
بصت للرجل اللي واقف جنبها وقالت:
— أنا رايحة محطة القطار.
رد فورًا:
— مش لوحدك.
— أنا لازم أعرف الحقيقة.
— وأنا لازم أتأكد إنك توصلي هناك بأمان.
مريم ركبت عربيتها، لكن قبل ما تدور الموتور، وقفت فجأة:
— استنى…
بصت في المراية. العربية اللي كانت واقفة بعيد اتحركت ببطء. قالت:
— العربية دي كانت واقفة من أول ما وصلنا.
الرجل التفت إليها:
— شايفاها؟
— أيوه.
— يبقى ما نروحش من الطريق المباشر.
تحركوا، لكن بدل ما يتجهوا للمحطة، دخلوا شارع جانبي. بعد دقائق، اختفت العربية التي كانت تراقبهم. الرجل قال:
— دلوقتي نقدر نروح.
مريم لم ترد. كانت تفكر في والدها. والدها الذي توفي وهي في السابعة عشرة، وكان الجميع يقول لها إنه مات في حادث سيارة. طوال السنين، لم تشك في أي شيء. لكن الآن… بدأت كل التفاصيل القديمة تظهر بشكل مختلف. لماذا كانت والدتها ترفض الحديث عن آخر أيامه؟ لماذا احتفظت بالمفتاح طوال هذه السنوات؟ ولماذا قال الرجل الغريب إن الحقيقة تخص والدها؟
وصلت مريم إلى محطة القطار قبل السادسة بدقائق. المكان كان شبه مهجور. المخزن القديم كان في آخر رصيف، بعيدًا عن حركة المسافرين. وقفت أمام بابه الحديدي. أخرجت المفتاح. لكنها لم تدخل. قالت للرجل الذي معها:
— لو حصل أي حاجة، الظرف ده لازم يوصل للجهة المختصة.
— مش هتحصلك حاجة.
— أتمنى.
أدخلت المفتاح في القفل. صدر صوت معدني. ثم انفتح الباب. دخلت مريم ببطء. كان المكان مظلمًا ومليئًا بصناديق قديمة. وفي منتصف المخزن، كان هناك مكتب خشبي صغير. مريم قربت منه. لاحظت درجًا مقفولًا. أخرجت المفتاح الثاني. دخل المفتاح بسهولة. فتحت الدرج. وكان بداخله… صندوق معدني أسود.
مريم أخرجته ووضعته على المكتب. فتحت الغطاء. وجدت مجموعة صور قديمة، وملفًا بنيًا، ومسجل صوت صغير. أخذت أول صورة. تجمدت. كانت صورة لوالدها… لكن لم يكن وحده. كان واقفًا بجوار نفس الرجل الذي حاول إيقافها اليوم.
مريم همست:
— مستحيل…
أخذت الصورة الثانية. والدها كان يقف أمام مبنى حكومي. أما الصورة الثالثة… فكانت لوالدتها. لكن المفاجأة أن الصورة كانت مؤرخة قبل وفاة والدها بشهر واحد فقط. مريم بدأت تقلب الصور بسرعة. ثم وجدت ورقة مكتوبة بخط يد والدها. فتحتها. وكان أول سطر فيها:
— لو مريم وصلت للرسالة دي، يبقى أنا فشلت في حمايتها.
توقفت أنفاسها. كملت القراءة:
— مريم، لو بتقري الكلام ده، ما تثقيش في أي حد يقول لك إن موتي كان حادث.
وقعت الورقة من إيدها. الرجل الذي معها قال:
— كملي.
مريم رفعت الورقة مرة أخرى. السطر التالي كان أخطر:
— أنا اكتشفت شبكة بتزوّر مستندات وتبيع معلومات سرية، وكان فيه ناس من داخل المؤسسة بيساعدوهم.
مريم وضعت يدها على فمها. ثم قرأت:
— أنا حاولت أبلغ، لكن قبل ما أقدر أكشف الأسماء، عرفت إنهم وصلوا لي.
وفجأة… صدر صوت من خلفهما. طَق! الباب الحديدي للمخزن اتقفل. مريم التفتت بسرعة. الرجل معها اتجه للباب وحاول فتحه. كان مقفولًا من الخارج. ثم سمعوا صوت خطوات تقترب. خطوة… ثم خطوة أخرى…
مريم أمسكت بالملف بقوة. وجاء صوت رجل من خلف الباب:
— كنت أتمنى إنك ما توصليش للمكان ده يا مريم.
تجمدت في مكانها. لأنها عرفت الصوت فورًا. كان صوت الشخص الذي ظهر في التسجيل. والأخطر من كده… إن الرجل لم يكن غريبًا عليها. كان شخصًا تعرفه منذ طفولتها. وكان آخر شخص تتوقع أن يكون له علاقة بسر وفاة والدها.
مريم فضلت واقفة قدام الباب، وقلبها بيدق بسرعة. الصوت اللي جه من ورا الباب كان واضحًا. صوت رجل تعرفه من زمان. قال مرة تانية:
— كنت أتمنى إنك ما توصليش للمكان ده يا مريم.
بصت للرجل اللي معاها، وهمست:
— ده… عمي فؤاد.
الرجل هز رأسه ببطء:
— إنتِ متأكدة؟
— أيوه. مستحيل أنسى صوته.
من خلف الباب، قال عمها:
— مريم، افتحي الباب وخلينا نتكلم بهدوء.
صرخت:
— ليه قفلت علينا؟
— علشان أحميكي.
مريم ضحكت بمرارة:
— تحميني؟ بعد ما حاولتوا توقفوني في الطريق؟ وبعد ما اتكلبتش؟ وبعد ما حاولت تمنعني أوصل للحقيقة؟
ساد صمت. ثم قال عمها:
— اللي حصل في الطريق ماكنتش أنا اللي أمرت بيه.
مريم ردت فورًا:
— بس إنت كنت عارف إنهم هيوقفوني.
لم يجب. وهنا فهمت أن صمته كان إجابة. رفعت مريم الملف أمام عينيها:
— أبويا كان عارف إن فيه ناس بتسرق ملفات وبتزوّر مستندات، صح؟
جاء صوت عمها:
— أبوك اكتشف حاجة أكبر من كده.
— إيه؟
— اكتشف إن واحد من أقرب الناس ليه كان جزء من الموضوع.
مريم تجمدت:
— مين؟
لم يجب. صرخت:
— مين يا عمي؟!
فجاء الرد:
— لو قلت لك اسمه، حياتك هتتغير للأبد.




