
مريم فتحت الملف بسرعة. وجدت ورقة عليها عدة أسماء. كانت تقرأ اسمًا وراء اسم… ثم توقفت. اسم واحد جعل الدم يتجمد في عروقها. اسم عمها فؤاد نفسه.
رفعت الورقة وهي غير مصدقة:
— إنت؟!
من خلف الباب، جاء صوت عمها:
— الورقة دي مزورة.
مريم ردت:
— والصور؟ والتسجيل؟ وخط أبويا؟ كل ده مزور؟
سكت. ثم قال:
— أبوك كتب اسمي لأنه كان فاكر إني خنته.
— يعني خنته فعلًا؟
— لا.
— طب ليه كتب اسمك؟
صمت طويل. ثم قال عمها:
— لأنه اكتشف إن اللي بيحرك كل حاجة مش شخص واحد.
مريم نظرت للرجل الذي معها. ثم عادت تنظر إلى الباب:
— مين اللي ورا الموضوع؟
جاء صوت عمها منخفضًا:
— الشخص اللي كنتِ فاكرة طول عمرك إنه مات مع أبوكي في الحادث.
مريم شهقت:
— إيه؟
— أبوك ماكانش لوحده في العربية يوم الحادث.
وقعت الورقة من إيدها. كل حياتها كانت مبنية على حقيقة واحدة: أن والدها مات في حادث. لكن الآن… كانت تكتشف أن شخصًا آخر كان معه في السيارة. وشخصًا ما… نجا من الحادث.
فجأة، سمعوا صوت سيارة تتوقف أمام المخزن. ثم صوت باب سيارة يُغلق. عمها قال بسرعة من خلف الباب:
— مريم، اسمعيني كويس. الشخص اللي وصل دلوقتي أخطر من أي حد قابلتيه النهارده.
الرجل الذي معها أخرج هاتفه:
— مين؟
جاء صوت عمها:
— الشخص اللي كان موجود في السيارة يوم وفاة والدك.
مريم لم تستطع الكلام. خطوات بدأت تقترب من المخزن. ثم توقف شخص أمام الباب. ووضع يده على المقبض. لكن قبل أن يفتحه… رن هاتف مريم. نظرت للشاشة. رقم مجهول. ردت. وجاءها صوت رجل هادئ:
— مريم… لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة، ما تفتحيش الباب.
سألت وهي ترتجف:
— إنت مين؟
قال:
— أنا الشخص اللي أبوكي حاول ينقذه قبل ما يموت.
ثم أضاف:
— والراجل اللي واقف بره… هو مش الشخص اللي فاكرة إنه يكون.
انقطع الاتصال. مريم بصت للرجل اللي معاها. وفي اللحظة نفسها… انفتح الباب ببطء. ودخل رجل يحمل ملفًا قديمًا. رفع عينيه ناحية مريم وقال:
— أخيرًا قابلتك يا بنت أخويا.
مريم اتجمدت. لأنها كانت تعرف الرجل ده… لكن المفاجأة لم تكن في ظهوره. المفاجأة كانت في الشيء الذي كان يحمله في يده. كانت صورة قديمة لوالدها… وبجانبه رجل آخر يشبه مريم بشكل مخيف.
مريم فضلت واقفة مكانها، وعينيها معلقة بالصورة. الرجل اللي دخل المخزن رفعها قدامها وقال:
— شايفة الراجل اللي واقف جنب أبوكي؟
مريم قربت الصورة ببطء. ملامح الرجل كانت فعلًا قريبة منها بشكل غريب. قالت بصوت متقطع:
— مين ده؟
الرجل رد:
— أخوكِ.
مريم اتجمدت:
— أخويا؟! أنا معنديش إخوات!
الرجل هز رأسه:
— ده اللي والدتك كانت عايزاكي تصدقيه.
مريم رجعت خطوة للخلف:
— أمي كانت تعرف؟
— كانت تعرف كل حاجة.
الرجل حط الملف على المكتب:
— أبوك اكتشف قبل وفاته إن فيه مستندات مهمة بتتسرق وتتبدل، ولما بدأ يدور ورا الموضوع، اكتشف إن فيه شخصًا قريبًا منه متورط. لكنه اكتشف كمان إن عنده ابنًا آخر من زواج سابق، وكان الابن ده شاهد على جزء من اللي حصل.
مريم بصت للصورة مرة تانية:
— طب هو فين دلوقتي؟
الرجل سكت. ثم قال:
— هو السبب الحقيقي اللي خلا أبوكي يخاف عليكي.
في اللحظة دي، تدخل عمها من خلف الباب بعد ما تم فتحه، وقال:
— كفاية. لازم تعرف الحقيقة كلها.
مريم التفتت له بغضب:
— الحقيقة كلها؟ بعد عشر سنين؟
عمها قال:
— أبوك ما ماتش بسبب حادث عادي.
مريم لم تتكلم. أكمل:
— العربية اتعرضت لحادث، لكن كان فيه حد لعب في نظام الفرامل قبلها.
مريم وضعت يدها على فمها:
— يعني أبويا اتقتل؟
عمها قال:
— ده كان الاعتقاد وقتها. لكن ماكانش عندنا دليل كافي.
ثم أخرج من جيبه هاتفًا قديمًا:
— لحد ما ظهر التسجيل ده.
شغّل التسجيل. خرج صوت والد مريم:
— لو حصل لي أي حاجة، مريم لازم تعرف إن الملف موجود عند الشخص اللي وثقت فيه أكتر من أي حد.
مريم دمعت عيناها:
— مين الشخص؟
انتهى التسجيل. عمها نظر إليها:
— أمك.
مريم شعرت أن الأرض تحركت تحت قدميها. لكن الرجل الذي دخل المخزن هز رأسه:
— لا. أمها كانت بتحمي الملف، مش بتخفيه علشان تأذيها.
مريم بصت له:
— طب ليه ماقالتش لي؟
رد:
— لأن الشخص اللي كان بيدور على الملف كان قريب جدًا منكم. ولو عرف إن الملف معاك، كان هيحاول ياخده بأي طريقة.
مريم تذكرت فورًا رجال المرور. والسيارة التي كانت تراقبها. والظرف. والبطاقة. والاتصال المجهول. وفهمت أخيرًا أن توقيفها على الطريق لم يكن مجرد موقف عابر. كان الهدف هو الوصول إلى الملف.
لكن كانت هناك مفاجأة أخيرة. الرجل أخرج ورقة من الملف ووضعها أمامها. كانت تحتوي على أسماء وتواريخ وتحويلات مالية. وفي أسفل الصفحة… كان هناك توقيع واضح. توقيع الشخص الذي أصدر أمر مراقبة مريم.
مريم قرأت الاسم. ثم رفعت عينيها ببطء:
— ده… الشخص اللي كان مسؤول عن التحقيق في حادث أبويا؟
عمها أومأ:
— أيوه.
ساد الصمت. ثم قالت مريم:
— يعني طول السنين دي… الشخص اللي المفروض يكتشف الحقيقة كان هو نفسه جزء منها؟
رد الرجل:
— عشان كده أبوكي خبّى النسخة الأصلية من الملف.
مريم فتحت الصندوق المعدني مرة أخرى. في القاع، كان هناك ظرف صغير لم تلاحظه من قبل. فتحته. وجدت بداخله رسالة قصيرة بخط والدها:




