روايات وقصص

القصة كاملة

في تلك الليلة، لم أعد إلى المنزل. لم أكن مستعدة لأن أضع تالا في ذلك المكان، ولا لأن أسمح لمازن بأن يراني ضعيفة أمامه. أخذتها إلى شقة والدتي في أحد الأحياء الهادئة في دبي. طوال الطريق، كانت تالا صامتة. كانت لا تزال تمسك بالقلادة الورقية التي صنعتها لوالدها. وعندما وصلنا، وضعتها على الطاولة الصغيرة بجانب حقيبتها. ثم سألتني:

 

“ماما… بابا مش هييجي؟”

جلست بجوارها ومسحت دموعها.

“مش الليلة يا حبيبتي.”

هزت رأسها، لكنها لم تسأل المزيد.

كانت في السادسة من عمرها فقط، لكنها فهمت أن شيئًا سيئًا حدث.

بعد أقل من ساعة، بدأ هاتفي يمتلئ بالمكالمات.

مازن.

مرة.

مرتين.

عشر مرات.

ثم بدأت الرسائل.

“ليان، لازم نتكلم.”

“أنتِ فاهمة الموضوع غلط.”

“ارجعي البيت.”

“متعمليش حاجة تندمي عليها.”

قرأت الرسائل كلها.

ولم أجب.

ثم وصلت رسالة مختلفة.

كانت من ياسين.

“تم التنفيذ.”

نظرت إلى الشاشة طويلًا.

ثم كتب بعدها:

“ثلاث شركات أوقفت عقودها معه.”

“مصرفان أعادا تقييم التسهيلات الائتمانية.”

“مجلس إدارة إحدى الشركات طلب اجتماعًا طارئًا.”

“والأهم… بدأت الأسئلة تظهر حول كيفية حصوله على بعض العقود.”

أغلقت الهاتف.

لم أكن أريد تدمير حياة مازن لمجرد الانتقام.

كنت أريد فقط أن يتوقف عن الاستفادة من الأشياء التي لم يبنها بنفسه.

في صباح اليوم التالي، استيقظت تالا مبكرًا.

وجدتها جالسة أمام الطاولة، تنظر إلى القلادة الورقية.

قالت:

“ماما، ممكن نرميها؟”

اقتربت منها.

“ليه؟”

قالت بصوت منخفض:

“عشان بابا مش هيلبسها.”

جلست بجانبها.

أخذت القلادة ووضعتها حول عنقها.

ابتسمت.

“دي مش معمولة عشان بابا.”

نظرت إليّ باستغراب.

قلت:

“دي معمولة من قلبك.”

ابتسمت لأول مرة منذ الليلة السابقة.

في الوقت نفسه، كان مازن يعيش أسوأ صباح في حياته.

بدأت الأخبار تنتشر داخل شركته.

أحد أكبر العملاء ألغى عقدًا قيمته ملايين.

ثم أرسلت شركة أخرى خطابًا رسميًا بتعليق التعاون معه حتى إشعار آخر.

ثم تلقى اتصالًا من البنك.

كان هناك اجتماع عاجل لمجلس الإدارة.

جلس مازن في مكتبه، يحدق في شاشة هاتفه.

لم يفهم ما الذي يحدث.

ثم دخلت ريم.

لكن المرأة التي رأيتها الليلة الماضية لم تعد موجودة.

كانت شاحبة.

ومتوترة.

قال لها:

“ريم، اقفلي الباب.”

أغلقت الباب.

سألها:

“إيه اللي بيحصل؟”

قالت:

“مش عارفة.”

صرخ:

“إزاي مش عارفة؟!”

وضعت ملفًا على مكتبه.

“وصلتني إشعارات بإلغاء عدد من الاتفاقيات.”

نظر إليها.

“مين اللي ورا ده؟”

ترددت.

ثم قالت:

“عائلتك؟”

ضحك بسخرية.

“عائلتي؟”

ثم سكت.

شيء ما بدأ يتشكل في ذهنه.

قال:

“ليان.”

ريم لم تجب.

اقترب منها.

“هي اللي عملت كده؟”

قالت:

“لا أعرف.”

ثم أضافت:

“لكن بعد أن غادرت، كل شيء بدأ يحدث.”

جلس مازن ببطء.

ولأول مرة منذ سنوات، شعر بالخوف الحقيقي.

أخرج هاتفه واتصل بي.

هذه المرة أجبت.

قال بسرعة:

“ليان، اسمعيني.”

كنت هادئة.

“أنا بسمعك.”

قال:

“اللي حصل امبارح مش زي ما أنتِ فاهمة.”

أجبته:

“أنا شفت بعيني.”

“زوجتك وابنك كانوا فوق.”

صمت.

ثم قال:

“الموضوع معقد.”

ضحكت بهدوء.

“معقد؟”

“أنا زوجتك يا مازن.”

“وكان عندك زوجة أخرى وابن آخر يعيشون في الطابق العلوي.”

بدأ صوته يرتفع.

“أنا كنت هقولك!”

قلت:

“متى؟”

لم يجب.

“بعد سنة؟”

“بعد سنتين؟”

“ولا بعد ما كنت هتخلص كل اللي محتاجه مني؟”

قال بسرعة:

“أنا بحبك.”

أغمضت عيني.

كانت تلك الجملة هي أكثر شيء آلمني.

ليس لأنه قالها.

بل لأنه صدق أنه يستطيع قولها بعد كل ما فعل.

قلت:

“لو كنت بتحبني، كنت هتحترمني.”

ثم أغلقت الهاتف.

بعد دقائق، أرسل لي صورة.

كانت صورة قديمة تجمعني به.

ثم كتب:

“فاكرة كل اللي بينا؟”

لم أرد.

ثم وصلت رسالة أخرى.

“أنا مش عايز أخسرك.”

وضعت الهاتف جانبًا.

لكن بعد أقل من ساعة، اتصل ياسين.

قال:

“ليان، في شيء لازم تعرفيه.”

سألته:

“إيه؟”

قال:

“المرأة اللي كانت فوق مش مجرد علاقة سرية.”

توقفت.

“يعني إيه؟”

قال:

“ابحثنا عنها.”

ثم أضاف:

“اسمها نورا الشامي.”

شعرت بشيء غريب في صدري.

سألته:

“وابنه؟”

أجاب:

“اسمه كريم.”

صمت لحظة.

ثم قال:

“لكن في شيء أخطر.”

قلت:

“إيه؟”

قال:

“مازن كان يحوّل أموالًا من إحدى شركاته إلى حسابات مرتبطة بنورا منذ أكثر من ثلاث سنوات.”

شعرت أن الدم تجمد في عروقي.

“قد إيه؟”

قال ياسين:

“مبلغ كبير جدًا.”

ثم أضاف:

“والأغرب أن بعض الأموال جاءت من حسابات مرتبطة بعقود حصل عليها بعد تدخل أشخاص من عائلتنا.”

لم أتكلم.

فهم ياسين ما كنت أفكر فيه.

قال:

“ليان… أعتقد أن مازن لم يتزوجك فقط بسببك.”

أغلقت عيني.

لأول مرة، بدأت أشك أن الخيانة التي اكتشفتها في تلك القاعة لم تكن سوى جزء صغير من الحقيقة.

قلت:

“عايز كل شيء.”

أجاب:

“هتوصلك الملفات خلال ساعة.”

وضعت الهاتف على الطاولة.

نظرت إلى تالا، التي كانت تلعب بهدوء في الغرفة الأخرى.

وفي تلك اللحظة، اتخذت قرارًا.

لن أواجه مازن بالغضب.

ولن أصرخ.

ولن أبكي أمامه.

سأجعله يرى الحقيقة كاملة.

وفي اليوم التالي…

وصل الملف.

وما وجدته داخله جعلني أدرك أن زواجي من مازن ربما كان مبنيًا على كذبة أكبر بكثير مما تخيلت.

يتبع…

فتحت الملف ببطء.

كان يحتوي على عشرات الصفحات.

تحويلات مالية.

عقود.

مراسلات.

أسماء شركات.

وتواريخ تمتد لسنوات.

بدأت أقرأ.

في البداية، كانت الأمور تبدو كأنها مجرد عمليات مالية مشبوهة.

لكن كلما تعمقت، بدأت الصورة تتضح.

مازن لم يكن ينفق أمواله على نورا فقط.

كان يستخدم بعض الشركات الوسيطة لتحويل مبالغ ضخمة إلى حسابات خارجية، ثم يعيد إدخال جزء منها في شركات مرتبطة به.

والأخطر أن بعض العقود التي حصل عليها كانت مرتبطة بتوصيات ومقدمات قدمتها عائلتي له دون أن أعرف.

شعرت بالغثيان.

كنت أعتقد أن عائلتي ساعدته لأنه زوجي.

لكنه استغل تلك المساعدة لبناء شبكة مالية خاصة به.

اتصلت بي والدتي.

قالت:

“ليان، لازم ترجعي البيت.”

قلت:

“مش هرجع.”

صمتت لحظة.

ثم سألت:

“متأكدة؟”

قلت:

“أيوه.”

“لازم أحمي تالا.”

قالت:

“وأنتِ كمان لازم تحمي نفسك.”

في تلك اللحظة، سمعت صوت طرق على الباب.

توقفت.

نظرت إلى أمي.

ثم اتجهت نحو الباب.

كان هناك رجل يقف في الخارج.

لم أكن أعرفه.

قال:

“السيدة ليان المنصوري؟”

قلت:

“نعم.”

أخرج بطاقة تعريف.

“أنا محامي يمثل أحد أعضاء مجلس إدارة شركة زوجك.”

نظرت إليه بحذر.

قال:

“نحتاج إلى التحدث معك.”

سألته:

“عن ماذا؟”

قال:

“عن شيء يتعلق بمازن.”

سمحت له بالدخول.

جلس ووضع حقيبة سوداء على الطاولة.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى