روايات وقصص

القصة كاملة بقلم محمد عبده

سارة قربت مني وقالت:
«جدو كان بيتابع كل حاجة تخصك من بعيد.»
ابتسمت بسخرية.
«يعني إيه؟»
قالت:
«كان عارف إنك بتشتغلي جنب الدراسة. وعارف إنك بتبعت فلوس للبيت. وعارف إنك أوقات كنتي بتذاكري لحد الفجر.»
سكتُّ.
أنا ما كنتش أعرف إن جدي كان عارف.
بل بالعكس…
كنت فاكرة إنه واحد من الناس اللي شايفين إن سارة هي الأهم.
لكن سارة كملت:
«وكان عارف إن بابا بياخد منك فلوس كل شهر.»
بصيت لأبويا.
«كنت عارف إنه عارف؟»
قال:
«عرف قبل ما يموت بفترة قصيرة.»
قلت:
«وعمل إيه؟»
أبويا ما ردش.
أمي قالت:
«جدو كان غضبان جدًا.»
سألت:
«علشان الفلوس؟»
هزت رأسها.
«علشان الطريقة اللي كنا بنتعامل بيها معاكي.»
حسيت إن صوت القاعة اختفى.
الناس حوالينا كانت تبتسم، وريم كانت واقفة بعيد تراقبنا، لكن بالنسبة لي ما بقاش فيه غير الكلام ده.
قلت:
«طيب… الحاجة اللي سابها لي؟»
أبويا أخرج ظرفًا آخر من جيبه.
كان أقدم من ظرف أمي.
وقال:
«ده وصلني بعد وفاته بيومين.»
مد إيده ناحيتي.
ما أخدتوش.
قلت:
«ليه ما بعتوشولي؟»
رد:
«لأن جدو كتب عليه اسمك… لكن حط شرط.»
«إيه الشرط؟»
قال:
«إنه ما يتفتحش غير بعد ما تتمي تلاتين سنة.»
اتصدمت.
«وأنا دلوقتي؟»
«تلاتين.»
مد الظرف لي مرة تانية.
المرة دي أخدته.
كان اسمي مكتوب بخط جدي.
مجرد رؤية خطه خلت عيني تمتلئ بالدموع.
كان مكتوب:
«إلى حفيدتي التي كنت أعرف أنها ستصل… حتى لو ظنت يومًا أنني لم أؤمن بها.»
ما قدرتش أكمل.
دموعي نزلت غصب عني.
ريم قربت مني.
لكنني رفعت إيدي، وقلت:
«عايزة أفتحه لوحدي.»
أبويا قال:
«قبل ما تفتحيه، لازم تعرفي حاجة.»
بصيت له.
قال:
«جدو ما سابلكيش فلوس وبس.»
سألت:
«أمال إيه؟»
قال:
«سابلك حاجة ممكن تغير حياتك.»
ضحكت بمرارة.
«بعد خمس سنين؟»
قال:
«أكتر مما تتخيلي.»
فتحت الظرف ببطء.
أول حاجة وقعت قدامي كانت ورقة مطوية.
فتحتها.
وكان أول سطر:
«يا بنتي، لو الورقة دي وصلت لإيدك، يبقى فيه احتمال كبير إنك لحد دلوقتي مش عارفة الحقيقة.»
توقفت.
قلبي كان بيدق بسرعة.
كملت القراءة:
«أنا عارف إنك هتغضبي من أبوكي وأمك، لكن قبل ما تحكمي عليهم، لازم تعرفي إن اللي حصل يوم تخرجك ما كانش سببه سارة.»
رفعت عيني لأبويا.
هو كان بيبصلي من بعيد.
رجعت للورقة.
«أنا طلبت منهم ما يحضروش حفل تخرجك.»
اتجمدت.
وقفت عن القراءة.
بصيت لأمي.
«إنتي بتقولي إن جدو هو اللي طلب منكم ما تيجوش؟»
أمي هزت رأسها وهي بتعيط.
«أيوه.»
قلت:
«ليه؟»
ما ردش.
رجعت للرسالة.
وكان السطر التالي أقسى من كل اللي قبله:
«لأنني كنت أحاول أحميك من شيء لم تكني تعرفينه عن عائلتك.»
اتنفست بصعوبة.
قلبت الصفحة.
لكن الصفحة التالية…
كانت فاضية.
ما عدا جملة واحدة في المنتصف:
«لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة، روحي للمكان اللي بدأ منه كل شيء.»
وتحتها عنوان.
عنوان قديم في مدينة بورسعيد.
وعرفت العنوان فورًا.
كان بيت جدي القديم.
البيت اللي اتقفل من يوم وفاته.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في آخر سطر.
«ولا تروحي لوحدك… لأن الشخص اللي كنتي بتثقي فيه أكتر من أي حد، هو أول شخص لازم تسأليه.»
رفعت رأسي ببطء.
وبصيت ناحية ريم.
كانت واقفة بعيد.
ولأول مرة…
ما قدرتش أعرف إذا كانت بتعيط علشاني…
ولا لأنها كانت خايفة من اللي هكتشفه.
فضلت باصة لريم من بعيد، والرسالة في إيدي.
«الشخص اللي كنتي بتثقي فيه أكتر من أي حد…»
الجملة دي فضلت تلف في دماغي.
ريم كانت أكتر شخص وثقت فيه فعلًا.
هي الوحيدة اللي جت يوم تخرجي.
هي الوحيدة اللي حاولت تعرف أنا عاملة إيه بعد ما اختفيت.
وهي نفسها اللي كانت محتفظة ببطاقات أسماء أمي وأبويا خمس سنين.
رفعت عيني عليها.
«ريم…»
وشها اتغير.
قربت مني ببطء.
قلت:
«إنتي عارفة إيه عن بيت جدي؟»
سكتت.
قلت تاني:
«وإيه اللي جدو كان عايزني أعرفه؟»
بدأت دموعها تنزل.
وقالت:
«أنا وعدته إني ما أقولش.»
«وعدتي مين؟»
«جدك.»
اتصدمت.
«إنتي قابلتي جدو قبل ما يموت؟»
هزت رأسها.
«قبلها بيوم.»
أبويا تدخل بسرعة:
«ريم، كفاية.»
لكنها بصت له وقالت:
«أنا تعبت من السكوت.»
وبعدين بصت لي.
«جدك اتصل بيا قبل وفاته بيومين.»
سألتها:
«ليه؟»
قالت:
«كان عايز حد يضمن إنك تعرفي الحقيقة، حتى لو هو مات.»
«وإنتي وافقتي؟»
«أيوه.»
«طب ليه ما قولتيليش من خمس سنين؟»
خفضت عينيها.
«لأن أبوكي طلب مني.»
بصيت لأبويا.
«وطبعًا نفذتي كلامه.»
قالت بسرعة:
«مش كده.»
«أمال إيه؟»
أخذت نفسًا عميقًا.
«أبوكي قال لي إن لو قربت منك، ممكن أخليكي ترجعي للبيت قبل ما تكوني جاهزة.»
قلت:
«وأنا كنت محتاجة حد يرجعني؟»
قالت:
«لا.»
وسكتت.
ثم أضافت:
«كنت محتاجة حد يقول لك إنك ما كنتيش غلطانة.»
الكلمة دي كسرت حاجة جوايا.
خمس سنين كاملة وأنا بلوم نفسي.
يمكن أنا اللي كنت حساسة زيادة.
يمكن أنا اللي فهمت الموضوع غلط.
يمكن فعلًا كان لازم أكون أكثر تفهمًا.
لكن الحقيقة إنني كنت طفلة بتتعلم تعتمد على نفسها، بينما الجميع كان بيطلب منها تتحمل أكتر.
قلت:
«إيه اللي في البيت؟»
ريم ردت:
«مش أنا اللي هقولك.»
«مين؟»
أشارت ناحية أمي.
أمي اقتربت مني.
وقالت:
«جدو كان عنده مكتب صغير في البيت القديم.»
«عارفة.»
«فيه درج سري.»
قلت:
«إيه اللي جواه؟»
بصت لأبويا.
ثم قالت:
«ملفات.»
«ملفات عن إيه؟»
أبويا قال:
«عن العيلة.»
ضحكت.
«يعني إيه ملفات عن العيلة؟»
قال:
«أملاك. حسابات. عقود.»
ثم سكت.
«وحاجات تخصك إنتي.»
قلت:
«أنا؟»
هز رأسه.
«أيوه.»
قلت:
«إيه اللي يخصني؟»
قبل ما يرد، ظهر صوت سارة.
«المنحة.»
بصيت لها.
قالت:
«جدو هو اللي دفع مصاريف أول سنة ليكي.»
اتصدمت.
«إيه؟»
قالت:
«المنحة اللي حصلتي عليها ما كانتش بتغطي كل حاجة.»
أبويا قال:
«هو كمل الباقي من حسابه.»
قلت:
«وإنتوا كنتوا عارفين؟»
الصمت كان كفاية.
قلت:
«طب ليه ما قلتوليش؟»
أمي قالت:
«لأن جدو طلب ما نقولش.»
«ليه؟»
قالت:
«قال إنك لازم تعرفي إن نجاحك نجاحك إنتي، مش نجاح فلوسه.»
بدأت أبكي.
جدي كان يؤمن بيّ أكثر من عيلتي كلها.
لكن كان فيه سؤال أكبر.
«طب إيه علاقة ده بيوم تخرجي؟»
أبويا قال:
«قبل الحفل بساعات، جدو عرف إن فيه حد حاول يسحب فلوس من حساب باسمك.»
توقفت.
«حد حاول يسرق فلوسي؟»
قال:
«مش بالضبط.»
«أمال؟»
«الحساب ما كانش باسمك بالكامل.»
«يعني إيه؟»
سكت.
وبعدين قال:
«كان فيه حساب استثماري جدو فتحه ليكي وإنتي صغيرة.»
اتسعت عيناي.
«قد إيه؟»
ما ردش.
قلت بعصبية:
«قد إيه يا بابا؟»
أمي قالت بصوت منخفض:
«حوالي سبعة مليون جنيه.»
اتجمدت.
«سبعة… مليون؟»
هزت رأسها.
«وده كان من خمس سنين.»
شعرت بدوار.
لكن أبويا قال بسرعة:
«استني.»
بصيت له.
«المبلغ ده ما كانش كل حاجة.»
«أمال إيه؟»
قال:
«جدو كان محضر لك مفاجأة أكبر.»
أخرجت الورقة من جيبي.
«البيت؟»
قال:
«البيت والأرض اللي حواليه.»
«يعني؟»
«كلهم باسمك.»
سكتُّ.
ثم قلت:
«طب ليه ما أخدتش حاجة؟»
أبويا لم يجب.
وهنا فهمت.
«إنتوا…»
صوتي اتقطع.
«إنتوا أخفيتوا الورق؟»
أمي انفجرت في البكاء.
أما أبويا فظل صامتًا.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى