
الجزء الثاني — السر الذي أخفاه أحمد
في مساء اليوم نفسه، كنت أجلس مع خالد والأستاذة نجلاء في غرفة المعيشة.
كان جهاز الكمبيوتر أمامنا، وعلى الشاشة تسجيلات كاميرات المقابر.
قال خالد:
— مريم، لازم نشوف التسجيل كامل من البداية. مش بس اللحظة اللي أحمد نقل فيها مكان والدتك.
هززت رأسي.
بدأت نجلاء تشغيل التسجيل.
ظهر أحمد وهو يدخل المقابر برفقة سارة.
كانت تبكي بشدة، وكان يحاول تهدئتها.
ثم دخلا مكتب الإدارة.
توقف التسجيل للحظات بسبب انتقال الكاميرا إلى زاوية أخرى.
وبعد دقائق ظهر أحمد مرة أخرى، لكنه هذه المرة لم يكن يتحدث مع سارة.
كان يتحدث مع مدير المقابر.
قال خالد:
— وقّف هنا.
توقفت الصورة.
ثم كبّرنا الشاشة.
كان أحمد يخرج ظرفًا من حقيبته ويسلمه للمدير.
نظرت إلى خالد.
— إيه ده؟
قالت نجلاء بهدوء:
— لازم نعرف محتوى الظرف قبل ما نستنتج أي شيء.
تابعنا التسجيل.
بعد دقائق، ظهر أحمد وهو يوقع مجموعة من الأوراق.
ثم صافح المدير وغادر.
لكن المفاجأة الحقيقية ظهرت بعد خروجه.
سارة لم تغادر معه.
بقيت وحدها في المكتب.
وبعد حوالي عشرين دقيقة، دخل رجل آخر.
كان يرتدي ملابس عادية ويحمل حقيبة صغيرة.
لم نعرفه.
قال خالد:
— مين ده؟
أجابت نجلاء:
— لازم نعرف.
تابعنا التسجيل حتى النهاية.
بعد دقائق، خرج الرجل من المكتب وهو يحمل ملفًا.
ثم اتجه نحو سيارة سارة.
ركب معها وانطلقا.
نظرت إلى خالد.
— إيه اللي بيحصل؟
لم يجب.
قالت نجلاء:
— فيه شيء أحمد مخبيه عنك، وواضح إن الموضوع أكبر من مجرد مساعدة لصديقته.
شعرت ببرودة في يدي.
في تلك اللحظة، رن هاتف خالد.
نظر إلى الشاشة.
ثم قال:
— ده مدير المقابر.
فتح مكبر الصوت.
جاء صوت الرجل متوترًا:
— أستاذ خالد، أنا محتاج أقابل حضرتكم ضروري.
قال خالد:
— بخصوص إيه؟
تردد الرجل.
ثم قال:
— بخصوص الأوراق اللي قدمها زوج أختك.
نظرت إلى نجلاء.
قالت:
— خليه يتكلم.
تابع الرجل:
— أحمد لم يقدم فقط طلب نقل مكان والدتك.
تجمدت.
— يعني إيه؟
— قدم أيضًا مستندات تثبت، حسب كلامه، أنه صاحب الحق في اتخاذ القرار بشأن مكان الدفن.
قلت:
— لكنه مش صاحب المكان!
— عارف.
ثم أضاف:
— وعشان كده بدأت أشك إن المستندات فيها مشكلة.
سأل خالد:
— هل ما زالت عندك نسخة منها؟
— نعم.
— احتفظ بها ولا تسلمها لأي شخص.
أنهى خالد المكالمة.
ظل الصمت يسيطر على الغرفة.
ثم قالت نجلاء:
— مريم، هل لديكِ أي أوراق تثبت ملكيتك لمكان والدتك؟
أجبت:
— طبعًا.
ذهبت إلى غرفتي وأحضرت ملفًا قديمًا.
وضعت الأوراق أمامها.
بدأت نجلاء تراجعها ورقة وراء أخرى.
وفجأة توقفت.
رفعت رأسها وقالت:
— هنا المشكلة.
— إيه؟
أشارت إلى إحدى الأوراق.
— هذا التوقيع ليس توقيعك.
شعرت بأن الدم تجمد في عروقي.
— ماذا؟
— هذه الورقة تقول إنك وافقتِ على نقل مكان والدتك.
أمسكت الورقة بيدي.
كان هناك اسم يشبه اسمي.
لكن التوقيع لم يكن توقيعي.
قلت:
— أنا لم أوقع على أي شيء.
نظر خالد إليّ.
— هل أنتِ متأكدة؟
صرخت:
— طبعًا متأكدة!
قالت نجلاء:
— إذن الموضوع لم يعد مجرد تصرف سيئ من زوجك. هناك مستند تم استخدامه لإتمام عملية نقل المكان.
جلست على الأريكة.
بدأت أتذكر كل شيء.
الأيام الأخيرة.
تصرفات أحمد الغريبة.
أسئلته المتكررة عن أوراق أمي.
طلبه مني قبل شهر أن أعطيه صورة من بطاقتي الشخصية بحجة إنهاء بعض الإجراءات الخاصة بالتأمين.
نظرت إلى خالد.
— أنا أعطيته صورة بطاقتي منذ فترة.
لم يقل خالد شيئًا.
أما نجلاء فقالت:
— هذا مهم جدًا.
ثم أضافت:
— لكن ما زال عندنا سؤال أكبر.
— إيه؟
وضعت الورقة على الطاولة.
— لماذا يحتاج أحمد إلى تزوير توقيعك حتى ينقل مكان والدتك؟
لم أجد إجابة.
حتى ظهر شيء آخر.
اتصل مدير المقابر مرة ثانية.
قال:
— نسيت أقول لكم حاجة.
قال خالد:
— قول.
— قبل أن يصل أحمد بأيام، جاء شخص وسأل عن مكان والدتك.
سألت بسرعة:
— مين؟
— رجل اسمه حسام.
تبادلت النظرات مع خالد ونجلاء.
قلت:
— أنا لا أعرف أي شخص بهذا الاسم.
قال الرجل:
— لكنه كان يعرف تفاصيل دقيقة جدًا عن والدتك.
ثم أضاف جملة جعلت قلبي يتوقف:
— كان يعرف أيضًا أن هناك شيئًا مخبأ داخل المكان الذي دُفنت فيه.
سألت:
— شيء إيه؟
قال:
— لم أعرف.
ثم ساد الصمت.
أغلقت المكالمة.
كنت أحاول استيعاب كل ما يحدث.
أحمد نقل مكان أمي.
استخدم ورقة تحمل توقيعًا مزورًا.
سارة كانت موجودة.
ورجل غريب كان يبحث عن شيء في مكان دفن أمي.
لكن لماذا؟
وقبل أن نصل إلى أي إجابة، سمعنا صوت مفتاح يدور في باب المنزل.
عاد أحمد.
دخل وهو يبتسم، ثم توقف عندما رأى خالد ونجلاء جالسين في غرفة المعيشة.
تغير وجهه فورًا.
قال:
— خالد؟ إنت هنا ليه؟
أجابه خالد بهدوء:
— جاي أزور أختي.
نظر أحمد إليّ.
ثم إلى الأوراق الموجودة على الطاولة.
وسأله:
— إيه الأوراق دي؟
لم أجب.
اقترب خطوة.
فقالت نجلاء:
— مجرد بعض المستندات.
حدق فيها للحظات.
ثم ابتسم ابتسامة مصطنعة.
— تمام.
دخل غرفته.
لكن قبل أن يغلق الباب، سمعته يتحدث في الهاتف.
لم أكن أقصد التجسس.
لكن صوته وصل إلينا بوضوح.
قال:
— هي عرفت.
توقفت أنفاسي.
ثم قال:
— لا، لسه ما تعرفش كل حاجة.
صمت للحظة.
ثم أضاف:
— لازم نتصرف قبل ما خالد يعرف الحقيقة.
نظرنا جميعًا إلى بعضنا.
ثم أغلق أحمد باب الغرفة.
قال خالد بصوت منخفض:
— مريم…
قلت:
— سمعت.
قالت نجلاء:
— من اللحظة دي، ما تواجههوش لوحدك.
ثم أخرج خالد هاتفه.
— أنا هجيب لكِ حاجة لازم تشوفيها.
وبعد دقائق، فتح أمامي صورة من كاميرا أخرى.
صورة التقطت قبل يومين من وفاة والدتي.
وفي الخلفية ظهر أحمد.
لكن الشخص الذي كان يقف بجواره جعلني عاجزة عن الكلام.
لأنني كنت أعرفه جيدًا.
كان والدي الذي توفي قبل سنوات.
كيف ظهر في الصورة؟
وهل كانت الصورة فعلًا من ذلك اليوم؟
أم أن هناك سرًا آخر أخفاه أحمد عني طوال سنوات زواجنا؟
يتبع…
الجزء الثالث — الصورة التي قلبت كل شيء
حدقتُ في الصورة طويلًا، ثم قلت بصوت مرتجف:
— ده مستحيل…




