
الجزء الثاني والاخير
الجزء الثاني
الساعة كانت قرب السادسة مساءً لما سعاد أخيرًا رمت الممسحة على جنب.
كانت مرهقة.
شعرها اتفك من كتر الحركة، وإيديها وجعتها، وظهرها كان بيوجعها من الوقوف ساعات طويلة.
بصت حوالين البيت.
الصالون بقى لامع.
الأرضيات نضفت.
الشبابيك اتغسلت.
حتى الأماكن اللي عمر مريم ما كانت هتفتكر تنظفها في يوم إجازتها، سعاد قضت وقتها وهي بتنضفها.
ابتسمت لنفسها.
— «أهو كده البيت بقى بيت بجد.»
كانت مقتنعة إنها أثبتت لمريم إنها مش مجرد حمات بتتكلم.
هي، من وجهة نظرها، الست اللي تعرف تدير البيت.
لكنها ما كانتش تعرف إن صوت مفتاح بيلف في باب الشقة هيغيّر كل حاجة.
تجمدت سعاد مكانها.
الباب اتفتح.
ودخل أحمد وهو شايل كيس ضخم جدًا.
سعاد بصت للكيس.
— «إيه ده؟»
أحمد حطه على ترابيزة السفرة.
— «بطاطس.»
سعاد عقدت حواجبها.
— «بطاطس؟ جايب كل الكمية دي ليه؟»
أحمد ما ردش.
بص حوالين البيت.
سكت ثواني.
وبعدين قال:
— «ماما… إنتِ اللي نضفتي البيت؟»
رفعت سعاد دقنها بفخر.
— «طبعًا. أنا سيبت ابني يعيش في بيت بالشكل ده إزاي؟ مراتك محتاجة حد يعلمها المسؤولية.»
أحمد حط إيده على الكرسي.
— «ومريم فين؟»
— «خرجت.»
— «ليه؟»
سعاد بدأت تحكي بسرعة، وكأنها كانت مستنية حد يسألها.
— «لأني لقيت البيت مليان تراب. قلت لها هاتي الجردل ونضفي قدامي، قامت بكل برود مدت لي الممسحة وقالت لي: طالما الموضوع مضايقك، نضفيه إنتِ! وبعدين خرجت وسابتني.»
أحمد سكت.
سعاد توقعت إنه هيغضب من زوجته.
لكن اللي حصل كان مختلف.
أحمد قرب من الكيس الكبير.
فتحه.
وطلع منه كيس بطاطس صغير.
وبعدين واحد تاني.
وبعدين تالت.
سعاد بصت له باستغراب.
— «إنت بتعمل إيه؟»
أحمد ابتسم ابتسامة غريبة.
— «هنعمل تجربة.»
— «تجربة إيه؟»
أحمد أخد حبة بطاطس وحطها على الأرض اللي سعاد لسه منظفاها.
سعاد شهقت.
— «إنت اتجننت؟!»
أحمد ما ردش.
دحرج البطاطساية برجله لحد نص الصالة.
وبعدين قال:
— «ماما، ممكن تقوليلي حاجة؟»
— «إيه؟»
— «البيت ده بيت مين؟»
سعاد ردت فورًا:
— «بيت ابني طبعًا.»
— «ومين اللي بيدفع الإيجار والفواتير؟»
— «إنت.»
— «ومين اللي بيعيش هنا؟»
سعاد بدأت تتوتر.
— «إنت ومريم.»
أحمد هز راسه.
— «بالضبط.»
سكت لحظة، وبعدين قال:
— «يبقى مين اللي يقرر إمتى البيت يتنضف وإزاي؟»
سعاد ما ردتش.
أحمد بص للكيس.
— «أنا جبت البطاطس دي علشان عندي اقتراح.»
— «اقتراح إيه؟»
— «من النهارده، أي حد شايف إن البيت محتاج تنظيف… يبقى عنده كامل الحرية ينضفه.»
سعاد ابتسمت باستهزاء.
— «يعني إيه؟»
— «يعني حضرتك لو جيتي لقيتي تراب، من حقك تنضفيه.»
— «أكيد.»
— «ولو لقيتي شباك مش عاجبك، تغسليه.»
— «طبعًا.»
— «ولو لقيتي المطبخ محتاج ترتيب، ترتبيه.»
سعاد بدأت تشعر إن في حاجة غلط.
— «آه…»
أحمد أشار لكيس البطاطس.
— «وعشان كده أنا جبت بطاطس كتير.»
— «البطاطس مالها؟»
ابتسم أحمد.
— «هعمل بيها تجربة.»
أخد بطاطساية تانية وحطها فوق السفرة.
— «دي وقعت من إيدي.»
سعاد قالت:
— «عادي.»
أحمد حط واحدة تانية على الأرض.
— «ودي وقعت هنا.»
وبعدين حط واحدة عند باب المطبخ.
— «ودي كمان.»
سعاد بصت له.
— «إنت بتلمح لإيه؟»
أحمد أخد نفس.
— «أنا بلمح إن البيت مش متحف.»
سعاد سكتت.
— «البيت بيت ناس. بيتاكل فيه. بيتشرب فيه. بيتدخل ويخرج منه ناس. وطبيعي جدًا يبقى فيه تراب أو حاجة تقع على الأرض.»
وبعدين بص لها مباشرة.
— «لكن اللي مش طبيعي إن حد يدخل بمفتاح بيتي من غير ما يستأذن، ويبدأ يفتش في البيت، ويأمر مراتي تنظف قدامه.»
سعاد احمر وشها.
— «أنا أمك!»
— «وأنا ابنك.»
— «يعني أنا غريبة؟»
— «لأ. حضرتك أمي، وبيتنا مفتوح لك في أي وقت… بس بإذننا.»
سعاد رفعت صوتها:
— «ومريم هي اللي خلتك تتكلم معايا بالطريقة دي؟!»
أحمد هز راسه.
— «مريم ما طلبتش مني حاجة.»
سكت لحظة.
ثم أخرج موبايله.
— «أنا اللي قررت.»
سعاد بدأت تشعر إن الأرض بتتحرك من تحتها.
لكن أحمد ما خلصش.
طلع مفتاح من جيبه.
ووضعه فوق السفرة.
— «وده مفتاح جديد.»
سعاد بصت له.
— «يعني إيه؟»
— «مفتاح البيت.»
— «والمفتاح اللي معاكي؟»
— «عايزه منك.»
سعاد شهقت.
— «أحمد! إنت بتاخد مني مفتاح بيت ابني؟»
— «أنا باخده علشان أحافظ على علاقتنا.»
— «علاقتنا؟!»
— «أيوه. لأن كل مرة تدخلي من غير ما تستأذني، بتخلقي مشكلة بيني وبين مراتي. وأنا مش هسمح إن ده يحصل تاني.»
سعاد سكتت.
وبعدين قالت بصوت أهدى:
— «بس أنا كنت بنصحها.»
أحمد رد بهدوء:
— «النصيحة لما تتطلب… تبقى نصيحة.»
وأشار للبيت.
— «لكن إنك تدخلي وتفتشي وتدي أوامر… ده مش نصيحة.»
في اللحظة دي، موبايل أحمد رن.
كانت مريم.
رد فورًا.
— «أيوه يا مريم.»
صوتها كان هادي.
— «خلصت؟»
أحمد ابتسم.
— «آه.»
— «وماما؟»
بص لسعاد.
وبعدين قال:
— «ماما هنا.»
مريم سكتت لحظة.
— «هي كويسة؟»
أحمد ضحك بخفة.
— «كويسة. بس محتاجة ترتاح.»
سعاد بصت له بغضب.
أحمد كمل:
— «وبالمناسبة، أنا خدت المفتاح.»
مريم ما قالتش حاجة.
لكن أحمد سمع ضحكتها.
— «تصبح على خير يا أحمد.»
— «وإنتِ كمان.»
وقفل المكالمة.
سعاد كانت واقفة مكانها.
وأخيرًا قالت:
— «يعني هي ضحكت؟»
أحمد رد:
— «لا. هي ارتاحت.»
الجملة دي كانت أقوى من أي صراخ.
سعاد لمّت شنطتها.
وقبل ما تخرج، وقفت عند الباب.
بصت للبيت اللي قضت فيه تسع ساعات تنظف.
ثم بصت لأحمد.
— «أنا عملت كل ده علشان أثبت إنها مهملة.»
أحمد رد:
— «وأثبتِّ حاجة تانية.»
— «إيه؟»
— «إنك كنتِ محتاجة تسمعي مني كلمة من زمان.»
سعاد سكتت.
فتح لها الباب.
لكن قبل ما تخرج، أحمد ناداها:
— «ماما.»
لفت.
— «لو حابة تيجي تزورينا بكرة، تعالي. بس خدي معاكي حاجة واحدة.»
— «إيه؟»
أحمد ابتسم.
— «من غير الممسحة.»
خرجت سعاد من الشقة وهي غاضبة.
لكنها، لأول مرة، ما كانتش متأكدة إذا كانت زعلانة من أحمد…
ولا من نفسها.
أما أحمد، فبص لكيس البطاطس الكبير على السفرة.
وبعدين ضحك لوحده.
لأن خطته الحقيقية لسه ما بدأتش.
فقد كان ناوي يعمل حاجة تانية في اليوم التالي…
حاجة هتخلي سعاد بنفسها تطلب منه المفتاح يرجع لها.
لكن المفاجأة إن مريم لما رجعت في الصبح، لقت على باب الشقة ورقة صغيرة مكتوبة بخط إيد أحمد.
والجملة اللي كانت مكتوبة عليها جعلتها تقف مكانها مصدومة…
«ممنوع الدخول إلا بعد موافقة صاحبة البيت.»
فهل كانت مريم هتوافق على اللي عمله أحمد؟
ولماذا كانت سعاد ستعود في اليوم التالي رغم كل ما حدث؟
التكملة في الجزء القادم…
الجزء الثالث
فضل أحمد واقف قدام أمه ثواني، مش قادر يستوعب اللي شايفه.
نسخة مفتاح تانية.
يعني المفتاح اللي كان مع سعاد مش النسخة الوحيدة.
— «ماما… المفتاح ده جبتيه منين؟»
سعاد رفعت كتفها وكأن الموضوع عادي جدًا.
— «عملته من زمان.»
— «من زمان قد إيه؟»
— «من يوم ما إنت اديتني المفتاح الأول.»
أحمد عقد حواجبه.
— «ليه؟»
— «احتياطي.»
— «احتياطي لإيه؟»
سعاد سكتت.
وبعدين قالت:
— «لو حصل لك حاجة. لو موبايلك اتقفل. لو احتجت تدخل بسرعة. أنا أمك.»
أحمد أخذ نفسًا عميقًا.
— «طيب ليه ما قلتيليش إنك عملتي نسخة؟»
سعاد ما ردتش.
في اللحظة دي، سمع أحمد صوت مريم جاي من جوه الشقة.
كانت رجعت.
وقفت عند باب الصالة، وبصت لأحمد، ثم لسعاد، ثم للمفتاح اللي في إيد حماتها.
— «فيه إيه؟»
أحمد ما عرفش يبدأ منين.
لكن سعاد سبقتهم.
— «أنا كنت عاملة نسخة احتياطية.»
مريم بصت لها بهدوء.
— «من غير ما تقوليلنا؟»
— «أنا مش غريبة عنكم.»
مريم ما ردتش فورًا.
حطت شنطتها على الكرسي.
ثم قالت:
— «أنا ما قلتش إن حضرتك غريبة.»
سعاد بصت لها.
— «أمال إيه؟»
مريم أشارت للمفتاح.
— «أنا بقول إن البيت له باب. والباب له مفتاح. والمفتاح لازم يكون مع الناس اللي ساكنة هنا.»
سعاد ردت بسرعة:
— «يعني عايزة تمنعيني من دخول بيت ابني؟»
مريم هزت رأسها.
— «لا. أنا عايزة حضرتك تخبطي قبل ما تدخلي.»
سكتت سعاد.
الكلام كان بسيطًا جدًا.
لكنها لأول مرة لم تجد فيه أي شيء تستطيع أن تهاجمه.
أحمد قرب من أمه.
— «ماما، أنا عايزك ترجعي النسخة دي كمان.»
سعاد قبضت على المفتاح.
— «ليه؟»
— «لأننا مش عايزين نعيش وإحنا مش عارفين مين ممكن يدخل علينا فجأة.»
— «أنا مش حد غريب!»
— «وأنا ما قلتش إنك حد غريب.»
ثم أضاف بهدوء:
— «بس حتى أقرب الناس لينا لازم يستأذنوا.»
سعاد بصت لمريم.
كانت تتوقع منها أن تهاجمها أو تقول لها كلمة قاسية.
لكن مريم قالت:
— «أنا مش عايزة أخسرك يا طنط سعاد.»
سعاد اتفاجأت.
— «إيه؟»
— «أنا عايزة علاقتنا تبقى كويسة. بس مش هقدر أعيش كل يوم وأنا خايفة إن الباب يتفتح فجأة وألاقي حضرتك بتفتشي في البيت.»
لأول مرة، اختفى الغضب من وش سعاد.
بصت للأرض.
وبصوت منخفض قالت:
— «أنا كنت فاكرة إني بحمي ابني.»
أحمد رد:
— «يمكن كنتِ بتحاولي تحميه فعلًا. بس من غير ما تاخدي بالك، بقيتي بتحاولي تتحكمي في حياته.»
الجملة وقعت عليها تقيلة.
لكن قبل ما ترد، رن جرس الباب.
الثلاثة بصوا ناحية الباب.
أحمد فتح.
كان عامل توصيل واقف ومعاه صندوق كبير.
— «الأستاذ أحمد؟»
— «أيوه.»
— «ده طلبك.»
أحمد أخد الصندوق.
مريم قربت.
— «إيه ده؟»
أحمد ابتسم.
— «دي المفاجأة.»
فتح الصندوق.
كانت فيه ماكينة صغيرة لطباعة ملصقات، ومعاها مجموعة من الخطافات واللافتات.
سعاد بصت له باستغراب.
— «إنت بتعمل إيه؟»
أحمد أخرج أول لافتة.
كانت مكتوب عليها:
«من فضلك خبط قبل الدخول.»
ثم علّقها بجوار الباب.
مريم ضحكت.
لكن أحمد ما اكتفاش بكده.
أخرج لافتة تانية.
«المفتاح للطوارئ فقط.»
وعلّقها تحتها.
ثم أخذ النسخة الموجودة في يد سعاد.
— «وده آخر مفتاح.»
حطّه في ظرف.
كتب عليه اسم سعاد.
ومده لها.
سعاد فتحت الظرف.
كانت متوقعة إنه هيرجع لها المفتاح.
لكنها لقت بدلًا منه ورقة.
قرأت:
«مفتاح بيتنا محفوظ عندنا. لكن بابنا مفتوح لك دائمًا لما تيجي كضيفة، مش كمفتشة.»
سعاد فضلت ساكتة.
ثم نظرت إلى مريم.
— «إنتِ اللي كتبتي الكلام ده؟»
مريم ابتسمت.
— «أحمد.»
سعاد بصت لابنها.
— «إنت اتغيرت.»
أحمد ابتسم.
— «لا يا ماما. أنا بس فهمت حاجة متأخر.»
— «إيه؟»
— «إن برّ الأم مش معناه إني أظلم مراتي، وإن احترام مراتي مش معناه إني بعق أمي.»
سعاد ما ردتش.
وبعد لحظات، قامت من مكانها.
مسكت شنطتها.
وقبل ما تخرج، وقفت أمام مريم.
— «بكرة… ممكن أجيلكم؟»
مريم ابتسمت.
— «طبعًا.»
سعاد سألت:
— «أخبط؟»
مريم ضحكت.
— «حتى لو معاكِ جردل وممسحة.»
ولأول مرة من يوم ما بدأت المشكلة، ضحكت سعاد هي كمان.
لكن قبل ما تفتح الباب، وقعت عيناها على الممسحة التي كانت لا تزال موجودة بجوار المطبخ.
قالت:
— «على فكرة… البيت محتاج تنظيف فعلًا.»
أحمد ومريم بصوا لبعض.
سعاد ضحكت وقالت:
— «بهزر!»
وخرجت.
أغلق أحمد الباب.
مريم بصت له.
— «أنت كنت ناوي تعمل إيه لو مامتك ما رجعتش المفتاح؟»
أحمد سكت.
ثم قال:
— «كنت هغير قلب الباب كله.»
مريم فتحت عينيها.
— «بجد؟»
— «بجد.»
وبعدين أشار إلى الخطاف.
— «بس لما شفتها رجعت، حسيت إن الأهم من تغيير القفل إننا نغيّر القاعدة.»
مريم قربت منه.
— «وأنا؟»
— «إنتِ صاحبة البيت.»
— «متأكد؟»
أحمد ابتسم.
— «من النهارده، أي حد عايز يدخل… يخبط.»
لكن الاثنين لم يكونا يعرفان أن سعاد، وهي في طريقها إلى بيتها، كانت تفكر في شيء آخر تمامًا.
لأنها تذكرت فجأة موقفًا قديمًا حدث قبل زواج أحمد.
موقفًا جعلها تحتفظ بنسخة ثالثة من المفتاح…
نسخة لم تكن في بيتها.
ولا في شنطتها.
وكانت موجودة في مكان لم يخطر على بال أحمد أو مريم.
وفي صباح اليوم التالي، عندما وصلت سعاد إلى بيت ابنها، لم تكن تحمل ممسحة هذه المرة.
كانت تحمل ظرفًا بنيًا قديمًا.
وقالت لأحمد:
— «قبل ما أعتذر لمريم عن كل اللي عملته… لازم أقول لك حاجة عن البيت.»
تجمد أحمد.
— «حاجة إيه؟»
نظرت سعاد إلى الباب، ثم إلى المفتاح المعلق على الخطاف.
وقالت:
— «المفتاح ده مش هو المشكلة يا ابني… المشكلة في اللي حصل يوم ما اتعملت أول نسخة.»
ثم فتحت الظرف.
وخرجت منه صورة قديمة…
الصورة التي كشفت سرًا عن البيت لم يكن أحمد يعرفه أصلًا.
يتبع…
الجزء الرابع
فضل أحمد واقف مكانه، وعينيه مثبتة على الصورة اللي طلعتها أمه من الظرف.
مد إيده وأخدها منها.
كانت صورة قديمة للعمارة من الخارج.
واضح إنها متصورة من سنين، قبل ما أحمد يتجوز مريم.
قلب الصورة.
وكان مكتوب على ظهرها بخط يد قديم:
«الشقة 14 — مفتاح الطوارئ.»
أحمد رفع عينه لأمه.
— «يعني إيه الكلام ده؟»
سعاد تنهدت.
— «قبل ما تتجوز مريم، الشقة دي كانت مقفولة فترة طويلة.»
— «أنا عارف.»
— «لكن اللي ما تعرفوش إن عمك سامي كان هو اللي بيتابع الشقة وقتها.»
أحمد عقد حواجبه.
— «عمي سامي؟»
— «أيوه. وكان معاه نسخة من المفتاح.»
مريم كانت واقفة بعيد، وتسمع الكلام.
قالت:
— «طيب والمفتاح اللي حضرتك عملتيه؟»
سعاد بصت لها.
— «أنا ما عملتوش علشان أراقبكم.»
أحمد رد بسرعة:
— «بس إنتِ دخلتي بيه من غير إذن.»
سعاد خفضت عينيها.
— «عارفة.»
ثم كملت:
— «وده كان غلط.»
الجملة دي فاجأت أحمد.
لأنها كانت أول مرة يسمع من أمه اعترافًا واضحًا إنها أخطأت.
لكنها لم تنتهِ.
— «أنا احتفظت بالمفتاح زمان لأن حصلت مشكلة في العمارة.»
— «مشكلة إيه؟»
سعاد فتحت الظرف أكثر.
وأخرجت ورقة مطوية.
— «كان فيه تسريب مياه كبير في الدور اللي فوقكم. وقتها دخلنا الشقة علشان نقفل محبس المياه ونمنع الضرر.»
أحمد أخذ الورقة.
كانت ورقة صيانة قديمة.
تاريخها يعود لسنوات.
— «طيب وإيه علاقة ده بكل اللي حصل النهارده؟»
سعاد قالت:
— «مفيش علاقة مباشرة.»
ثم نظرت إلى مريم.
— «لكن لما دخلت البيت الصبح وشفت التراب، افتكرت الأيام القديمة. حسيت إن البيت اللي ابني تعب فيه عشان يشتريه بدأ يتساب.»
مريم ردت بهدوء:
— «التراب مش معناه إن البيت متساب.»
سعاد سكتت.
مريم كملت:
— «أنا بشتغل، وبرجع تعبانة، وأحيانًا ما بكونش عندي طاقة أنضف كل ركن. ده مش معناه إني مش مهتمة ببيتي.»
أحمد بص لأمه.
— «شايفة؟»
سعاد تنهدت.
— «شايفة.»
ثم قالت شيئًا لم يتوقعه أحد.
— «أنا كنت بغلط في حقك يا مريم.»
مريم اتفاجأت.
— «حضرتك…»
سعاد رفعت إيدها.
— «خليني أخلص.»
ثم كملت:
— «كنت فاكرة إن لازم البيت يبقى كامل طول الوقت. وكنت فاكرة إن لو ابني رجع لقى حاجة مش مترتبة، يبقى مراته مقصرة.»
أحمد قال:
— «وده مش صحيح.»
— «عارفة دلوقتي.»
سكتت لحظة.
— «بس فيه حاجة تانية لازم تعرفوها.»
أحمد بص لها باستغراب.
— «إيه؟»
سعاد فتحت الظرف مرة ثانية.
أخرجت مفتاحًا صغيرًا.
كان مختلفًا عن مفتاح الشقة.
أحمد قرب منه.
— «ده مفتاح إيه؟»
سعاد قالت:
— «مفتاح المخزن اللي في البدروم.»




