
صرخت:
«خمس سنين؟!»
قال:
«ما كناش عارفين إنك هتعرفي.»
«كنتوا عايزين تستنوا لحد إمتى؟»
ما ردش.
وفي اللحظة دي، خرجت سارة من شنطتها ورقة صغيرة.
مدتها لي.
وقالت:
«في حاجة تانية.»
أخدتها.
كانت صورة قديمة جدًا.
فيها جدي قاعد في مكتبه.
وبجانبه ملف كبير.
وعلى الملف مكتوب بخط واضح:
«إليانور… بعد سن الثلاثين.»
لكن خلف الصورة كان فيه تاريخ.
يوم تخرجي.
وقبل ما أستوعب معنى التاريخ، قلبت الصورة.
كان مكتوب على ظهرها:
«لو حصل لي شيء، لا تثقوا في الشخص الذي يطلب منكم بيع البيت.»
رفعت عيني.
«مين الشخص ده؟»
أبويا شحب وجهه.
وسارة قالت:
«عمي.»
وفي نفس اللحظة…
رن تليفوني.
رقم مجهول.
رديت.
جالي صوت رجل كبير في السن:
«إليانور؟»
قلت:
«أيوه.»
قال:
«لو عايزة تعرفي ليه جدك كان خايف عليكِ… ما تروحيش بيت بورسعيد.»
سكتُّ.
ثم سألته:
«إنت مين؟»
قال:
«أنا المحامي اللي كتب وصية جدك.»
وقبل ما أقفل، قال جملة جعلت الدم يتجمد في عروقي:
«وأبوك مش هو الشخص الوحيد اللي أخفى عنك الحقيقة.»
ثم أغلق الخط.
فضلت ماسكة التليفون في إيدي، وباصّة للشاشة بعد ما المكالمة انتهت.
«أبوك مش هو الشخص الوحيد اللي أخفى عنك الحقيقة.»
الجملة كانت بتتكرر في دماغي.
بصيت لأبويا.
كان وشه متغير.
قلت له:
«المحامي اتصل بيا.»
ما ردش.
«وقال إنك مش الشخص الوحيد اللي خبّى عني الحقيقة.»
أبويا بلع ريقه.
«مين قال لك تتصلي بيه؟»
ضحكت بمرارة.
«يعني إنت عارفه؟»
سكت.
«اسمه إيه؟»
قال:
«المحامي ده اسمه المستشار سامح منصور.»
ريم شهقت.
«سامح؟»
بصيت لها.
«إنتي تعرفيه؟»
قالت:
«أيوه… هو اللي كان بيتابع أوراق جدو.»
قلت:
«طب ليه بيقول لي ما أروحش البيت؟»
أبويا رد بسرعة:
«لأن البيت مش آمن.»
سألته:
«مش آمن ليه؟»
«فيه مشاكل قانونية.»
«مشاكل إيه؟»
سكت.
بدأت أفهم إن كل إجابة عندهم وراها إجابة تانية مخبية.
قلت:
«أنا رايحة بورسعيد بكرة.»
أبويا قال:
«مش هتروحي.»
بصيت له بهدوء.
«إنت مش هتقرر ده.»
«إليانور، اسمعيني.»
«خمس سنين وأنا بسمع.»
سكت.
«المرة دي أنا اللي هقرر.»
ريم قالت:
«أنا هاجي معاكي.»
بصيت لها.
«لأ.»
وشها وقع.
قلت:
«المرة دي لازم أروح لوحدي.»
لكن جيمس، خطيبي، كان واقف من بعيد وسمع الكلام.
قرب وقال:
«لوحدك؟ مستحيل.»
بصيت له.
قال:
«مش علشان أمنعك. علشان لو فيه حد بيحاول يخبي حاجة عنك، مش منطقي تدخلي المكان لوحدك.»
ولأول مرة من بداية الليلة، حسيت إن حد بيتعامل مع قراراتي باعتبارها قراراتي، مش باعتبارها حاجة لازم حد يقررها بالنيابة عني.
قلت:
«تمام.»
تاني يوم الصبح، سافرت مع جيمس ناحية بورسعيد.
طول الطريق، ما كنتش بتكلم.
كنت بفتح الرسالة اللي كتبها جدي وأقراها للمرة العاشرة.
«لا تثقي في الشخص الذي يطلب منكم بيع البيت.»
السؤال كان:
مين حاول يبيع البيت؟
وليه؟
وصلنا بعد الظهر.
البيت كان أقدم مما أتذكر.
الباب الخشبي كان عليه طبقة تراب، والنباتات طالعة في الحديقة كأن المكان اتساب من سنين.
فتحت بالمفتاح اللي أعطتهولي أمي.
دخلت.
كل حاجة كانت زي ما هي.
الساعة القديمة.
المكتبة.
صورة جدي.
حتى الكرسي اللي كان بيقعد عليه.
وقفت قدام صورته.
وقلت بصوت منخفض:
«أنا جيت يا جدو.»
وفجأة…
سمعت صوت حركة في الدور العلوي.
جيمس بص لي.
وقال:
«سمعتي؟»
هزيت رأسي.
طلعنا السلم ببطء.
كان فيه باب غرفة المكتب مفتوح.
أنا متأكدة إني قفلته قبل ما نمشي.
دخلت.
الدرج السري كان في مكانه.
فتحت الدرج.
كان فاضي.
اتجمدت.
الملفات اختفت.
كلها.
قلت:
«حد سبقنا.»
جيمس بص ناحية الشباك.
قال:
«استني.»
قرب من الشباك.
كان مفتوح.
وتحت الشباك مباشرة، كان فيه أثر طين حديث على الأرض.
يعني حد دخل هنا قريب.
وفجأة، لقيت ظرف صغير تحت المكتب.
فتحته.
كان فيه مفتاح.
ومكتوب عليه:
«الخزنة الثانية.»
بصيت لجيمس.
«إيه الخزنة الثانية؟»
هز رأسه.
«معرفش.»
بدأنا ندور في المكتب.
وبعد دقائق، اكتشفت لوحة خشبية ورا المكتبة.
حركتها.
ظهر باب معدني صغير.
دخلت المفتاح.
فتح.
جوا الخزنة كان فيه ملف واحد.
ومظروف بني.
وصورة.
الصورة كانت لجدي مع شخص ما أعرفوش.
قلبت الصورة.
وكان مكتوب عليها:
«أنا وهو بدأنا الشركة معًا.»
تحتها اسم:
«عادل منصور.»
بصيت لجيمس.
«عادل منصور؟»
قال:
«يمكن قريب المحامي؟»
فتحت الملف.
أول ورقة كانت عقد تأسيس شركة.
ثاني ورقة كانت كشف حساب.
ثالث ورقة كانت نسخة من عقد ملكية.
لكن الاسم الموجود على العقد…
خلاني أفقد القدرة على الكلام.
المالك كان:
«إليانور محمود السيد.»
اسمي.
وتاريخ تسجيل الملكية كان قبل يوم تخرجي بثلاثة أيام.
يعني جدي نقل الملكية باسمي قبل وفاته مباشرة.
لكن في آخر الصفحة كان فيه توقيع آخر.
توقيع ولي الأمر.
رفعت الورقة.
وقلت:
«ده توقيع بابا.»
جيمس قرب.
«إنتي متأكدة؟»
قلت:
«أيوه.»
لكن تحت توقيعه كان فيه سطر صغير جدًا:
«تم التنازل عن حق الإدارة لصالح…»
والاسم كان مشطوبًا بالحبر.
حاولنا نقرأه.
ما قدرناش.
وفي اللحظة دي، سمعنا صوت مفتاح بيتحرك في باب البيت.
حد دخل.
جيمس أشار لي أسكت.
قفلنا باب المكتب.
وسمعنا خطوات بتطلع السلم.
خطوة…
ثم خطوة أخرى…
لحد ما وقفت الخطوات أمام باب المكتب.
ثم جاء صوت رجل:
«إليانور…»
اتجمدت.
كنت أعرف الصوت.
فتح الباب ببطء.
وكان الشخص الواقف أمامنا…
أخو أبويا.
عمي.
ابتسم وقال:
«كنت عارف إنك هتيجي في الآخر.»
ثم نظر إلى الملف في إيدي.
وقال:
«بس واضح إنك لقيتي حاجة كان المفروض ما تشوفيهاش.»
وقفت قدام عمي وأنا ماسكة الملف، وحاولت أبان هادية رغم إن قلبي كان بيدق بسرعة.
قلت:
«إنت كنت مستنيني؟»
ابتسم ابتسامة غريبة.
«مش مستنيكي إنتِ… مستني اللحظة اللي تعرفي فيها الحقيقة.»
جيمس وقف جنبي وقال:
«أي حقيقة؟»
عمي تجاهله، وعينيه فضلت على الملف.
«جدو كان عارف إنك هتدوري ورا كل حاجة.»
قلت:
«طب ليه نقل البيت والشركة باسمي؟»
ابتسمته اختفت.
«لأنك الوحيدة اللي كان واثق فيها.»
«وإنت؟»
ضحك بسخرية.
«أنا كنت واثق في الفلوس.»
فتحت الملف بسرعة.
«إنت اللي كنت عايز تبيع البيت؟»
سكت.
وبعدين قال:
«أنا كنت عايز أبيع اللي كان من حقي.»
صرخت:
«من حقك؟!»
قال:
«أيوه. أبوكي وجدو أخدوا مني نصيبي في الشركة.»
جيمس قال:
«يعني النزاع ده بدأ من زمان؟»
عمي رد:
«قبل ما إليانور تتولد.»
ثم بص لي.
«لكن جدو قرر في آخر أيامه إنه يديكي كل حاجة.»
قلت:
«وليه؟»
«لأنه كان شايف إنك أحق بيها.»
سكتُّ لحظة.
«طب إيه اللي حصل يوم تخرجي؟»
هنا اتغير وشه.
وقال:
«جدو كان لسه عايش لما بدأ الحفل.»
تجمدت.
«إيه؟»
«هو مات بعد الحفل بوقت.»
بصيت له بعدم تصديق.
«أبويا قال إنه مات يوم تخرجي.»
«ما كذبش.»
«أمال إيه اللي حصل؟»
قال:
«جدو طلب منهم ما ييجوش الحفل.»
«ليه؟»
اقترب خطوة.
«لأنه كان خايف إن حد يحاول يوصل لك من خلالهم.»
«مين؟»
سكت.
ثم قال:
«أنا.»




