
الضابط الأول فضل واقف مكانه، وإيده لسه ماسكة الحاجة اللي طلعها من جيب مريم. بص لها… وبعدين بص لزميله. ولأول مرة من بداية الموقف، اختفت نبرة الثقة من صوتهم.
قال الضابط التاني بصوت منخفض:
— إنتِ… إزاي الحاجة دي معاكي؟
مريم ماجاوبتش. كانت لسه واقفة وإيديها متكلبة ورا ضهرها، لكن ملامحها كانت هادية بشكل أربكهم.
الضابط الأول قرب منها وقال:
— إنتِ مين بالضبط؟
مريم ابتسمت ابتسامة بسيطة وقالت:
— السؤال ده كان المفروض تسألوه قبل ما تحطوا الكلابشات في إيدي.
الضابط بص للحاجة اللي في إيده مرة تانية. كانت بطاقة معدنية صغيرة عليها رقم رسمي وختم جهة حكومية، ومعاها مفتاح إلكتروني صغير. الضابط التاني مد إيده بسرعة وقال:
— هاتها.
الضابط الأول ناولهاله. قلبها الضابط التاني بين صوابعه، وبعدها قربها من عينه. وفجأة قال:
— دي مش بطاقة عادية.
مريم ردت بهدوء:
— عارفة.
— طب كانت في جيبك ليه؟
مريم سكتت لحظة، وبعدين قالت:
— لأنها تخص شخص كان المفروض يقابِلني من ساعة تقريبًا.
الضابط الأول ابتلع ريقه:
— مين الشخص ده؟
مريم رفعت عينيها له وقالت:
— الشخص اللي إنتوا كنتوا المفروض تبلغوه بمجرد ما وقفتوني.
الضابطين بصوا لبعض. لكن قبل ما أي واحد فيهم يتكلم، سمعوا صوت موبايل بيرن. كان موبايل الضابط التاني. بص للشاشة… وتغير لون وشه. المكالمة كانت من رقم محفوظ عنده باسم: “العميد سامح”.
بص لمريم. وبعدين بص للموبايل. ورفض المكالمة. لكن بعد ثواني، الموبايل رن تاني. المرة دي، الضابط الأول قال بسرعة:
— رد.
الضابط التاني فتح الخط.
— أيوه يا فندم…
جاله صوت غاضب من الناحية التانية. ماكانش واضح لمريم كل الكلام، لكن كانت شايفة كويس جدًا تعبيرات وش الضابط. في البداية كان متماسك. بعدها بدأ يتوتر. وبعدين قال:
— حاضر يا فندم… بس إحنا…
سكت. وبص لمريم.
— حاضر. مفهوم.
وقفل المكالمة. ثواني من الصمت عدت. وبعدين قال لزميله:
— فك الكلابشات.
الضابط الأول بص له بدهشة:
— إيه؟
— قولت فكها. حالًا.
مريم سمعت الكلام، لكنها مااتحركتش. وقالت بهدوء:
— لا.
الضابطين بصوا لها باستغراب. قال الأول:
— إيه يعني لا؟
مريم ردت:
— مش هتتحل الكلابشات وخلاص. أنا عايزة أعرف مين أمر باحتجازي، وليه اتعاملتوا معايا بالطريقة دي.
الضابط الأول بدأ يتوتر:
— إنتِ مش فاهمة الموقف.
مريم قالت:
— بالعكس… أنا بدأت أفهمه كويس جدًا.
ثم بصت للبطاقة المعدنية الموجودة في إيد الضابط.
— والحاجة دي هي اللي خلتكم تفهموا إنكم غلطتوا.
الضابط التاني قرب منها وقال:
— اسمعي… خلينا ننهي الموضوع هنا.
مريم هزت رأسها:
— أنا كنت ممكن أنهيه من أول دقيقة لو كنتم احترمتوني وسألتوني بطريقة طبيعية. لكن دلوقتي الموضوع اتغير.
الضابط الأول قال بعصبية:
— إنتِ عايزة إيه؟
مريم ردت:
— عايزة تسجيل رسمي لكل اللي حصل من لحظة ما وقفتوني.
الضابطين سكتوا. لأنهم في اللحظة دي اكتشفوا حاجة أخطر… مريم ماكانتشي بنت عادية اتقفشت في موقف عابر. كانت عارفة بالضبط إيه اللي بتعمله. لكن اللي ماكانوش يعرفوه… إن مريم كانت متوقعة إن يحصل لها موقف زي ده من الأساس.
وعشان كده، قبل ما تخرج من بيتها الصبح، كانت حاطة في جيبها حاجة تانية أخطر بكتير من البطاقة والمفتاح… حاجة لو ظهرت قدامهم، ممكن تكشف مين اللي أصدر التعليمات بإيقافها من البداية.
مدت مريم رأسها قليلًا ناحية الضابط وقالت:
— لسه فاكرين إني كنت لوحدي؟
الضابط الأول عقد حاجبيه:
— يعني إيه؟
ابتسمت مريم وقالت:
— يعني إن كل اللي حصل من أول ما وقفتوني… كان متسجل.
وساعتها فقط… سمعوا صوتًا قادمًا من داخل سيارتها. صوت تسجيل بدأ يشتغل تلقائيًا. والجملة الأولى اللي خرجت من السماعة كانت:
— تم رصد السيارة قبل دقائق من نقطة التفتيش…
الضابطان اتجمدا في مكانهما. لأن التسجيل لم يكن مجرد تسجيل لما حدث معهم… بل كان يحتوي على اسم الشخص الذي أمر بمراقبة مريم أصلًا.
خرج الصوت من داخل العربية واضحًا:
— تم رصد السيارة قبل دقائق من نقطة التفتيش…
الضابطان بصوا ناحية العربية في توتر. الضابط الأول حاول بسرعة يفتح باب العربية ويوقف التسجيل، لكن مريم قالت:
— ماتلمسش العربية.
وقف مكانه. وبص لها بغضب:
— إنتِ بتلعبي معانا؟
ردت مريم بهدوء:
— أنا ما بلعبش. أنا بس بخلي كل واحد يتحمل نتيجة تصرفاته.
التسجيل استمر:
— الهدف دخل الطريق الزراعي الساعة 11:42، وسيتم إيقاف السيارة عند العلامة الثالثة…
الضابط التاني بدأ يعرق. بص لزميله وقال بصوت منخفض:
— إحنا ماكناش عارفين إن الموضوع متسجل.
مريم سمعته. وقالت:
— وده بالضبط اللي أنا كنت مستنياه.
الضابط الأول قرب منها:
— مين إنتِ؟
مريم ما ردتش. فجأة، ظهر من بعيد صوت سيارة مسرعة. وبعد ثواني، وقفت سيارة سوداء خلف عربية الشرطة. نزل منها رجل في الخمسينات من عمره، يرتدي ملابس مدنية، لكن هيبته وطريقة تحركه خلت الضابطين يقفوا مستقيمين تلقائيًا. اتجه ناحية مريم. وأول ما شافها، قال:
— مريم… إنتِ كويسة؟
هزت رأسها:
— أنا كويسة. بس هما محتاجين يجاوبوا على شوية أسئلة.
الرجل بص للضابطين:
— مين اللي طلب منكم توقفوا العربية دي؟
الضابط الأول حاول يتكلم:
— يا فندم، كان مجرد إجراء روتيني…
قاطعه الرجل:
— أنا ما سألتش عن تفسير. سألت: مين أصدر التعليمات؟
سكت الضابط. الرجل مد إيده ناحية مريم، وأخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا. ثم قال:
— فكوا الكلابشات.
الضابط الثاني نفذ الأمر فورًا. أول ما إيدي مريم اتحررت، فركت معصميها بهدوء، ثم أخذت البطاقة المعدنية من يد الضابط. وقالت:
— دي مش بتاعتي. أنا كنت محتاجة أتأكد بس إنها هتوصل للي المفروض يشوفها.
الرجل بص لها باستغراب:
— إنتِ كنتِ متوقعة إنهم يوقفوكي؟
مريم قالت:
— كنت متوقعة إن حد يحاول يوقفني، لكن ما توقعتش إنهم يستخدموا القوة.
ثم أشارت إلى السيارة:




