روايات وقصص

القصة كاملة بقلم محمد عبده

بصيت لأمي وأنا ماسكة بطاقتي بإيدي، ومش عارفة أقول إيه. خمس سنين. خمس سنين وأنا مقتنعة إنهم اختاروا أختي عليّ بكل بساطة. وإن يوم تخرجي ما كانش مهم بالنسبالهم. لكن أمي كانت واقفة قدامي دلوقتي، وملامحها بتقول إن الموضوع كان أكبر من مجرد اختيار.

قلت لها بهدوء:
«إيه الحقيقة؟»
بصت حوالين المكان، وكأنها خايفة حد يسمعنا.
وبعدين قالت:
«مش هنا.»
رديت فورًا:
«لو الحقيقة محتاجة مكان سري، يبقى غالبًا أنا مش مستعدة أسمعها.»
نزلت عينيها للأرض.
وقالت:
«أبوكي ما كانش عايز ييجي يوم تخرجك.»
سكتُّ.
الكلام ما فاجئنيش.
يمكن لأنه كان متوافق مع كل اللي عشته.
لكنها كملت:
«أنا كنت عايزة أجيلك.»
رفعت عيني لها.
«بس إنتي ما جيتيش.»
هزت رأسها، وبدأ صوتها يرتعش.
«لأن أبوكي منعني.»
ضحكت ضحكة قصيرة من غير فرحة.
«منعك؟ عندك خمس سنين علشان تقوليلي الجملة دي؟»
قالت بسرعة:
«كنت خايفة.»
«خايفة من إيه؟»
قبل ما تجاوب، ظهر صوت من وراها:
«منى… إحنا اتفقنا ما نفتحتش الموضوع هنا.»
اتجمدت.
عرفت الصوت قبل ما ألف.
أبويا.
كان واقف على بعد خطوات.
نفس الملامح تقريبًا، لكن شعره بقى أبيض أكتر.
فضل يبصلي ثواني طويلة.
وبعدين قال:
«مبروك يا بنتي.»
الكلمة دي، اللي كان المفروض أسمعها يوم تخرجي، وصلتني بعد خمس سنين.
وبعد كل اللي حصل.
رديت:
«متأخرة قوي.»
وشه اتغير.
أما أمي، فبصت له وقالت:
«لازم تعرف.»
رد عليها بعصبية:
«مش هنا.»
في اللحظة دي، ظهرت ريم.
كانت لابسة فستان، ولسه ماسكة باقة الورد.
أول ما شافتنا، وقفت مكانها.
قالت:
«أنتوا بدأتوا؟»
أبويا رد:
«ريم، ده موضوع عائلي.»
ابتسمت ابتسامة حزينة.
وقالت:
«هي مش غريبة عن العيلة علشان تقولوا عليها كده.»
بصيت لريم.
وقلت:
«إنتي كنتي عارفة؟»
سكتت.
الصمت لوحده كان إجابة.
قلت:
«من إمتى؟»
قالت:
«من خمس سنين.»
حسيت إن الأرض اتحركت من تحتي.
«وما قولتيليش؟»
دموعها نزلت.
«حاولت.»
«إمتى؟»
«بعد التخرج بأسبوع.»
ضحكت بمرارة.
«أنا غيرت رقمي بعد أسبوعين.»
هزت رأسها.
«عارفة.»
«طب ليه ما حاولتيش تاني؟»
بصت لأمي وأبويا.
وبعدين قالت:
«لأنهم قالولي إنك محتاجة تبعدي عنهم، وإنك مش عايزة تشوفي حد.»
قلت:
«وأنتي صدقتيهم؟»
قالت:
«لا.»
وسكتت لحظة.
«بس كنت خايفة أخسرهم كلهم.»
الكلمة دي وجعتني أكتر مما توقعت.
لأنها كانت أول مرة حد يعترف لي إنه كان يعرف الحقيقة، لكنه اختار الصمت.
أبويا تدخل:
«كفاية بقى. اللي حصل حصل.»
بصيت له.
«لا. اللي حصل ما خلصش.»
خرجت بطاقتي من الظرف وحطيتها قدامه.
«أنا كنت فاكرة إنكم ما جيتوش علشان سارة.»
سكت.
«طلعتوا ما جيتوش علشاني أنا.»
أمي بدأت تعيط.
لكن أبويا ما ردش.
وهنا دخلت سارة.
كانت واقفة على باب القاعة، وسمعت آخر جملة.
بصت لي، وبعدها بصت لأبويا وأمي.
وقالت:
«هو لازم تعرف.»
أبويا لف لها بسرعة:
«سارة!»
لكنها كملت:
«أنا كنت عارفة برضه.»
بصيت لها.
أختي الصغيرة.
البنت اللي اتعمل كل ده علشانها.
قلت:
«إنتي كمان؟»
هزت رأسها وهي بتعيط.
«أنا عرفت بعد يوم التخرج بأيام.»
«وعملتي إيه؟»
قالت:
«ولا حاجة.»
سكتنا كلنا.
ثم قالت جملة ما كنتش مستعدة أسمعها:
«لأن بابا قال لي إن لو قولتلك الحقيقة… العيلة كلها هتتفكك.»
بصيت لأبويا.
لأول مرة من خمس سنين، فهمت إن غيابي ما كانش حادثة.
كان قرارًا.
قرار اتاخد من غيري.
قرار خلاني أختفي من حياة عيلتي، بينما كل واحد فيهم كان عارف جزء من الحقيقة.
مسحت دموعي وقلت:
«طيب… دلوقتي بقى وقت الحقيقة.»
أبويا فضل ساكت.
أمي قالت:
«يوم تخرجك، ما كانش عندنا أي عرض باليه.»
رفعت رأسي فجأة.
«إيه؟»
قالت:
«عرض سارة اتلغى قبلها بيوم.»
اتجمدت.
«يعني إيه اتلغى؟»
سارة انفجرت في العياط.
وأبويا حاول يمنعها من الكلام.
لكنها قالت:
«أنا ما كانش عندي عرض أصلًا يوم تخرجك.»
ساد الصمت.
وأنا بصيت لأمي.
ثم لأبويا.
ثم لسارة.
وفجأة سألت:
«إذن… أنتم كنتوا فين يوم تخرجي؟»
أبويا أخيرًا رفع عينيه.
وقال:
«كنا في المستشفى.»
قلت:
«مين كان في المستشفى؟»
ما ردش.
أمي غطت وشها بإيديها.
وسارة قالت بصوت منخفض:
«جدو.»
توقفت أنفاسي.
جدي كان الشخص الوحيد في العيلة اللي كان دايمًا يشجعني.
الشخص الوحيد اللي كان بيقول لي إن التعليم هو الحاجة اللي محدش يقدر ياخدها مني.
قلت:
«وجدو مات يوم تخرجي؟»
هزت أمي رأسها.
لكن قبل ما أقدر أستوعب الصدمة، أبويا قال:
«ومش دي المشكلة.»
بصيت له.
قال:
«المشكلة إن جدك ساب لك حاجة.»
ثم سكت.
«حاجة كان محدش يعرف عنها حاجة.»
وشعرت لأول مرة إن الخمس سنين اللي فاتوا…
ما كانوش نهاية الحكاية.
كانوا مجرد بداية.
فضلت واقفة مكاني، وكأن عقلي رفض يستوعب اللي سمعته.
جدي مات في نفس اليوم اللي تخرجت فيه.
وأنا كنت فاكرة إن أمي وأبويا اختاروا ما ييجوش علشاني.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
ومع ذلك، كان فيه سؤال واحد مش قادر يخرج من دماغي:
لو جدي مات فعلًا يوم تخرجي…
ليه ما حدش قال لي؟
بصيت لأبويا وقلت:
«طب ليه ما قلتوليش؟»
ما ردش.
كررْت السؤال:
«ليه خليتوني أعيش خمس سنين وأنا فاكرة إنكم اخترتوا سارة عليا؟»
أمي قالت وهي بتعيط:
«أبوكي قال إنك لو عرفتي، هتسيبي كل حاجة وتيجي.»
بصيت له باستغراب.
«وده كان هيبقى غلط؟»
أبويا أخد نفس طويل.
وقال:
«الموضوع ما كانش موت جدك بس.»
سكت لحظة، وبعدين قال:
«قبل ما يموت بساعات، طلب يقابلني لوحدي.»
قلت:
«وقال لك إيه؟»
أبويا بص بعيد.
«قال لي إنه ندم.»
سألت:
«ندم على إيه؟»
أمي قاطعت:
«على حاجة تخصك.»
حسيت بقلبي بيخبط.
«أنا؟»
هزت رأسها.
«أيوه.»

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى