روايات وقصص

حماتي

خطوة…

ثم توقف الصوت أمام الباب.

أحمد أشار لهم أن يبتعدوا.

مقبض الباب تحرك ببطء.

لكن الباب لم يُفتح.

ثم سمعوا صوت رجل من الخارج:

— «أستاذ أحمد… أنا جاي آخد حاجة تخصني.»

أحمد بص لعم سامي.

ثم قال:

— «إنت مين؟»

جاء الرد:

— «إنت عارف أنا مين.»

أحمد فتح الباب فجأة.

لكن لم يجد أحدًا.

فقط ظرف بني موضوع على الأرض.

أخده.

وكان مكتوبًا عليه:

«إلى مريم.»

مريم اتوترت.

— «ليه اسمي؟»

أحمد فتح الظرف.

كان بداخله عقد قديم.

وقرأ أول سطر.

ثم تغير وجهه.

— «إيه؟»

مريم سألت:

— «في إيه؟»

مد لها العقد.

— «اقري.»

أمسكت الورقة.

وبعد ثوانٍ قالت:

— «ده عقد بيع؟»

عم سامي رد:

— «مش عقد بيع.»

— «أمال إيه؟»

— «ده إقرار إن والد أحمد نقل جزء من ملكية الشقة لزوجة ابنه بعد الزواج.»

مريم رفعت عينيها.

— «يعني ليا أنا؟»

أحمد هز رأسه.

— «أبويا كان مسجل لكِ جزء من الملكية.»

سعاد كانت واقفة في الخلف، وبدأت دموعها تنزل.

— «أنا كنت فاكرة إن أبوك كان بيحاول يحميك إنت بس.»

أحمد بص لها.

— «واضح إنه كان بيحمي مريم كمان.»

في اللحظة دي، رن هاتف أحمد مرة أخرى.

نفس الرقم المجهول.

رد.

— «ألو.»

جاء الصوت:

— «فتحت العقد؟»

أحمد قال:

— «إنت عايز إيه؟»

— «عايز اللي أبوك خبّاه.»

— «مش هتاخده.»

الرجل ضحك.

— «مش محتاج آخده منك.»

سكت لحظة.

ثم قال:

— «أنا محتاجك بس توقّع.»

— «على إيه؟»

— «على تنازل عن حقك وحق زوجتك.»

مريم اقتربت من أحمد.

— «ما تمضيش على أي حاجة.»

الرجل تابع:

— «لو ما وقعتش، هتشوف حاجات عن والدك مش هتعجبك.»

أحمد رد بثبات:

— «قول اللي عندك.»

الرجل سكت.

ثم قال:

— «والدك ما كانش بريئًا زي ما إنت فاكر.»

وأغلق الخط.

ساد الصمت.

مريم بصت لأحمد.

— «إنت مصدقه؟»

أحمد هز رأسه.

— «مش هصدق أي حاجة من غير دليل.»

عم سامي ابتسم.

— «وده بالضبط اللي كان أبوك عايزك تتعلمه.»

أحمد رجع للذاكرة الصغيرة.

— «يبقى نعرف الحقيقة بنفسنا.»

لكن لما وصلوا الكمبيوتر وفتحوا الملفات…

ظهر مجلد واحد فقط.

اسمه:

«الحقيقة التي أخفيتها عن الجميع.»

فتحه أحمد.

ظهرت صور.

ثم مستندات.

ثم تسجيل صوتي.

وضغط تشغيل.

وجاء صوت والده من التسجيل:

— «لو ابني بيسمع التسجيل ده، يبقى سعاد غالبًا قالت له كل حاجة… لكن في حاجة واحدة هي نفسها ما تعرفهاش.»

سعاد شهقت.

— «أنا؟»

استمر التسجيل:

— «المشكلة الحقيقية مش في ملكية الشقة… ولا في المفتاح.»

ثم توقف الصوت لثوانٍ.

وبعدها قال:

— «المشكلة بدأت يوم ما اكتشفت إن أقرب شخص ليا كان بيبيع أسراري لشخص تاني.»

أحمد وقف مصدومًا.

مريم أمسكت بيده.

أما سعاد، فكانت تحدق في شاشة الكمبيوتر.

لأنها بدأت تفهم أن والد أحمد لم يكن يقصد شخصًا غريبًا.

كان يقصد أحد أفراد العائلة.

وفي نهاية التسجيل قال الأب جملة واحدة:

— «ولو عايز تعرف مين هو… دور على الاسم الموجود خلف صورة زفاف أحمد ومريم.»

أحمد تجمد.

ثم التفت إلى ألبوم الصور الموجود فوق المكتبة.

وببطء…

بدأ يمشي ناحيته.

لكن قبل أن يصل إليه، رن جرس الباب.

هذه المرة كانت الشرطة.

وكان الضابط يحمل ملفًا وقال:

— «أستاذ أحمد؟ لازم تيجي معانا… إحنا لقينا الشخص اللي دخل الشقة.»

أحمد سأله:

— «مين؟»

الضابط فتح الملف.

ورفع صورة الشخص.

أحمد نظر إليها…

ثم قال بصوت مخنوق:

— «مستحيل…»

لأن الشخص الذي ظهر في الصورة…

كان شخصًا من العائلة كان موجودًا معهم قبل دقائق فقط.

يتبع في الجزء الأخير…
الجزء الأخير

فضل أحمد باصص للصورة في إيد الضابط، وكأنه مش قادر يصدق اللي شايفه.

— «مستحيل… إنت متأكد؟»

الضابط هز رأسه.

— «إحنا لقيناه خارج العمارة، ومعاه نسخة من المفتاح وبعض الأوراق. لكن قبل ما نكمل، لازم تسمعوا كل التفاصيل.»

أحمد أخذ الصورة مرة تانية.

كان الشخص الموجود فيها هو عم سامي.

التفت أحمد ببطء.

لكن عم سامي لم يكن موجودًا.

مريم شهقت:

— «فين عم سامي؟»

سعاد حطت إيدها على قلبها.

— «كان واقف هنا من شوية!»

الضابط قال:

— «علشان كده لازم نتصرف بسرعة.»

أحمد فهم فجأة.

الرسالة.

الذاكرة.

المفتاح.

كلهم كانوا أجزاء من خطة واحدة.

ركض نحو ألبوم الصور الموجود فوق المكتبة.

فتحه بسرعة.

بدأ يقلب الصور.

صور زفاف.

صور عائلية.

صور قديمة.

حتى وصل إلى صورة زفافه هو ومريم.

قلب الصورة.

كان هناك اسم مكتوب خلفها.

«سامي.»

مريم بصت لأحمد.

— «يبقى هو؟»

أحمد لم يرد.

فتح الذاكرة مرة أخرى.

كان هناك ملف صوتي لم يسمعوه حتى النهاية.

ضغط تشغيل.

وجاء صوت والده:

— «لو وصلتوا للجزء ده، يبقى سامي حاول يسبقكم للحقيقة.»

سعاد بدأت تبكي.

— «سامي؟ أخوه؟»

استمر التسجيل:

— «أخويا كان عارف إن الشقة ليك. لكنه دخل في ديون كبيرة، وكان بيحاول يبيع حقه في الأرض من ورايا. ولما رفضت، بدأ يضغط عليا علشان أتنازل.»

أحمد أغلق عينيه.

كل شيء بدأ يترتب في ذهنه.

لكن التسجيل لم ينتهِ.

— «أنا ما قدرتش أواجهه وقتها علشان ما أخسرش أخويا. لكن لو حصل لي شيء، ما تخليش الخلاف على الملكية يفرق العيلة.»

ثم قال:

— «وخلي مريم شريكة في البيت. لأنها يومًا ما هتكون الشخص اللي يحمي أحمد من إنه يخسر نفسه وسط المشاكل.»

مريم دمعت عينيها.

أحمد بص لها.

لكن الضابط قاطع اللحظة:

— «لازم نتحرك.»

خرجوا من الشقة.

وفي مدخل العمارة، وجدوا عم سامي واقفًا.

لم يحاول الهرب.

كان واقفًا ووشه شاحب.

قال لأحمد:

— «أنا كنت هخلص الموضوع كله من غير ما أؤذي حد.»

أحمد رد بغضب:

— «دخلت بيتنا من غير إذن، سرقت المفتاح، وخدت أوراق أبويا… وتسمي ده من غير ما تؤذي حد؟»

عم سامي خفض رأسه.

— «كنت مديون.»

— «وده يديك الحق تسرق حقنا؟»

— «لا.»

كانت أول مرة يعترف فيها.

الضابط أخذ منه المفتاح والأوراق، وبدأ الإجراءات القانونية.

أما أحمد، فظل واقفًا للحظات.

ثم رجع إلى الشقة.

وجد مريم واقفة عند الباب.

بصت للمفتاح المعلق على الخطاف.

ثم قالت:

— «فاكر أول يوم المشكلة بدأت؟»

أحمد ابتسم.

— «يوم أمي دخلت تنظف؟»

مريم ضحكت.

— «أيوه.»

— «كنت فاكر إن أكبر مشكلة عندنا هي أمي والمفتاح.»

— «وأنا كنت فاكرة إن حماتي جاية تعمل مشكلة بسبب شوية تراب.»

أحمد بص إلى الخطاف.

— «طلع المفتاح فتح باب لحكاية أكبر بكتير.»

سعاد كانت واقفة خلفهما.

اقتربت ببطء.

ثم قالت:

— «مريم… أنا عايزة أعتذر لك.»

مريم التفتت إليها.

— «عن إيه؟»

— «عن كل مرة دخلت فيها بيتك من غير إذن. وعن كل مرة حكمت عليكِ من غير ما أعرف تعبك.»

مريم سكتت.

سعاد كملت:

— «أنا كنت فاكرة إني بحمي ابني. لكني ما كنتش شايفة إني بكسر راحته.»

مريم ابتسمت.

— «وأنا كمان آسفة لو كنت في يوم حسستك إنك مش مهمة في حياة أحمد.»

سعاد قربت منها.

وضمتها.

أحمد وقف يتفرج عليهم وهو مبتسم.

ثم قالت سعاد:

— «بس عندي طلب.»

مريم ضحكت.

— «إيه؟»

— «لما أجيلكم المرة الجاية…»

توقفت لحظة.

ثم قالت:

— «هخبط.»

ضحك الثلاثة.

وبعد أسبوع، أحمد عمل حاجة بسيطة.

شال اللافتة القديمة من جنب الباب.

وعلّق مكانها لافتة جديدة.

كانت مكتوب عليها:

«أهلًا وسهلًا… بس خبط الأول.»

أما المفتاح، ففضل معلقًا على الخطاف.

لكن المرة دي، لم يعد رمزًا للسيطرة أو الخوف.

بقى تذكيرًا بقاعدة واحدة:

البيت ممكن يكون مفتوحًا لأقرب الناس… لكن الخصوصية لا تُلغى حتى بين العائلة.

وفي المساء، كانت مريم بتحضر العشاء.

وفجأة سمعت خبطتين على الباب.

بصت لأحمد.

— «مين؟»

أحمد ضحك.

— «أكيد عرفتِ.»

فتحت الباب.

كانت سعاد واقفة ومعاها طبق كبير.

وقالت:

— «جبت لكم أكل… ومش جاية أنضف.»

مريم ضحكت.

— «اتفضلي يا طنط.»

دخلت سعاد.

ثم وقفت عند الخطاف، وبصت للمفتاح.

وقالت:

— «بصراحة… المفتاح ده علّمني درس مش هنساه.»

أحمد سألها:

— «إيه هو؟»

سعاد ابتسمت.

— «إنك ممكن تفتح باب بيت ابنك بالمفتاح… لكن علشان تفضل قريب منه، لازم تفتح قلبه الأول.»

ابتسم أحمد.

ومريم حطت الأكل على السفرة.

أما قصة المفتاح، التي بدأت بخلاف على شوية تراب وممسحة…

فانتهت بكشف سر عائلي قديم، وإعادة كل حق لصاحبه، والأهم…

إنها علمت الجميع أن الحدود بين أفراد العائلة مش معناها بُعد… أحيانًا الحدود هي اللي بتحافظ على المحبة.

النهاية.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى