روايات وقصص

المفتاح النحاس بقلم محمد عبده

الجزء الثاني: قائد الشرطة اللي كان فاكر إن محدش يقدر يقف قصاده
فضلت واقفة ورا الباب، حاضنة آدم بإيدي، وبحاول أتحكم في توتر جسمي.

الخبط على الباب اتكرر، المرة دي كان أقوى.

— مدام نجلاء! أنا مش هفضل واقف بره كتير. افتحي الباب، لازم نحل الموضوع ده بهدوء.

بصيت لابني، لقيته بيهز راسه بسرعة، ودموعه بتنزل على خده.

— ماما، أرجوكي، ما تفتحيش… يوسف قال إن أبوه هيعمل حاجة تضايقك لو حكيتِ.

الجملة دي خلت اللون ينسحب من وشي.

يعني الموضوع ما كانش مجرد خلاف بين طفلين، ولا حتى تصرف متهور من ولد أكبر من ابني. كان فيه كلام واضح فيه ضغط، وابني كان عايش في قلق حقيقي.

حطيت إيدي على كتفه وقلت له بهدوء:

— اسمعني يا حبيبي، إنت ما عملتش حاجة غلط. ومهما حصل، أنا مش هسيب حد يضايقك.

بعدها طلبت منه يقعد على الكنبة من غير ما يحرك دراعه، وجبت مخدة صغيرة أسندها تحته. ما حاولتش أعدّل الخشب أو أربط دراعه من جديد، لأن التورم والألم كانوا واضحين، وكان لازم طبيب يشوفه في أسرع وقت.

اتصلت بالإسعاف، وطلبت منهم المساعدة بسبب الأذى في دراعه.

وقبل ما أرجع ناحية الباب، سمعت صوت العميد شريف من بره:

— أنا عارف إن ابنك جوه، وعارف إنه اشتكى من ابني. لكن قبل ما تكبّري الموضوع، لازم تسمعي رواية يوسف.

فتحت الباب فتحة صغيرة، ووقفت قدامه.

كان لابس الزي الرسمي، وعلى وشه ابتسامة باردة، من النوع اللي يخليك تحس إنه متعود الناس توافقه قبل حتى ما يشرح هو عايز إيه.

قلت له:

— ابني مصاب، وأنا طلبت الإسعاف. لو حضرتك عايز تتكلم، اتفضل وضّح لي إيه اللي حصل.

بص من فوق كتفي، وكأنه بيدور على آدم جوه البيت.

— اللي حصل إن ابنك اتخانق مع ابني في المدرسة، ورفض يرجّع له حاجة تخصه. الموضوع خرج عن السيطرة، لكن الأطفال ساعات بيبالغوا في وصف اللي حصل.

رفعت الورقة اللي لقيتها مخبّية في هدوم آدم.

— ودي كمان مبالغة من طفل؟

أول ما شاف الورقة، ابتسامته اختفت للحظة.

لحظة صغيرة جدًا، لكنها كانت كفاية عشان ألاحظها.

مد إيده ناحيتها وقال:

— ادّيهالي، وأنا هتولى الموضوع.

سحبت الورقة بعيد عن إيده.

— دي ورقة لقيتها تحت الشاش المثبت على دراع ابني. ومكتوب فيها كلام مقلق ليا. حضرتك عايز تاخدها ليه قبل ما تتوثق؟

اتغيرت ملامحه.

— إنتِ بتتهميني بحاجة خطيرة يا مدام نجلاء.

— أنا لسه ما اتهمتش حد. أنا بس بسأل عن ورقة مكتوبة وموجودة مع طفل مصاب.

في اللحظة دي، ظهر يوسف من ورا أبوه، وبص لي بنظرة مليانة غضب.

قال بصوت عالي:

— هو اللي رفض يديني المفتاح! أنا طلبته منه كذا مرة، وهو فاكر إنه يقدر يحتفظ بيه!

بصيت له مباشرة.

— مفتاح إيه يا يوسف؟

اتلخبط للحظة، وبص لأبوه بسرعة، كأنه اكتشف إنه قال أكتر من اللازم.

العميد شريف لف ناحيته وقال بحدة:

— اسكت يا يوسف. سيب الكلام للكبار.

لكن الكلمة كانت خرجت خلاص.

المفتاح.

المفتاح النحاسي الصغير اللي آدم كان محتفظ بيه من يوم وفاة أبوه.

المفتاح اللي ما كانش بيسمح لحد يلمسه، وكان دايمًا يحطه في جيب داخلي صغير في شنطته.

رجعت ناحية ابني، وركعت قدامه.

— آدم، يا حبيبي، المفتاح معاك؟

هز راسه بالإيجاب، وبإيده السليمة طلع سلسلة صغيرة من تحت التيشيرت. كان المفتاح متعلق بيها، وبيتلألأ بلون نحاسي قديم.

حضنه بين صوابعه وقال:

— بابا قال لي ما أديهوش لأي حد، وإنه أمانة عندي لحد ما أكبر.

حسيت بغصة في حلقي.

زوجي الراحل، محمود، كان سلّم المفتاح لآدم قبل وفاته بفترة قصيرة. وقتها، افتكرت إنه مجرد تذكار بسيط، حاجة يحتفظ بيها ابني عشان يفضل فاكر أبوه.

ما كنتش أعرف إن المفتاح ده ممكن يكون سبب كل القلق اللي ابني عاشه.

رجعت للباب وقلت للعميد:

— المفتاح ملك ابني، وهو مش موافق يديه لحد. ولو فيه أي ادعاء إنه يخص شخص تاني، يبقى يتقدم بشكل رسمي، مش عن طريق الضغط على طفل.

العميد ضحك ضحكة قصيرة من غير أي إحساس بالمرح.

— إنتِ مش فاهمة حجم الموضوع. الأفضل ليكي ولابنك إننا ننهيه هنا، من غير ما ندخل المدرسة والشرطة والناس كلها في الحكاية.

رديت عليه وأنا ببص في عينيه:

— ابني دراعه مصاب، وفيه ورقة فيها كلام مقلق، وحضرتك واقف قدام بيتي بتطلب مني أسلّمك دليل قبل ما أعرف الحقيقة. أنا مش هسلّم المفتاح، ومش همنع أي جهة مختصة من التحقيق.

لأول مرة، ملامحه فقدت هدوءها تمامًا.

قرب خطوة من الباب وقال بصوت منخفض:

— خلي بالك يا مدام نجلاء. إنتِ مش عارفة إنتِ بتواجهي مين.

وقبل ما أرد، سمعنا صوت عربية الإسعاف وهي بتقف قدام البيت.

العميد رجع خطوة لورا، وبص ناحية المسعفين اللي نزلوا من العربية.

واحد منهم دخل بسرعة وبدأ يسألني عن الأذى، والتاني اتجه ناحية آدم.

وأنا بشرح لهم اللي حصل، لاحظت ست واقفة على الرصيف المقابل، ماسكة موبايلها وبتبص ناحية بيتنا.

كانت الأستاذة مريم، مدرسة في نفس المدرسة اللي بيدرس فيها آدم.

أول ما عيني جت في عينها، قربت من البوابة وقالت بصوت متردد:

— مدام نجلاء، ممكن أتكلم معاكي دقيقة قبل ما تمشي مع ابنك؟

بصيت لها باستغراب.

— خير يا أستاذة مريم؟ إنتِ تعرفي حاجة عن اللي حصل؟

بلعت ريقها، وبصت ناحية العميد شريف، اللي كان واقف جنب عربيته بيراقبنا.

وبعدين قربت مني وهمست:

— أنا شفت اللي حصل في المدرسة النهارده. وشفت مين اللي بدأ المشكلة، وشفت كمان مين اللي حاول يخبي الحقيقة.

قلبي بدأ يدق بسرعة.

— طيب ليه ما قلتيش الكلام ده لإدارة المدرسة؟

ردت وهي بتضغط على موبايلها بإيد مرتعشة:

السابق1 من 6
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى