روايات وقصص

حماتي

— «مخزن؟»

— «أيوه.»

أحمد عبس.

— «إحنا عندنا مخزن في العمارة؟»

سعاد ابتسمت.

— «مش مخزن عادي.»

ثم مدت له ورقة أخرى.

— «ده عقد قديم.»

أحمد فتح الورقة.

وبدأ يقرأ.

وفجأة اتغيرت ملامح وجهه.

— «إيه ده؟»

مريم قربت منه.

— «في إيه؟»

أحمد رفع عينه.

— «المخزن ده… باسمي.»

سعاد هزت رأسها.

— «كان هدية من جدك ليك.»

أحمد فضل ساكت.

— «ليه محدش قال لي؟»

سعاد قالت:

— «لأن جدك طلب مني ما أقولكش غير لما تتجوز وتستقر.»

مريم قالت:

— «بس إيه علاقة المخزن بالمفتاح؟»

سعاد بصت لها.

— «لأن فيه حاجة جوه المخزن تخص البيت.»

أحمد سأل:

— «إيه؟»

سعاد لم تجب.

فقط قالت:

— «تعالوا معايا.»

بعد نصف ساعة، كانوا جميعًا في بدروم العمارة.

المكان كان هادئًا ومليان صناديق قديمة.

أخرجت سعاد المفتاح.

وفتحوا بابًا حديديًا صغيرًا.

دخلوا.

كان المكان مليان أثاث قديم، كراتين، وملفات.

أحمد بدأ يحرك الصناديق.

— «ماما، إيه اللي بندور عليه؟»

سعاد قالت:

— «صندوق خشب.»

بعد دقائق، وجده.

كان صندوقًا صغيرًا عليه قفل قديم.

فتحته سعاد.

وفي داخله كانت هناك أوراق كثيرة.

مريم بصت لها.

— «دي إيه؟»

سعاد قالت:

— «دي أوراق الشقة.»

أحمد أخذ أول ملف.

ثم الثاني.

ثم توقف.

— «ماما…»

— «إيه؟»

— «العقد ده مش باسم صاحب العمارة.»

سعاد لم تتكلم.

أحمد قرأ السطر مرة ثانية.

ثم قال:

— «العقد باسم… والدي.»

سعاد أغمضت عينيها.

مريم شهقت.

— «يعني الشقة كانت ملك والد أحمد؟»

سعاد هزت رأسها.

— «أيوه.»

أحمد شعر أن الموضوع أكبر من مجرد مفتاح.

— «طب ليه اتقال لي إن الشقة إيجار؟»

سعاد نظرت إليه.

— «لأن أبوك قبل ما يتوفى كان عنده سبب يخليه يخبي الحقيقة.»

— «سبب إيه؟»

سعاد أخرجت آخر ورقة من الصندوق.

ثم قالت:

— «كان فيه شخص تاني بيدّعي إن الشقة بتاعته.»

أحمد سكت.

— «مين؟»

سعاد نظرت إلى مريم.

ثم إلى أحمد.

— «الشخص اللي كان بيحاول ياخد الشقة منكم… كان يعرف إن المفتاح موجود.»

أحمد وقف فجأة.

— «يعني إيه؟»

سعاد ردت:

— «يعني إن المفتاح اللي كنت فاكرة إنه مجرد مفتاح احتياطي… ممكن يكون أهم من اللي إحنا متخيلينه.»

وفي نفس اللحظة…

سمعوا صوت خطوات قادمة من آخر البدروم.

خطوة.

ثم خطوة ثانية.

أحمد رفع رأسه.

— «مين هناك؟»

لم يرد أحد.

لكن صوت مفتاح دخل في باب البدروم.

وسمعوا صوت القفل وهو يفتح.

مريم أمسكت بذراع أحمد.

وسعاد همست:

— «أنا قلت لك إن المشكلة مش في المفتاح.»

الباب بدأ يتحرك ببطء.

ودخل رجل لم يتوقع أحمد أن يراه أبدًا.

رجل يعرفه جيدًا.

وكان أول شيء قاله:

— «كنت عارف إن المفتاح هيوصلكم هنا في يوم من الأيام.»

يتبع…
الجزء الخامس

اتجمد أحمد مكانه.

الرجل اللي دخل البدروم كان عم سامي، أخو والده الأصغر.

لكن الغريب مش ظهوره.

الغريب هو الجملة اللي قالها:

— «كنت عارف إن المفتاح هيوصلكم هنا في يوم من الأيام.»

أحمد قرب منه خطوة.

— «إنت كنت مستنينا؟»

عم سامي قفل الباب وراه بهدوء.

— «مش مستنيكم. كنت مستني اليوم اللي الحقيقة هتظهر فيه.»

سعاد قالت بعصبية:

— «سامي، كفاية!»

بصلها.

— «إنتِ اللي كفاية يا سعاد. سنين وإنتِ ساكتة.»

أحمد بص لأمه.

— «إنتِ كنتِ تعرفي؟»

سعاد ما ردتش.

عم سامي هو اللي قال:

— «أمك كانت تعرف إن أبوك كتب الشقة باسمك قبل ما يتوفى.»

أحمد رفع العقد.

— «طيب ليه ما حدش قال لي؟»

عم سامي رد:

— «لأن أبوك كان عايز يحميك.»

— «يحميني من مين؟»

عم سامي سكت لحظة.

ثم أشار إلى الأوراق.

— «من شخص كان عايز ياخد الشقة بأي طريقة.»

مريم سألت:

— «مين؟»

عم سامي نظر إليها.

— «صاحب العمارة السابق.»

أحمد عبس.

— «بس الراجل ده باع العمارة من سنين.»

— «باعها… بعد ما حاول يثبت إن الشقة دي جزء من ملكيته.»

عم سامي أخرج ملفًا آخر.

— «والدك رفض يوقع على أي تنازل.»

فتح الملف.

كانت فيه صورة من محضر قديم، وإيصالات، ومراسلات قانونية.

أحمد بدأ يقلب الأوراق.

كل ورقة كانت بتكشف جزءًا من القصة.

ثم توقف عند ورقة عليها توقيع والده.

قرأها بصوت منخفض:

— «أقر أن الشقة رقم 14 ملك لابني أحمد…»

رفع عينيه.

— «يعني أبويا كان عارف إن الموضوع ممكن يعمل مشكلة.»

عم سامي هز رأسه.

— «بالضبط.»

مريم قالت:

— «وطب المفتاح؟»

عم سامي رد:

— «أبوك كان عامل مفتاح طوارئ وحطه في مكان محدش يعرفه.»

أحمد نظر إلى أمه.

— «غير المفتاح اللي كان معاها؟»

— «أيوه.»

سعاد قالت بسرعة:

— «وأنا ما كنتش أعرف مكانه.»

عم سامي ابتسم.

— «دلوقتي بقى معاك.»

أحمد بص للمفتاح الصغير في إيده.

— «أنا مش فاهم.»

عم سامي قال:

— «لأن الصندوق ده مش أهم حاجة هنا.»

وأشار إلى الجدار.

كان هناك جزء من الحائط مغطى برف خشبي قديم.

عم سامي سحب الرف.

ظهر خلفه تجويف صغير.

مريم شهقت.

— «إيه ده؟»

عم سامي أخرج صندوقًا معدنيًا.

حطه أمام أحمد.

— «ده اللي أبوك سابه لك.»

أحمد فتح الصندوق.

في داخله كان هناك ظرف أبيض.

وعليه اسم واحد:

أحمد.

إيده بدأت ترتعش.

فتح الظرف.

وكانت أول جملة قرأها:

«يا ابني… لو وصلت للرسالة دي، يبقى الوقت جه تعرف الحقيقة كاملة.»

مريم قربت منه.

أحمد بدأ يقرأ بصوت مرتفع.

الرسالة كانت قصيرة.

لكنها كشفت شيئًا لم يكن في الحسبان.

والده لم يكن قد اشترى الشقة فقط.

بل كان قد اشترى جزءًا من الأرض المقامة عليها العمارة.

وهذا يعني أن ملكية الشقة كانت مرتبطة بحقوق أوسع بكثير مما كان أحمد يعرف.

لكن كان هناك شرط.

شرط كتبه والده بخط واضح:

«لا تبيع الشقة، ولا تتنازل عنها، قبل أن تعرف لماذا أصررت أن تظل باسمك.»

أحمد رفع عينيه.

— «ليه؟»

عم سامي قال:

— «لأن أبوك كان شاكك إن حد هيحاول يضغط عليك بعد وفاته.»

مريم سألت:

— «ضغط إزاي؟»

عم سامي لم يرد.

بل أخرج صورة قديمة من جيبه.

ووضعها أمام أحمد.

الصورة كانت لوالده واقفًا أمام العمارة…

وبجواره رجل آخر.

أحمد حدق في الصورة.

ثم قال:

— «أنا أعرف الراجل ده.»

مريم قربت.

— «مين؟»

أحمد قال:

— «ده الشخص اللي اشترى العمارة بعد وفاة أبويا.»

عم سامي هز رأسه.

— «بالضبط.»

ساد الصمت.

وفجأة سمعوا صوت موبايل أحمد.

نظر إلى الشاشة.

كان رقمًا مجهولًا.

تردد لحظة.

ثم رد.

— «ألو؟»

جاءه صوت رجل هادئ:

— «مساء الخير يا أستاذ أحمد.»

— «مين؟»

— «أنا الشخص اللي كان المفروض ما تعرفش بوجوده.»

أحمد وقف.

— «إنت مين؟»

الرجل قال:

— «أنا عارف إنك فتحت الصندوق.»

أحمد بص إلى عم سامي.

ثم إلى أمه.

— «إنت بتراقبنا؟»

ضحك الرجل بهدوء.

— «أنا مش محتاج أراقبك.»

ثم قال:

— «لأن عندي نسخة من المفتاح.»

تجمد الجميع.

أحمد أغلق الهاتف ببطء.

مريم همست:

— «نسخة من مفتاح إيه؟»

أحمد لم يجب.

لأنه في اللحظة نفسها، سمعوا صوتًا قادمًا من أعلى السلم.

صوت باب شقتهم وهو يُفتح.

عم سامي قال:

— «حد دخل البيت.»

أحمد اندفع ناحية السلم.

لكن سعاد أمسكت بذراعه.

— «استنى.»

— «ماما، إيه؟»

نظرت إليه بخوف حقيقي.

— «المفتاح اللي مع الراجل ده… مش مفتاح الشقة.»

سكت أحمد.

— «أمال مفتاح إيه؟»

سعاد قالت:

— «مفتاح المخزن.»

عم سامي هز رأسه.

— «بالضبط.»

أحمد بص إلى السلم.

ثم قال:

— «يعني الشخص اللي فوق… مش داخل شقتنا.»

عم سامي رد:

— «لا.»

ثم أضاف:

— «هو دخل المكان اللي فيه باقي أوراق والدك.»

أحمد جرى إلى أعلى.

ومريم وسعاد وعم سامي خلفه.

لكن لما وصلوا أمام باب الشقة، وجدوا الباب مفتوحًا.

والخطاف بجواره كان فارغًا.

المفتاح الذي علّقه أحمد هناك اختفى.

وفوق الخطاف كانت توجد ورقة صغيرة.

أحمد أخذها.

وكان مكتوبًا عليها:

«أخيرًا فهمت اللعبة… لكنك وصلت متأخرًا.»

رفع أحمد عينيه.

ولأول مرة، أدرك أن قصة المفتاح لم تكن مجرد خلاف بينه وبين أمه.

كانت بداية سر قديم تركه والده وراءه…

وسر كان هناك شخص آخر مستعد لفعل أي شيء حتى يظل مخفيًا.

لكن المفاجأة الأكبر كانت تنتظرهم داخل الشقة.

لأن على طاولة السفرة كان هناك كيس البطاطس الكبير الذي أحضره أحمد في اليوم السابق.

وبجواره ورقة جديدة.

لكن هذه المرة، كانت الورقة تحمل اسم مريم.

يتبع…
قبل الأخير

وقفت مريم قدام كيس البطاطس، وبصت للورقة اللي عليها اسمها.

مدت إيدها، لكن أحمد وقفها.

— «استني.»

بص لها.

— «محدش يلمس حاجة.»

عم سامي قرب من الترابيزة، وبص للورقة من بعيد.

— «دي مش ورقة عادية.»

أحمد سأل:

— «إزاي؟»

— «بص على الخط.»

أحمد ركز.

كان الخط مختلفًا عن الورقة الأولى.

لكن الأغرب إن الورقة كانت مثبتة بدبوس صغير في طرف كيس البطاطس.

أحمد فجأة ابتسم.

مريم استغربت.

— «إنت بتضحك على إيه؟»

قال:

— «البطاطس.»

— «إيه؟»

— «فاكرة ليه كنت جايب كمية بطاطس كبيرة امبارح؟»

مريم هزت رأسها.

— «كنت فاكرة إنك بتعمل هزار مع مامتك.»

أحمد فتح الكيس.

وأخرج واحدة من البطاطس.

ثم ضغط عليها من المنتصف.

انفتح جزء صغير كان متغطي بشريط شفاف.

خرجت منه ذاكرة إلكترونية صغيرة.

مريم شهقت.

— «إيه ده؟!»

عم سامي قال:

— «أبوك كان بيستخدم نفس الطريقة زمان.»

أحمد بص له.

— «إنت كنت تعرف؟»

— «كنت أعرف إنه بيخبي مستندات مهمة بطريقة محدش يتوقعها. لكن ما كنتش أعرف إنه حط حاجة هنا.»

مريم أخدت نفسًا عميقًا.

— «يعني اللي سرق المفتاح كان بيدور على الورق… وهو ما يعرفش إن أهم حاجة هنا؟»

أحمد هز رأسه.

— «بالضبط.»

لكن قبل ما يفتحوا الذاكرة، سمعوا صوت خطوات في السلم.

كلهم سكتوا.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى