
زجاجة المية.
الأدوية.
لكن العلبة مش موجودة.
حسيت إن نفسي اتقطع.
دي مش مجرد علبة.
دي آخر حاجة مادية كانت فاضلة لي من ريم.
بعد موتها، فضلت محتفظ بيها سنتين.
وكنت وعدتها إني هاخدها معايا للبحر.
قلت بصوت عالي:
“محدش يخرج من الطيارة.”
الكابتن كان واقف خلفي.
سألني:
“العلبة كان عليها اسم؟”
“لا.”
“شكلها؟”
وصفتها له.
الكابتن التفت للمضيفة.
“اقفلي أبواب الطائرة.”
ثم قال:
“واتصلي بالأمن.”
رجل الأعمال اللي كان سبب كل المشكلة وقف من مكانه.
وقال بعصبية:
“إيه اللي بيحصل هنا؟ أنا عندي اجتماع مهم.”
الكابتن تجاهله تمامًا.
ثم نظر إلي.
“إنت متأكد إن العلبة كانت في الشنطة؟”
“أنا حطيتها بنفسي.”
سكت.
ثم افتكرت حاجة.
الظرف.
الورقة.
الصورة.
وقتها فهمت.
العلبة ما اختفتش بالصدفة.
الشخص اللي أخذها كان بيدور على حاجة.
لكن إيه؟
رجعت بسرعة لقمرة القيادة.
أشرت للكابتن.
“الصورة.”
قال:
“إيه؟”
“الصورة اللي في الظرف.”
مد إيده للجيب.
لكن الصورة ما كانتش موجودة.
فتشنا المكان.
لا صورة.
ولا الظرف.
اتجمدنا.
الكابتن قال:
“حد دخل هنا.”
قلت:
“إمتى؟”
“وأنا كنت معاك في المقصورة.”
بصينا لبعض.
وبعدين بصينا ناحية الباب.
كان مفتوحًا.
فجأة، سمعنا صوت المضيفة:
“يا كابتن!”
خرجنا بسرعة.
كانت واقفة عند آخر الطائرة.
وقالت:
“لقيت دي في الحمام.”
مدت إيدها.
وكان فيها جزء صغير من ورقة ممزقة.
أخدتها منها.
كان عليها رقم.
وتحت الرقم كلمة واحدة:
“الملف.”
رفعت عيني للكابتن.
قال:
“إحنا لازم نعرف مين كان بيدور على الملف.”
لكن قبل ما نعمل أي حاجة، واحد من الركاب قام من مكانه.
كان رجل في الخمسينات.
لابس جاكت رمادي وقبعة سوداء.
قال بهدوء:
“أنا أعرف.”
الكل بصله.
الكابتن سأله:
“تعرف إيه؟”
الرجل أخرج بطاقة من جيبه.
لكن بدل ما يوريها للكابتن، مدها لي أنا.
أخدتها.
أول ما قرأت الاسم، حسيت إن رجلي السليمة نفسها مش قادرة تشيلني.
كان الاسم:
سامر فؤاد.
بصيت للرجل.
“إنت مين؟”
قال:
“كنت زميله.”
قلت:
“سامر مات.”
رد:
“أيوه.”
ثم قرب مني وقال بصوت منخفض:
“لكن قبل ما يموت… طلب مني أراقبك.”
حسيت بصداع شديد.
“تراقبني ليه؟”
بص ناحية ليلى.
ثم قال:
“عشان يحمي بنتك.”
قلبي وقع.
“من مين؟”
الرجل لم يجب.
في نفس اللحظة، سمعنا صوت ارتطام قوي من ناحية الباب الخلفي للطائرة.
المضيفة صرخت.
والركاب بدأوا يوتروا.
الكابتن طلب من الجميع البقاء في أماكنهم.
لكن الرجل صاحب القبعة قال:
“بدأوا يتحركوا.”
سألته:
“مين؟”
قال:
“الناس اللي كانوا مستنيين الرحلة دي.”
الكابتن اقترب منه.
“إنت بتتكلم عن إيه؟”
الرجل أخرج هاتفًا قديمًا.
فتح صورة.
ثم ناول الهاتف للكابتن.
بعد ثوانٍ، تغير وجه الكابتن.
سألته:
“الصورة دي اتصورت إمتى؟”
قال:
“من تلات ساعات.”
بصيت للشاشة.
كانت صورة لمطارنا.
لكن الشخص اللي واقف في الصورة…
كان رجلًا أعرفه.
رجلًا كنت أعتقد إنه مات منذ سنوات.
شعرت إن الدنيا بتلف بيا.
قلت:
“مستحيل.”
الرجل بصلي.
“أنت تعرفه؟”
هززت رأسي.
“ده كان مسؤولنا.”
الكابتن قال:
“إنت متأكد؟”
قلت:
“أيوه.”
ثم قربت الصورة من عيني.
وفي الخلفية، كان فيه شخص آخر.
امرأة.
وشكلها كان مألوفًا جدًا.
قلت بصوت مرتعش:
“كبّر الصورة.”
الكابتن كبّرها.
ظهرت ملامح المرأة بوضوح.
وقتها نسيت كل حاجة.
نسيت الطائرة.
والركاب.
وحتى ألمي.
لأن المرأة الموجودة في الصورة…
كانت تشبه ريم بشكل مخيف.
لكنها لم تكن ريم.
كانت امرأة أخرى.
والرجل صاحب القبعة قال جملة جعلت قلبي يتوقف:
“دي أخت ريم.”
قلت:
“ريم ماكانش ليها أخت.”
ابتسم ابتسامة حزينة.
“دي بالضبط المشكلة.”
ثم أضاف:
“لأن ريم نفسها كانت مخبية الحقيقة دي عنك.”
قبل ما أقدر أتكلم، وصلنا صوت من مكبر الصوت.
كان صوت رجل مجهول.
“يا حسام نادر… لو عايز تعرف مين قتل الحقيقة اللي عشت طول السنتين دول مصدقها… افتح الخزانة اللي فوق مقعدك.”
كل الركاب سكتوا.
بصيت فوق رأسي.
إيدي كانت بتترعش.
فتحت الخزانة ببطء.
كان فيها شنطة صغيرة سوداء.
مش بتاعتي.
سحبتها.
فتحتها.
جواها كان فيه هاتف قديم، ومفتاح، وملف صغير.
وفوق الملف ورقة مكتوب عليها:
“إلى حسام… لو وصلت لحد هنا، يبقى أنا فشلت في حمايتكم.”
وكان التوقيع…
ريم.
رفعت عيني للكابتن.
وماحدش في الطائرة قال كلمة.
لأن السؤال اللي كان في دماغي وقتها ماكانش:
إزاي ريم كتبت الرسالة؟
السؤال كان أخطر:
إمتى كتبتها؟
لأن التاريخ الموجود أسفل توقيعها…
كان بعد تاريخ وفاتها بسنة كاملة.
الجزء الرابع
فضلت ماسك الورقة ومش قادر أرفع عيني عنها.
التاريخ المكتوب تحت توقيع ريم كان واضحًا جدًا.
17 أكتوبر 2025.
وقفت أحسب في دماغي.
ريم ماتت في ديسمبر 2024.
يعني الرسالة اتكتبت بعد وفاتها بحوالي عشرة شهور.
قلت بصوت متقطع:
“ده مستحيل.”
الكابتن قرب مني.
أخذ الورقة وقرأها.
الرجل صاحب القبعة كان واقف بعيد، ووشه مفيهوش أي تعبير.
قلت له:
“إنت كنت تعرف؟”
رد:
“كنت مستني اليوم اللي هتشوف فيه الرسالة.”
“مين كتبها؟”
“ريم.”
صرخت:
“ريم ماتت!”
الرجل هز رأسه.
“أنا عارف.”
“يبقى إزاي؟”
قال:
“لأن اللي أنت فاكره عن موتها… مش القصة كاملة.”
حسيت إن الدم انسحب من وشي.
ليلى كانت قاعدة على المقعد ومش فاهمة حاجة.
قربت منها وقلت:
“خليكي جنب المضيفة يا حبيبتي.”
لكنها مسكت إيدي.
“بابا… ماما عايشة؟”
ماعرفتش أجاوب.
السؤال نفسه كان أكبر من قدرتي على الكلام.
فتحت الملف.
كان جواه عدد من الأوراق، وصورة، وفلاشة صغيرة.
أول ورقة كانت تقريرًا طبيًا.
اسم المريضة:
ريم نادر.
تاريخ الدخول للمستشفى كان قبل تاريخ وفاتها بأيام.
لكن المدهش إن التقرير ماكانش مكتوب فيه إنها توفيت.
كان مكتوب:
“تم نقل المريضة إلى منشأة أخرى.”
رفعت عيني.
“أنا استلمت شهادة الوفاة بنفسي.”
الرجل قال:
“شهادة الوفاة كانت حقيقية.”
قلت:
“يعني إيه؟”
“يعني كان لازم العالم كله يعتقد إنها ماتت.”
الكابتن تدخل:
“عشان يحموها.”
بصيت له.
“يحموها من مين؟”
قبل ما يرد، سمعنا صوت خبط قوي على باب الطائرة.
كل الركاب اتوتروا.
الكابتن طلب من الجميع البقاء في أماكنهم.
ثم اقترب من باب الطائرة.
بعد ثوانٍ رجع.
قال:
“الأمن موجود بره.”
تنفست براحة.
لكن الرجل صاحب القبعة هز رأسه.
“مش كلهم.”
سألته:
“يعني إيه؟”
أشار إلى الملف.
“اقرأ الصفحة الأخيرة.”
قلبت الأوراق.
في الصفحة الأخيرة كان فيه جدول بأسماء.
أسماء أشخاص.
بعضهم أعرفهم من فترة خدمتي.
لكن اسمًا واحدًا جعلني أتجمد.
اللواء فريد منصور.
قائد قديم كان مسؤولًا عن وحدتنا.
الرجل الذي كنت أعتقد أنه مات بعد سنوات من التقاعد.
قلت:
“هو كمان؟”
الرجل قال:
“مش بس عايش.”
ثم أضاف:
“هو السبب اللي خلى ريم تختفي.”
سألته:
“إيه علاقة ريم بالجيش؟”
لم يجب مباشرة.
بدلًا من ذلك، أخرج هاتفه القديم وشغله.
كان عليه تسجيل صوتي.
ضغط تشغيل.
وصوت ريم خرج من السماعة.
صوتها.
نفس نبرتها.
نفس الطريقة اللي كانت بتناديني بيها.
“حسام… لو أنت بتسمع التسجيل ده، يبقى أنا ماقدرتش أرجع لك.”
ركبتي ضعفت.
اضطريت أسند نفسي على المقعد.
صوتها استمر:
“أنا عارفة إنك هتفتكر إني خذلتك.”
غمضت عيني.



