روايات وقصص

القصة كاملة

نظرت إلى الشاشة، ثم رفضت المكالمة.

بعد ثوانٍ وصلت رسالة منها:

«عمر، يجب أن نتحدث قبل أن تفعل شيئًا تندم عليه.»

قلت لمريم:

— سارة تعرف شيئًا.

أجابت:

— كنت متأكدة أنها ستعرف.

— لماذا؟

قالت:

— لأنها ليست أول مرة أراها.

رفعت حاجبي.

— ماذا تقصدين؟

نظرت إلى وجهي مباشرة.

— رأيتها قبل خمس سنوات.

شعرت بالصدمة.

— أين؟

— في اليوم الذي جئت فيه إلى منزل والدتك وأنا حامل.

لم أجد كلمات أقولها.

— سارة كانت هناك؟

— نعم.

— لكنها تقول إنها لم تكن تعرفك!

— لم تقل لي إنها تعرفني.

ثم ابتسمت مريم بحزن.

— لكنها كانت تعرف والدتك جيدًا.

شعرت أن الصورة أمامي بدأت تتضح بطريقة مخيفة.

قلت:

— أخبريني كل شيء.

جلست مريم على أحد المقاعد القريبة.

— عندما وصلت إلى منزل والدتك في ذلك اليوم، كنت أريد مقابلتك. كنت أحمل نتائج التحاليل، وكنت متأكدة أنني حامل منك.

— وماذا حدث؟

— والدتك فتحت الباب.

— ثم؟

— خلفها كانت سارة.

شعرت بأن قلبي انقبض.

— ماذا كانت تفعل هناك؟

— لم أعرف وقتها.

— وماذا قالت لك أمي؟

— قالت إنك غادرت المنزل، وإنك لا تريد رؤيتي.

— وأنا لم أقل ذلك.

— أعرف الآن.

سكتت قليلًا.

ثم قالت:

— لكنني في ذلك الوقت صدقتها جزئيًا.

— لماذا؟

— لأن سارة خرجت خلفها وقالت لي شيئًا.

— ماذا قالت؟

نظرت مريم في عيني.

— قالت: «لو كنتِ تحبينه فعلًا، اتركيه يبدأ حياة جديدة.»

شعرت ببرودة تسري في جسدي.

— كانت تعرفني منذ ذلك الوقت؟

— نعم.

سألت:

— وهل كانت خطيبتي؟

ضحكت مريم بسخرية.

— لا.

— إذن كيف كانت تعرفني؟

قالت:

— كانت تعمل مع والدتك في مشروع عائلي.

وضعت يدي على رأسي.

كل ما كنت أعرفه عن السنوات الماضية بدأ يبدو كذبة كبيرة.

قلت:

— ولماذا تزوجت سارة بي الآن؟

مريم لم تجب.

وفي تلك اللحظة رن هاتفي مرة أخرى.

لكن هذه المرة كان المتصل أمي.

أجبت.

— ماذا تريدين؟

قالت بصوت متوتر:

— عمر، أين أنت؟

— مع مريم.

صمتت.

ثم قالت:

— ابتعد عنها فورًا.

— لماذا؟

— لأنها تخدعك.

ضحكت بمرارة.

— ومن الذي خدعني طوال خمس سنوات؟

قالت:

— أنت لا تعرف الحقيقة كاملة.

— إذن أخبريني.

سكتت.

صرخت:

— أخبريني!

قالت أخيرًا:

— حسام الشاذلي هو والد يوسف.

شعرت بأن الدنيا توقفت.

نظرت إلى مريم.

كانت تراقبني بصمت.

قلت:

— هل تقولين إن يوسف ليس ابني؟

قالت أمي:

— نعم.

أغلقت الهاتف.

ثم نظرت إلى مريم.

— هل هذا صحيح؟

أخذت نفسًا عميقًا.

— لا.

— إذن لماذا يوجد اسمه في الوثيقة؟

— لأن الوثيقة مزورة.

— ومن زوّرها؟

قالت:

— لا أعرف.

ثم أضافت:

— لكنني أعرف لماذا فعلوا ذلك.

اقتربت منها.

— لماذا؟

قالت:

— لأن يوسف ورث شيئًا عن عائلتك.

— ماذا؟

— شيئًا كانت والدتك تخشى أن يصل إليك.

توقفت للحظة، ثم قالت:

— قبل طلاقنا بشهر، اكتشفت أن والدك ترك لك أسهمًا وحسابات استثمارية كبيرة. والدتك كانت تديرها مؤقتًا بحجة أنك كنت خارج البلاد.

تذكرت وقتها أن أبي توفي قبل سنوات طويلة، وأن أمي كانت تقول دائمًا إن أموره المالية انتهت.

لكنني لم أكن أعرف التفاصيل.

قلت:

— وما علاقة يوسف؟

أجابت:

— إذا ثبت قانونيًا أن يوسف ابنك، فإن له حقوقًا في جزء من تلك الممتلكات.

اتسعت عيناي.

— إذن كان الهدف هو إخفاء ابني حتى لا يحصل على حقه؟

قالت:

— هذا ما أعتقده.

سألت:

— لكن لماذا أنتِ هنا في المطار؟

ابتسمت مريم.

— لأن حسام يعمل في شركة شحن تتعامل مع المطار.

توقفت.

— كنتِ تراقبينه؟

— كنت أحاول جمع الأدلة.

ثم أخرجت من حقيبتها ظرفًا بنيًا.

مدته نحوي.

— هذه نسخة من التحاليل الطبية.

فتحت الظرف.

كانت هناك أوراق قديمة تحمل اسمي.

تحليل DNA.

نظرت إلى مريم.

— لماذا لم تخبريني بهذا من قبل؟

قالت:

— لأنني لم أكن أريد أن أعود إلى حياتك.

— لكنك كنت تريدين أن يعرف يوسف والده.

— بالطبع.

ثم قالت:

— ولهذا السبب انتظرت خمس سنوات.

سألت:

— لماذا الآن؟

نظرت إلى هاتفي.

— لأنك عدت.

وقبل أن أجيب، وصل إشعار جديد.

كانت صورة لطفل صغير مع رجل يقف خلفه.

الرجل كان حسام الشاذلي.

وتحت الصورة جملة واحدة:

«إذا كنت تريد ابنك، تعال وحدك إلى العنوان المرفق.»

ثم ظهر عنوان في مدينة الإسكندرية.

نظرت إلى مريم.

— هل تعرفين هذا المكان؟

تغير وجهها فورًا.

— نعم.

— ما هو؟

قالت بصوت خافت:

— المنزل الذي أخفى فيه حسام شيئًا عني طوال أربع سنوات.

— ماذا؟

نظرت إليّ وقالت:

— ليس يوسف وحده من كان يعيش هناك.

وفي تلك اللحظة، أدركت أن السر الذي بدأت قصته بحمل مخفي…

قد يكون أكبر بكثير مما تخيلت.

يتبع…
الجزء الرابع — البيت في الإسكندرية

لم أنتظر لحظة واحدة.

أخذت الظرف من يد مريم وقلت:

— سأذهب إلى الإسكندرية الآن.

وقفت مريم بسرعة.

— لن تذهب وحدك.

— الرسالة قالت إن أذهب وحدي.

— وهذا بالضبط سبب عدم ذهابك وحدك.

نظرت إليها باستغراب.

قالت:

— الشخص الذي أرسل لك الرسالة يريدك غاضبًا وخائفًا. وهذا يعني أنه يريد أن يدفعك إلى ارتكاب خطأ.

كان كلامها منطقيًا.

لكنني كنت أريد رؤية ابني.

إن كان يوسف موجودًا فعلًا في ذلك المنزل، فلن أسمح لأي شخص بإخفائه عني مرة أخرى.

قلت:

— سأذهب، لكنك ستبقين على اتصال معي.

أومأت.

ركبت سيارتي وانطلقت نحو الإسكندرية.

طوال الطريق، لم أستطع التوقف عن التفكير في السنوات الخمس الماضية.

كنت أعتقد أنني ضحية زواج فاشل.

ثم اكتشفت أن لدي طفلًا.

ثم اكتشفت أن هناك وثيقة تحمل اسم رجل آخر.

والآن هناك منزل سري في الإسكندرية.

بعد ساعات وصلت إلى العنوان.

كان منزلًا قديمًا في شارع هادئ، تحيط به أشجار كثيفة.

أوقفت السيارة بعيدًا قليلًا.

اتصلت بمريم.

— وصلت.

قالت:

— هل ترى أحدًا؟

— لا.

— لا تدخل قبل أن تتأكد.

لكنني كنت قد نزلت من السيارة بالفعل.

اقتربت من الباب.

كان مفتوحًا.

دفعت الباب ببطء.

— هل يوجد أحد هنا؟

لم يجبني أحد.

دخلت.

كان المنزل فارغًا تقريبًا.

غرفة معيشة، مطبخ، ممر طويل.

ثم سمعت صوتًا خافتًا من الطابق العلوي.

صوت طفل.

توقفت أنفاسي.

صعدت الدرج بسرعة.

فتحت أول باب.

لا أحد.

الثاني.

فارغ.

ثم وصلت إلى آخر غرفة.

فتحت الباب.

وكان هناك طفل صغير يجلس على الأرض ويلعب بسيارة خشبية.

رفع رأسه نحوي.

تلاقت عيناي بعينيه.

شعرت بشيء غريب.

لم أره من قبل.

ومع ذلك، شعرت أنني أعرفه.

قلت بصوت مرتجف:

— يوسف؟

توقف الطفل عن اللعب.

ثم قال:

— أنت مين؟

لم أستطع الرد.

جلست على ركبتي أمامه.

— اسمي عمر.

حدق بي طويلًا.

ثم قال:

— أنت صاحب الصورة.

تجمدت.

— أي صورة؟

أشار إلى طاولة صغيرة بجانبه.

كانت عليها صورة قديمة.

صورة لي ولأمه.

صورة من أيام زواجنا.

قلت:

— من أعطاك هذه؟

قال:

— خالتي مريم.

اقتربت منه.

— أين أمك؟

أجاب:

— قالت إنها هترجع.

ثم أضاف:

— بس الراجل اللي كان هنا قال إنها مش هترجع.

شعرت بالخوف.

— أي رجل؟

وقبل أن يجيب، سمعت صوت باب المنزل يُغلق في الأسفل.

ثم خطوات تقترب من الدرج.

وقفت فورًا أمام يوسف.

ظهر رجل في نهاية الممر.

كان في الخمسين تقريبًا.

عرفته فورًا من الصورة.

حسام الشاذلي.

ابتسم.

— كنت أعرف أنك ستأتي.

قلت:

— أين مريم؟

قال:

— ليست هنا.

— ماذا فعلت بها؟

ضحك.

— أنت لا تزال تفكر بالطريقة نفسها.

تقدمت نحوه.

— ابتعد عن الطفل.

قال:

— الطفل ليس مشكلتك الوحيدة.

— ماذا تريد؟

اقترب خطوة.

— أريدك أن تسمع الحقيقة قبل أن تحكم عليّ.

قلت:

— الحقيقة هي أنك أخفيت ابني.

هز رأسه.

— لا.

ثم نظر إلى يوسف.

— أنا أنقذته.

تجمدت.

— من ماذا؟

قال:

— من والدتك.

شعرت بصدمة.

— أمي؟

— نعم.

ضحك حسام.

— والدتك لم تكن تريد أن تعرف بوجوده. وعندما عرفت أنه وُلد، حاولت أن تضمن ألا يحصل على أي شيء من ميراث والدك.

قلت:

— لكن لماذا كنت أنت موجودًا في كل هذا؟

أخرج ملفًا من حقيبته.

— لأن والدك كان شريكي في بعض الأعمال.

فتحت الملف.

كانت هناك عقود قديمة.

ثم رأيت توقيع والدي.

قال حسام:

— والدك ترك لك شركة كاملة، وليس مجرد حسابات.

نظرت إليه.

— لماذا لم أعرف؟

— لأن والدتك أخبرت الجميع أنك تنازلت عنها قبل وفاته.

شعرت بالغضب.

— هذا مستحيل.

قال:

— لهذا السبب تحتاج إلى قراءة آخر ورقة.

أخرج وثيقة أخرى.

كانت تحمل توقيعي.

لكنني لم أتذكر أنني وقعت عليها.

قرأت السطر الأول.

إقرار بالتنازل عن جميع الحقوق المالية والعقارية.

قلت:

— هذا التوقيع مزور.

قال حسام:

— أعرف.

ثم نظر إليّ وقال:

— لكن المحكمة لم تكن تعرف ذلك.

فجأة سمعنا صوت سيارة تتوقف أمام المنزل.

ثم صوت باب سيارة يُغلق.

نظر حسام نحو النافذة.

تغير وجهه.

قلت:

— من جاء؟

لم يجب.

بعد ثوانٍ فتح الباب.

دخلت سارة.

وقفت عند المدخل، ووجهها شاحب.

نظرت إليّ ثم إلى يوسف.

ثم قالت:

— عمر… لا تقترب من الطفل.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى