حياتها ودراستها. أما علاقتنا إحنا، فلازم نقف عندها ونراجعها بجدية».

رانيا سألتني بصوت مرتعش:

«يعني إنت عايز تطلقني؟»

ما جاوبتش فورًا.

كنت عارف إن قرار زي ده ما ينفعش يتاخد لمجرد الغضب، لكن كنت عارف كمان إن الثقة بينا اتكسرت، وإن حماية بنتي لازم تكون الأولوية.

قلت:

«أنا مش هقدر أكمل حياتي بنفس الطريقة، ولا هقدر أرجعك البيت وكأن اللي حصل مجرد سوء تفاهم. محتاجين ناخد خطوات حقيقية، ولو هنفكر في أي فرصة لإصلاح العلاقة، لازم يكون فيه اعتراف كامل باللي حصل، وحدود واضحة، وتغيير حقيقي. والأهم إن مريم ما تدفعش تمن أي قرار ناخده».

قامت من مكانها، وأخدت شنطتها، ومشيت من غير ما تقول حاجة تانية.

وللمرة الأولى، ما حاولتش ألحقها أو أهدّي الموقف على حساب الحقيقة.

### الرسالة اللي ما كنتش مستعد أسمعها

بعد يومين، اتصلت منى، أم مريم.

كنت أنا اللي طلبت منها المكالمة، وشرحت لها اللي حصل من غير ما أخفي تقصيري أو أحاول أحمل رانيا المسؤولية كلها.

فضلت منى ساكتة فترة طويلة.

وبعدين قالت:

«أنا كنت حاسة إن مريم مش بخير، يا أحمد. كل مرة كنت أكلمها، كانت بتقول إنها كويسة، لكن صوتها كان بيتغير أول ما رانيا تدخل الأوضة».

حسيت بالخجل.

سألتها:

«ليه ما قلتيليش إنك شاكّة في حاجة؟»

ردت:

«قلتلك أكتر من مرة إنها تعبانة، وإنت كنت بتقول إن الدراسة صعبة وإنها محتاجة تتأقلم. أنا ما كنتش عايزة أتهم حد من غير دليل، لكن كان لازم نصرّ على فهم اللي بيحصل».

ما لقيتش حاجة أقولها دفاعًا عن نفسي.

قلت لها:

«إنتِ عندك حق. أنا كنت بسمعك، لكن ما كنتش بدي كلامك الاهتمام اللي يستحقه».

اتفقنا إن مريم تفضل معايا ومع جدتها في الوقت الحالي، وإننا نتابع حالتها النفسية والدراسية، ونخليها تشارك في القرارات اللي تخصها بما يناسب سنها.

كمان اتفقنا إن أي تواصل بينها وبين رانيا يحصل برغبتها، ومن غير ضغط أو وعود تجبرها على المسامحة قبل ما تكون مستعدة.

ما كانتش منى بتحاول تنتصر عليّا، ولا تثبت إنها كانت صح.

كانت بتحاول تساعد بنتها.

وده خلاني أفهم إن الأبوة والأمومة مش منافسة بين طرفين، وإن الطفل مش المفروض يدفع تمن الخلافات بين الكبار.

### بعد مرور ثلاثة شهور

الحياة ما اتغيرتش في يوم وليلة.

في البداية، مريم كانت بتصحى من النوم وتسألني إذا كانت لازم ترتب سريرها قبل ما تنزل تفطر.

وكل ما يقع منها شيء على الأرض، كانت تجري تجيبه بسرعة، وتعتذر أكتر من مرة.

كنت أقول لها:

«يا حبيبتي، عادي. البيت مش لازم يفضل مثالي طول الوقت».

لكنها كانت محتاجة وقت عشان تصدق إن الكلام ده حقيقي.

بدأنا نرجع للحاجات اللي كانت بتحبها.

اشتركت تاني في تدريب كرة القدم، ورجعت تقابل صاحباتها، وبقت تقضي وقت مع جدتها وهي بتساعدها في تحضير الأكل، مش لأنها مجبرة، لكن لأنها بتحب تقعد معاها في المطبخ.

وأنا كمان غيّرت شغلي قدر الإمكان.

طلبت تقليل السفر، ونظمت مواعيدي عشان أكون موجود في البيت أكتر، وبقيت أخصص وقتًا يوميًا أقعد فيه مع مريم من غير موبايل أو مكالمات شغل.

في البداية، كنت بسألها كل يوم إذا كانت سعيدة.

وبعدين فهمت إن السؤال ده نفسه ممكن يتحول لضغط عليها، وإن الأهم إني أكون موجود لما تحتاج تتكلم، وأسمعها من غير ما أستعجل الإجابة.

في المدرسة، بدأت درجاتها تتحسن تدريجيًا، لكن التغيير الأهم كان إنها رجعت تضحك.

وفي إحدى الأمسيات، كنت واقف في المطبخ بحضّر العشا، فدخلت مريم وهي ماسكة طبقين.

قالت:

«يا بابا، أساعدك؟»

ابتسمت وقلت:

«طبعًا، لو حابة. ولو مش حابة، اقعدي وأنا هخلص».

ضحكت وقالت:

«أنا عايزة أساعدك عشان نقعد ناكل سوا أسرع».

الجملة كانت بسيطة، لكنها بالنسبة لي كانت علامة على إن بنتي بدأت تفهم الفرق بين المساعدة اللي بتطلع من الحب، والشغل اللي بيتفرض عليها بالخوف.

حطت الطبقين على الترابيزة، وقعدت جنبي.

وبعد شوية، سألتني:

«بابا، إنت زعلان مني؟»

لفيت ناحيتها باستغراب.

«زعلان منك ليه يا مريم؟»

قالت:

«عشان اللي حصل مع رانيا. يمكن لو كنت سمعت كلامها وعملت اللي هي عايزاه، ما كنتوش اتخانقتوا».

حطيت المعلقة من إيدي، وبصيت لها بجدية.

«اسمعيني يا حبيبتي. المشاكل بين الكبار مسؤولية الكبار. إنتِ مش مسؤولة عن جوازي، ولا عن قراراتي، ولا عن تصرفات أي حد تاني. وإنتِ مش مطالبة تتعبي أو تسكتي عشان تحافظي على وجودك في البيت».

سكتت شوية، وبعدها سألتني:

«يعني أنا مش لازم أعمل حاجة عشان تفضل تحبني؟»

حضنتها وقلت:

«أبدًا. أنا بحبك عشان إنتِ بنتي، مش عشان بتعملي إيه أو ما بتعمليش إيه. وحتى لو غلطتي، هنصلح الغلط سوا. لكن عمرك ما هتحتاجي تكسبي حبي بالشغل أو بالخوف».

حضنتني بقوة، وفضلت ساكتة.

والمرة دي، ما كانتش بتبكي خوفًا من العقاب.

كانت بتبكي لأنها أخيرًا بدأت تصدق إنها مش مضطرة تواجه كل شيء لوحدها.

### القرار اللي اتأخر، لكنه كان لازم يحصل

أما علاقتي برانيا، فمرت بفترة طويلة من المراجعة ومحاولات الكلام.

لكن مع الوقت، اتضح إننا مش قادرين نرجع الثقة اللي اتكسرت بسهولة، وإن المشكلة ما كانتش مجرد خلاف على مهام البيت.

كان فيه تهديدات، وإخفاء للحقيقة، ومحاولة للسيطرة على طفلة من خلال خوفها من فقدان أبيها.

قررت في النهاية أنهي الزواج، وبدأنا إجراءات الانفصال بشكل هادئ وقانوني، من غير ما نحول مريم لطرف في النزاع.

رانيا حاولت تتواصل مع مريم أكتر من مرة، لكني ما ضغطتش على بنتي إنها ترد أو تسامحها.

قلت لها إن من حقها تحس بالغضب أو الحزن، وإنها مش مطالبة تاخد قرارًا سريعًا بشأن علاقتها برانيا.

وبمرور الوقت، وافقت مريم على رسالة قصيرة منها، كانت بتعتذر فيها عن الطريقة اللي عاملتها بيها.

مريم قرأت الرسالة، وبعدها حطت الموبايل على الترابيزة.

سألتها:

«تحبي تردي؟»

قالت:

«مش دلوقتي يا بابا».

قلت لها:

«براحتك يا حبيبتي».

ما حاولتش أقنعها إن الاعتذار لازم يتقابل بالمسامحة، ولا إن التسامح معناه إنها تنسى اللي حصل.

كنت عايزها تعرف إن مشاعرها مهمة، وإنها تقدر تحط حدودًا تحمي بيها نفسها.

وبعد فترة، بدأت تتكلم عن اللي حصل من غير ما تخفض صوتها أو تبص حواليها بخوف.

ما اختفتش كل آثار التجربة، لكن حياتها بدأت ترجع لطبيعتها خطوة بخطوة.

### المفاجأة الأخيرة

بعد حوالي ستة شهور من اليوم اللي رجعت فيه البيت بدري، كان عند مريم نشاط مدرسي بتعرض فيه مشروعًا عن الأسرة والدعم النفسي.

حضرت العرض وأنا قاعد في آخر القاعة، وبشوف بنتي واقفة قدام زملائها بثقة ما شفتهاش فيها من فترة طويلة.

كانت بتتكلم عن أهمية إن كل طفل يكون عنده شخص بالغ يقدر يحكيله من غير خوف، وإن مساعدة الأسرة لازم تكون مناسبة لسن الطفل، ومن غير ما يتحول الحب لمقابل لازم يدفعه.

في نهاية العرض، رفعت عينيها ناحية مكاني، وابتسمت.

بعد ما خلصت، جريت ناحيتي وهي فرحانة.

قالت:

«شوفتني يا بابا؟ ما نسيتش ولا كلمة!»

ضحكت وقلت:

«شوفتك يا بطلة. كنتِ رائعة».

وبعدين مدت إيدها وادتني ورقة صغيرة كانت كاتباها بنفسها.

فتحتها، ولقيت مكتوب فيها:

«إلى بابا…

أنا عارفة إنك مش هتقدر ترجع الأيام اللي فاتت، وإنك ما كنتش شايف كل اللي بيحصل. لكن أكتر حاجة فرقت معايا إنك لما عرفت الحقيقة، سمعتني وما قلتليش إني بألف أو بأبالغ.

أنا لسه بتعلم إزاي أقول لأ من غير ما أخاف، ولسه بتعلم إن مش لازم أكون مثالية عشان الناس تحبني.

شكرًا لأنك رجعت تسمعني.

بحبك».

ما قدرتش أتكلم للحظات.

حضنتها، وقلت لها إن أنا اللي المفروض أشكرها، لأنها ادتني فرصة أصلح جزءًا من اللي قصرت فيه.

وفي طريق العودة، سألتني سؤالًا أخيرًا:

«بابا، لو كنت رجعت متأخر اليوم ده، كنت هتعرف الحقيقة؟»

فضلت ساكتًا للحظات.

وبعدين قلت لها بصدق:

«مش عارف يا مريم. ويمكن كنت هحتاج وقت أطول عشان أفهم. لكن اللي أعرفه دلوقتي إن مفيش حاجة أهم من إني أسمعك وأصدق إن مشاعرك تستحق الاهتمام».

وصلنا البيت، وكانت لفائف القرفة لسه موجودة في ذاكرتي، زي ما كانت في اليوم اللي رجعت فيه مبكرًا.

وقتها كنت فاكر إني راجع بمفاجأة صغيرة أسعد بيها بنتي.

لكن الحقيقة إن المفاجأة الأكبر كانت إني اكتشفت قد إيه كنت غايب عنها، رغم إني كنت موجود في حياتها كل يوم.

ومن يومها، اتعلمت إن الطفل مش لازم يصرخ عشان نسمعه، ولا لازم ينهار عشان نصدقه.

أحيانًا، الخوف بيخلي الطفل هادي زيادة عن اللزوم، ومطيع زيادة عن اللزوم، ومشغول طول الوقت إنه ما يزعّلش حد.

وأحيانًا، جملة بسيطة زي «خلي بالك يا بابا، الأرض مبلولة… أنا خلاص قربت أخلص» بتكون وراها حكاية كاملة، محدش سأل عنها.

أنا ما أنقذتش بنتي في اليوم اللي رجعت فيه بدري؛ أنا بس أخيرًا شفت اللي كان لازم أشوفه من زمان.

ومن يومها، بقيت عارف إن أهم مسؤولية عندي مش إني أوفر لبنتي بيتًا مرتبًا وحياة مستقرة في نظر الناس، لكن إني أوفر لها بيتًا تحس فيه إنها آمنة، وإن صوتها مسموع، وإن حب أبوها مش مكافأة على طاعتها، لكنه حقها اللي عمره ما كان المفروض يكون محل شك.
تمت

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى