
الجزء الثاني والاخير الجزء الثاني فضلت باصص للكابتن ومش قادر أتكلم. صوته لما نطق اسمي رجّعني سنين طويلة في لحظة واحدة. سنين كنت عامل المستحيل عشان أنساها. الكابتن قرب مني خطوة. وبص ناحية موظف البوابة، وبعدين ناحية رجل الأعمال. وقال: “ممكن أعرف مين اللي طلب من السيد نادر وبنته يسيبوا مقاعدهم؟”
موظف البوابة حاول يتماسك.
“يا كابتن، حصل مجرد تغيير في توزيع المقاعد بسبب مسافر مهم وصل متأخر.”
الكابتن رفع حاجبه.
“مسافر مهم؟”
سكت الموظف.
الكابتن أشار لتذكرة رجل الأعمال.
“يعني حضرتك نقلت راكب دفع ثمن مقعده عشان شخص وصل متأخر؟”
الرجل اللي لابس البدلة تدخل بسرعة.
“أنا مستعد أدفع فرق السعر.”
الكابتن بصله بهدوء.
“الموضوع مش فلوس.”
وبعدين رجع بصلي.
“حضرتك كنت في الوحدة 17؟”
قلبي دق بعنف.
ما رديتش.
ليلى كانت لسه ماسكة إيدي، ومش فاهمة ليه كل الناس بقت بتبص علينا.
قلت بهدوء:
“الكابتن… خلينا نتكلم بعدين.”
لكنه هز رأسه.
“لازم أتكلم دلوقتي.”
صوته كان مختلف.
صوت واحد مش بيسأل لمجرد الفضول.
صوت شخص بيحاول يتأكد من حاجة ظل يبحث عنها لسنين.
“كنت في مهمة جنوب الحدود سنة 2018؟”
سكت.
الماضي اللي دفنته رجع يفتح بابه.
الليل.
التراب.
صوت الانفجارات.
صرخات زملائي.
واللحظة اللي فقدت فيها ساقي.
كل ده مر قدام عيني في ثواني.
قلت:
“أيوه.”
الكابتن أخذ نفسًا عميقًا.
“كنت عارف.”
وبص لبطاقة الخدمة الموجودة في إيدي.
“أنا شفت اسمك قبل كده.”
قلت له:
“إحنا اتقابلنا؟”
ابتسم ابتسامة حزينة.
“مش بالطريقة اللي تتخيلها.”
سألته:
“يعني إيه؟”
بص ناحية ليلى.
وبعدين نزل لمستواها وقال:
“إنتِ ليلى؟”
البنت بصتلي الأول.
وبعدين هزت رأسها.
“أيوه.”
الكابتن ابتسم.
“أبوك كان بيتكلم عنك كتير.”
اتسمرت مكاني.
قلت:
“إنت تعرف بنتي؟”
هز رأسه.
“مش شخصيًا.”
ثم سكت لحظة.
“لكن والدتك كانت مذكورة في ملف قديم.”
أول ما سمعت اسم والدتها، حسيت إن الدنيا ضاقت حواليا.
قلت:
“ريم؟”
الكابتن بصلي.
“أيوه.”
ليلى شدّت على إيدي.
“بابا… هو يعرف ماما؟”
ماعرفتش أرد.
الكابتن نظر حوله.
ثم قال:
“مش هنا.”
أشار ناحية مقدمة الطائرة.
“تعالى معايا دقيقة.”
موظف البوابة حاول يتدخل.
“يا كابتن، الرحلة قربت تقلع.”
الكابتن رد بدون ما يبصله:
“الرحلة مش هتتحرك قبل ما أتأكد إن الأمور كلها اتظبطت.”
ثم أشار إلى مقاعد الدرجة الأولى.
“السيد نادر وبنته هيفضلوا هنا.”
رجل الأعمال اتنحنح بغضب.
“أنا مش فاهم ليه كل ده.”
الكابتن التفت إليه.
“وأنا مش فاهم إزاي قدرت تطلب مقعد راكب تاني لمجرد إنك وصلت متأخر.”
الرجل سكت.
الكابتن أشار لموظف البوابة.
“حل الموضوع.”
وبالفعل، بعد دقائق، تم توفير مقعد آخر لرجل الأعمال.
لكن قبل ما يمشي، بصلي بنظرة غاضبة.
وقال:
“واضح إنك محظوظ.”
ما رديتش.
لأني كنت مشغول بحاجة أكبر بكتير من موضوع المقعد.
كنت مشغول بالسؤال اللي الكابتن فتحه:
إيه علاقة ريم بملف عسكري قديم؟
دخلت معاه ناحية قمرة القيادة، وليلى فضلت قاعدة في مكانها مع مضيفة الطائرة.
الكابتن قفل الباب.
وبعدين مد إيده لجيب زيه.
طلع منه صورة قديمة.
حطها قدامي.
أول ما شفتها، الدم اتجمد في عروقي.
كانت صورة لفريق عسكري قديم.
أنا كنت واقف في الصف الخلفي.
لكن اللي صعقني مش صورتي.
كان الشخص الواقف بجانبي.
كان واحد من أقرب الناس ليا في الخدمة.
العقيد سامر فؤاد.
الرجل اللي مات في نفس المهمة اللي فقدت فيها ساقي.
قلت بصوت متقطع:
“إنت جبت الصورة دي منين؟”
الكابتن قال:
“من ملف تم تسليمه لي قبل سبع سنين.”
“مين سلمهولك؟”
سكت.
ثم قال:
“سامر.”
ضحكت من شدة الصدمة.
“سامر مات.”
“عارف.”
“يبقى إزاي؟”
الكابتن حط إيده على كتفي.
“لأن اللي حصل في الليلة دي… مش كل الحقيقة.”
سكتُّ.
الكابتن فتح درجًا صغيرًا.
طلع منه ظرف بني قديم.
كان عليه اسمي بخط اليد.
حسام نادر.
أنا عرفت الخط فورًا.
خط سامر.
مديت إيدي ناحية الظرف.
لكن قبل ما ألمسه، الكابتن قال:
“أنا فضلت محتفظ بيه سنين.”
“ليه؟”
“لأن التعليمات كانت واضحة.”
فتحت الظرف.
جواه ورقة واحدة.
كانت قصيرة جدًا.
ثلاث جمل فقط.
قرأتها مرة.
وبعدين مرة تانية.
وفي المرة الثالثة، بدأت إيدي ترتعش.
لأن آخر جملة كانت:
“لو وصلت الورقة دي لحسام، يبقى ريم لازم تعرف الحقيقة.”
رفعت عيني للكابتن.
“ريم؟”
هز رأسه.
“أيوه.”
قلت:
“ريم ماتت من سنتين.”
الكابتن سكت.
وبعدين قال:
“أنا آسف.”
لكن قبل ما أكمل، سمعنا صوت طرق على باب قمرة القيادة.
كانت ليلى.
دخلت وهي ماسكة دبدوبها.
وقالت:
“بابا… المضيفة قالت إن الكابتن عايز يكلمك، بس أنا عايزة أعرف… هو كان يعرف ماما؟”
بصيت للكابتن.
وهو بصلي.
ثم قال:
“لازم تعرف الحقيقة يا حسام.”
سألته:
“أي حقيقة؟”
فتح الظرف مرة ثانية.
وأخرج صورة صغيرة كانت مخبأة في آخره.
مدها لي.
أول ما شفت الصورة…
عرفت إن الرحلة دي ماكانتش صدفة.
الصورة كانت لريم.
لكنها لم تكن وحدها.
كانت واقفة بجانب رجل لم أره في حياتي.
وخلفهما مبنى عسكري قديم.
والأخطر من كل ده…
كان التاريخ المكتوب خلف الصورة:
بعد وفاة سامر بثلاثة أشهر.
رفعت عيني للكابتن وأنا مش قادر أتنفس.
“ريم كانت فين بعد موت سامر؟”
الكابتن لم يجب.
فقط قال جملة واحدة:
“السؤال الحقيقي مش كانت فين.”
سكت لحظة.
ثم نظر إلى ليلى.
“السؤال الحقيقي… هو مين كان بيحميها؟”
وفي اللحظة نفسها، سمعنا صوتًا من داخل الطائرة.
صرخة قصيرة.
ثم صوت سقوط شيء على الأرض.
خرجت من قمرة القيادة بسرعة.
ولما وصلت لمقعدي، لقيت شنطتي مفتوحة.
والعلبة الصغيرة اللي كنت حاطط فيها رماد ريم…
اختفت.
الجزء الثالث
وقفت مكاني للحظات وأنا مش مستوعب اللي شايفه.
الشنطة كانت مفتوحة.
والعلبة الصغيرة اختفت.
العلبة اللي قضيت أسبوع كامل وأنا بجهزها بعناية.
العلبة اللي كان جواها رماد ريم.
بصيت لليلى.
كانت واقفة جنب المضيفة، وشكلها مرعوب.
جريت ناحية شنطتي.
“مين فتح الشنطة؟”
المضيفة قالت بسرعة:
“والله يا فندم، أنا سمعت صوت حاجة وقعت، ولما بصيت لقيتها مفتوحة.”
نزلت على ركبتي بصعوبة.
فتشت جوه الشنطة.
ملابس ليلى.




