
الجزء الثاني — الطفل الذي لم أعرف بوجوده ظللت واقفًا أمام أمي وكأنني لم أفهم كلماتها. كنت أسمع صوت المروحة في السقف، وصوت السيارات في الشارع، وحتى صوت أنفاسي… لكن عقلي كان عالقًا عند جملة واحدة: «كانت مريم حاملًا.» قلت بصوت مرتجف: — منذ خمس سنوات؟ أومأت خالتي نادية. — نعم.
التفتُّ إلى أمي.
— ولماذا أخفيتِ عني أنني سأصبح أبًا؟
خفضت أمي عينيها.
— لأن زواجك من مريم كان قد انتهى.
صرخت:
— انتهى؟! الطلاق لا يلغي وجود طفل!
قالت أمي بسرعة:
— كنت أعرف أنك ستعود إليها لو علمت بالحمل.
— وهل كان هذا سيئًا؟
لم تجب.
واصلت:
— كنتما تتشاجران طوال الوقت. كنت أرى كيف أصبحت حياتك معها. كنت أعتقد أنك تحتاج إلى بداية جديدة.
ضحكت بسخرية.
— بداية جديدة؟
ثم أشرت إلى نفسي.
— لقد قضيت خمس سنوات أعيش وأنا أعتقد أنني رجل بلا أبناء، بينما كان من المفترض أن يكون لدي طفل عمره أربع سنوات!
تدخلت خالتي نادية:
— عمر، اسمعني أولًا.
التفت إليها.
— ماذا هناك أيضًا؟
ترددت للحظات.
ثم قالت:
— مريم لم تكن تريد المال.
— ماذا؟
— عندما جاءت إلى والدتك، لم تطلب شيئًا. قالت إنها تريد فقط أن تعرف أين أنت، لأنها كانت تريد أن تخبرك بنفسها.
— وماذا حدث؟
نظرت خالتي إلى أمي.
لكن أمي ظلت صامتة.
قالت نادية:
— والدتك أخبرتها أنك سافرت، وأنك لا تريد أي علاقة بالماضي.
شعرت بالغضب يتصاعد داخلي.
— أنا لم أقل هذا!
— أعرف.
— وهل صدقتها مريم؟
— في البداية لا.
ثم أضافت خالتي:
— لكنها بعد فترة توقفت عن محاولة الوصول إليك.
جلست على الكرسي وأنا أشعر أن رأسي يدور.
قلت:
— أين الطفل الآن؟
لم تجب أمي.
كررت السؤال:
— أين ابني؟
ساد صمت طويل.
ثم قالت أمي:
— يعيش مع مريم.
أغمضت عيني.
طفل يبلغ من العمر أربع سنوات.
ابني.
كبر أربع سنوات كاملة دون أن يعرف أن له أبًا.
وفجأة تذكرت نظرة مريم في المطار عندما رأت سارة.
لم تكن نظرة غيرة.
كانت نظرة شخص يعرف سرًا كبيرًا.
قلت:
— ما اسم الطفل؟
ترددت أمي.
ثم قالت:
— اسمه يوسف.
شعرت بصدمة أخرى.
— يوسف؟
أومأت.
— مريم اختارت الاسم.
سألت:
— وهل يعرف أنني والده؟
قالت خالتي:
— لا أعتقد.
وقفت فورًا.
— سأذهب إليها.
أمسكت أمي بذراعي.
— عمر، لا تفعل شيئًا وأنت غاضب.
نزعت يدي من يدها.
— أنا لست غاضبًا فقط يا أمي.
نظرت إليها بعينين ممتلئتين بالدموع.
— أنا فقدت خمس سنوات من عمر ابني.
خرجت من المنزل واتجهت إلى سيارتي.
لكن قبل أن أدير المحرك، رن هاتفي.
كانت سارة.
نظرت إلى اسمها على الشاشة.
ترددت لحظات، ثم أجبت.
— نعم؟
قالت بصوت متوتر:
— عمر… أين أنت؟
— في الطريق.
— إلى أين؟
صمتُّ.
فقالت:
— هل أخبرتك والدتك بشيء؟
توقفت.
— لماذا تسألين؟
ساد الصمت في الطرف الآخر.
ثم قالت:
— لأنني أعتقد أن هناك شيئًا يجب أن تعرفه قبل أن تذهب إلى مريم.
شعرت بقلبي ينقبض.
— ماذا تقصدين؟
قالت:
— تعال إلى الفندق أولًا.
— سارة، ماذا تعرفين؟
بدأ صوتها يرتجف.
— أكثر مما تتخيل.
أغلقت الهاتف.
لم أذهب إلى الفندق.
بدلًا من ذلك، توجهت مباشرة إلى المطار.
كنت بحاجة إلى مواجهة مريم.
وبعد نحو أربعين دقيقة، وجدتها في إحدى الممرات الجانبية وهي ترتب أدوات التنظيف.
عندما رأتني، توقفت.
— عدت بسرعة.
قلت:
— لماذا لم تخبريني؟
لم تتظاهر بعدم الفهم.
— عرفت إذن.
— عرفت أن لدي ابنًا عمره أربع سنوات.
خفضت رأسها.
— نعم.
اقتربت منها.
— لماذا لم تبحثي عني؟
رفعت عينيها وقالت:
— بحثت.
— أين؟
— اتصلت بك. أرسلت رسائل. حاولت الوصول إليك عن طريق أصدقائك.
— ولم يصلني شيء.
ابتسمت بحزن.
— أعرف.
ثم أضافت:
— لأن والدتك كانت حريصة جدًا على ألا يصل إليك شيء.
شعرت بالغضب.
— وأنتِ؟ لماذا استسلمتِ؟
نظرت إلى الأرض.
— لأنني في النهاية تعبت.
سألتها:
— أين يوسف؟
ارتجفت ملامحها.
— لماذا تريد رؤيته؟
— لأنه ابني.
قالت بهدوء:
— نعم… لكنه ابني أيضًا.
— لم أقل إنني سأبعده عنك.
نظرت إليّ طويلًا.
ثم قالت:
— هناك شيء آخر يا عمر.
— ماذا؟
تنفست بعمق.
— يوسف ليس السبب الوحيد الذي أخفيته عنك.
شعرت بقلبي يتوقف للحظة.
— ماذا تقصدين؟
أخرجت هاتفها وفتحت صورة.
ثم مدت الهاتف نحوي.
نظرت إلى الشاشة.
كانت صورة لطفل صغير يرتدي قميصًا أبيض، ويبتسم أمام شجرة في حديقة.
كان عمره ربما أربع سنوات.
لكن الشيء الذي جعل الدم يتجمد في عروقي لم يكن وجهه.
كان الندبة الصغيرة فوق حاجبه الأيسر.
نفس الندبة التي كانت لدي منذ طفولتي.
رفعت عيني إلى مريم.
— ماذا حدث له؟
قالت:
— عندما كان عمره عامًا واحدًا، تعرض لحادث.
— وهل هو بخير؟
— نعم الآن.
ثم سكتت قليلًا وقالت:
— لكن في ذلك اليوم اكتشفت شيئًا جعلني أتأكد أن ما حدث بيننا لم يكن مجرد طلاق عادي.
قلت:
— ماذا اكتشفتِ؟
نظرت حولها لتتأكد ألا أحد يسمعنا.
ثم اقتربت مني وقالت بصوت منخفض:
— يوسف لم يكن هو الطفل الوحيد الذي كانت والدتك تخفيه عنك.
تجمدت.
— ماذا؟
لكن قبل أن تشرح، وصل إشعار إلى هاتفي.
رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت تحتوي على صورة لوثيقة رسمية.
وفي أعلى الصفحة كان مكتوبًا:
«إقرار أبوة — يوسف…»
لكن اسم الأب في الوثيقة لم يكن اسمي.
كان اسم رجل آخر.
نظرت إلى مريم مصدومًا.
— ما هذا؟
لم تجب.
ثم قالت:
— هذا هو السبب الحقيقي الذي جعلني أعمل في المطار كل هذه السنوات.
— لا أفهم.
قالت:
— لأنني كنت أحاول الوصول إلى الشخص الذي زوّر هذه الوثيقة.
وفي تلك اللحظة، وصلتني رسالة أخرى من الرقم نفسه:
«إذا كنت تريد معرفة الحقيقة كاملة، لا تثق بوالدتك… ولا بخطيبتك.»
رفعت عيني ببطء نحو مريم.
ولأول مرة منذ خمس سنوات، شعرت أنني لا أعرف أي شخص حولي كما كنت أعتقد.
يتبع…
الجزء الثالث — الاسم الموجود في الوثيقة
ظللت أحدق في الهاتف غير قادر على استيعاب ما أراه.
رفعت عيني إلى مريم وقلت:
— لماذا اسم رجل آخر موجود في وثيقة الأبوة؟
قالت بهدوء:
— لأن شخصًا ما أراد أن يجعل يوسف بعيدًا عنك قانونيًا.
— من؟
— لا أعرف يقينًا.
— وماذا تعرفين إذن؟
تنهدت مريم.
— أعرف أنني عندما ذهبت إلى مكتب تسجيل المواليد بعد ولادته، اكتشفت أن هناك إقرارًا بالأبوة قُدم قبل أن أصل.
— ومن قدمه؟
— رجل اسمه حسام الشاذلي.
تجمدت.
— لا أعرف هذا الاسم.
قالت:
— وأنا أيضًا لم أكن أعرفه قبل ذلك.
ثم أضافت:
— لكن اسم حسام ظهر في حياتنا قبل الطلاق بأسابيع.
بدأت أستعيد ذكريات قديمة.
كنت أتذكر أن أمي كانت تتحدث عن رجل يعمل في إحدى شركات الاستيراد، لكنها لم تكن قد ذكرت اسمه أمامي من قبل.
قلت:
— هل كان يعرف والدتي؟
هزت مريم رأسها.
— أكثر مما تتصور.
في تلك اللحظة رن هاتفي مرة أخرى.
كانت سارة.




