قصص وروايات

مريم 2

— وعشان كده خليت التسجيل يبدأ قبل ما أوصل لنقطة التفتيش.

الضابط الأول بدأ يدرك خطورة الموقف:

— يا فندم، إحنا ماكناش نعرف مين هي.

الرجل رد بحزم:

— وده مش مبرر لاستخدام القوة ولا احتجاز شخص من غير سبب واضح.

ثم أخرج هاتفه واتصل برقم:

— أيوه… ابعتوا عربية تانية فورًا. وخلي التسجيلات دي تتحفظ رسميًا.

مريم وقفت ساكتة. لكنها كانت تعرف إن القصة لسه ما انتهتش. لأن التسجيل الذي كان في السيارة لم يكن يحتوي فقط على تفاصيل توقيفها. كان يحتوي على محادثة حصلت قبل ساعات. محادثة بين شخص مجهول ورجل آخر، وفيها جملة واحدة كانت كافية لتغيير كل شيء:

— لازم نوقف مريم قبل ما توصل القاهرة… لأنها لو وصلت، هتسلم الملف.

الرجل اللي وصل بالعربية السوداء بص لمريم وقال:

— الملف لسه معاكي؟

مريم حطت إيدها على شنطتها:

— أيوه.

اتغيرت ملامح الرجل:

— يبقى إحنا عندنا مشكلة أكبر مما كنا متوقعين.

سأله الضابط الثاني بتوتر:

— ملف إيه يا فندم؟

مريم بصت له. وقالت:

— الملف اللي بسببه اتوقفت النهارده.

سكت الجميع. ثم فتحت مريم شنطتها وأخرجت ظرفًا بنيًا سميكًا. كان عليه ختم رسمي. لكن قبل ما تسلمه للرجل، سمعوا صوت فرامل قوية خلفهم. سيارة أخرى توقفت على الطريق. ونزل منها رجل مجهول. وبمجرد ما شاف الظرف في يد مريم… صرخ:

— ما تسلميش الظرف ده لأي حد!

مريم اتجمدت. والرجل اللي بجانبها التفت إليه بحدة. لأن صوته كان مألوفًا جدًا… وكان آخر شخص يتوقعون ظهوره في المكان.

مريم فضلت ثابتة مكانها، والظرف البني لسه في إيدها. الرجل الغريب نزل من عربيته بسرعة، وقرب منهم وهو بيكرر:

— ما تسلميش الظرف ده لأي حد!

الرجل اللي كان واقف جنب مريم اتحرك خطوة للأمام وقال بحدة:

— إنت مين؟ وإيه اللي جابك هنا؟

الغريب وقف، وبص له للحظات، ثم قال:

— أنا جاي أمنع كارثة.

الضابطان كانوا واقفين في صمت، مش فاهمين حاجة. أما مريم فكانت بتبص للرجل الغريب وكأنها بتحاول تفتكر صوته. وفجأة قالت:

— أنا عارفة صوتك.

الرجل اتوتر:

— مستحيل.

مريم ردت:

— بالعكس… أنا سمعته قبل كده.

ثم قربت منه خطوة.

— إنت كنت في التسجيل.

الرجل سكت. الرجل الآخر التفت لمريم بسرعة:

— متأكدة؟

مريم أومأت:

— أيوه. نفس الصوت.

الضابط الأول بدأ يتراجع ببطء. لكن الرجل الغريب قال:

— إنتِ فاهمة غلط. أنا كنت بحاول أحميكي.

مريم ردت:

— لو كنت بتحاول تحميني، ماكنتش هتقول للناس يوقفوني قبل ما أوصل القاهرة.

الرجل سكت. وهنا أخرج الرجل الآخر هاتفه وقال:

— كل كلمة بتقولها دلوقتي بتتسجل. فكر كويس قبل ما تتكلم.

الغريب ابتسم ابتسامة قصيرة:

— إنتوا فاكرين إن الظرف هو المشكلة؟

مريم بصت للظرف:

— مش هو؟

هز الرجل رأسه:

— الظرف مجرد نسخة.

سادت لحظة صمت ثقيلة. مريم فتحت عينيها بدهشة:

— نسخة؟

— أيوه. الأصل مش معاكي.

الرجل الآخر سأله:

— فين الأصل؟

الغريب لم يرد. مريم بدأت تفكر بسرعة. ثم تذكرت شيئًا. قبل خروجها من البيت، كانت والدتها قد أعطتها سلسلة مفاتيح قديمة وقالت لها:

— خدي دي معاكي، بس ما تفتحيش الدرج اللي في المكتب غير لما تعرفي الحقيقة كاملة.

مريم وقتها ما فهمتش المقصود. لكن الآن… بدأت الصورة تكتمل. مدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت سلسلة المفاتيح. الرجل الغريب بمجرد ما شافها، تغير وجهه. قال بصوت منخفض:

— إنتِ معاكي المفتاح؟

مريم بصت له:

— مفتاح إيه؟

الرجل لم يرد. لكن الرجل الذي بجوارها فهم فورًا:

— المفتاح ده بيفتح إيه؟

الغريب قال:

— مكان محدش المفروض يعرف عنه حاجة.

مريم ضغطت على السلسلة في إيدها:

— أمي كانت عارفاه؟

الغريب سكت. وهنا أدركت مريم أن الموضوع لم يبدأ اليوم. وأن توقيفها على الطريق لم يكن صدفة. بل كان محاولة أخيرة لمنعها من الوصول إلى شيء مخفي منذ سنوات.

وفجأة، رن هاتف مريم. نظرت إلى الشاشة. رقم مجهول. ردت. جاءها صوت امرأة مرتجف:

— مريم… اسمعيني كويس. ما تثقيش في أي حد واقف معاكي دلوقتي.

مريم تجمدت:

— مين حضرتك؟

الصوت قال:

— أنا الشخص الوحيد اللي يعرف الحقيقة كاملة عن والدك.

مريم شهقت:

— أبويا؟!

ثم انقطع الاتصال. رفعت مريم عينيها ببطء. الرجل الذي بجانبها كان ينظر إليها بصدمة. أما الرجل الغريب… فكان قد بدأ يتراجع ناحية سيارته. مريم صاحت:

— استنى!

لكنه فتح باب عربيته بسرعة. وقبل ما يركب، قال جملة واحدة:

— لو عايزة تعرفي الحقيقة عن أبوكي… روحي للمخزن القديم في محطة القطار قبل الساعة ستة.

ثم انطلق بسيارته. مريم بصت للساعة. كانت الخامسة وعشر دقائق. يعني قدامها أقل من ساعة. لكنها لم تكن تعرف أن شخصًا آخر كان يراقب المشهد كله من داخل سيارة متوقفة على مسافة بعيدة. وكان ينتظر فقط… أن تتحرك مريم ناحية محطة القطار. لأن هناك، كانت تنتظرها الحقيقة التي أخفاها والدها عنها لأكثر من عشر سنوات.

مريم فضلت واقفة مكانها ثواني، مش قادرة تستوعب كل اللي حصل. من أقل من ساعة كانت مجرد بنت راجعة بيتها. دلوقتي بقى عندها ظرف مختوم، مفتاح غامض، تسجيل ممكن يفضح ناس، ورسالة بتقول إن والدها كان مخبي عنها سر بقاله أكتر من عشر سنين.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى