روايات وقصص

القصة كاملة بقلم محمد عبده

ساد الصمت داخل القاعة. لم تعد الموسيقى تُسمع. حتى أصوات الأحاديث الجانبية اختفت تمامًا. كانت سهام واقفة في منتصف الحديقة، والخاتم الذهبي بين أصابعها، بينما عشرات الضيوف ينظرون إليها وينظرون إلى السماعات المعلقة حول المكان. قالت بعصبية: “مين اللي بيتكلم؟!” جاء صوت سعاد من مكبرات الصوت:
“أنا يا مدام سهام.”

شهقت داليا.
أما طارق فظل واقفًا مكانه، وكأن الدم انسحب من وجهه.
اقترب حسام منه وهمس:
“اقفل النظام!”
رد طارق:
“مش عارف!”
حاول أحد العاملين فصل الكهرباء عن السماعات، لكن صوت سعاد استمر.
قالت:
“قبل ما تسألوا أنا ليه بتكلم دلوقتي، خلوني أقول لكم حاجة واحدة… أنا ما كنتش مجرد عاملة في البيت ده.”
تبادل الضيوف النظرات.
ثم تابعت:
“أنا كنت شاهدة على كل حاجة حصلت هنا.”
رفعت سهام صوتها:
“إنتِ بتتكلمي عن إيه؟! اقفلي الجهاز فورًا!”
لكن سعاد لم تتوقف.
“أنا شفت مين دخل البيت بالليل. وشفت مين خرج منه. وشفت مين طلب أوراق مزورة. وشفت مين دفع أموالًا علشان الحقيقة ما تظهرش.”
طارق اندفع ناحية غرفة التحكم.
لكن قبل أن يصل، ظهر على الشاشة الكبيرة الموجودة خلف منصة الحفل ملف طبي.
تجمد الجميع.
كان في أعلى الصفحة اسم طفلة.
جنى فؤاد.
ابنتي الصغيرة.
ثم ظهرت صورة من ملف المستشفى.
وتحتها تاريخ ميلادها.
واسْم الطبيب الذي أشرف على ولادتها.
بدأت همهمات بين الحاضرين.
قالت سهام:
“دي كذبة!”
لكن صوت سعاد جاء هادئًا:
“لا يا مدام سهام… دي أول ورقة بس.”
ثم ظهرت ورقة ثانية.
ثم ثالثة.
ثم تقرير طبي قديم.
كان التقرير يخصني أنا.
وبدأت سعاد تشرح:
“من ست سنين، قبل ولادة جنى بأيام، حصلت واقعة محدش في البيت ده يعرفها كاملة.”
كنت وقتها في المستشفى.
لكن في نفس الليلة، جاء طارق ومعه حسام.
وكانا يحملان حقيبة صغيرة.
طلبا من الطبيب أن يتم تغيير جزء من بيانات ملف الولادة.
الطبيب رفض.
وعندما رفض، عرضا عليه مبلغًا كبيرًا.
الطبيب ظل متمسكًا بموقفِهِ.
لكن شخصًا آخر وافق.
وهنا ظهرت المفاجأة.
سعاد قالت:
“الورق اللي طارق قدمه لأمه وقال إنه تحليل نسب حقيقي… كان مزورًا.”
ارتفعت الأصوات بين الضيوف.
داليا بدأت تبكي:
“إنتِ بتكدبي!”
لكن سعاد ردت:
“لو أنا بكذب، ليه جبت أصل المستندات؟”
ثم ظهر ظرف بني على الشاشة.
كان عليه ختم معمل تحاليل.
وقالت:
“ده التقرير الحقيقي.”
تقدم طارق خطوة.
“سعاد… اسمعيني. إنتِ مش فاهمة حاجة.”
ردت عليه:
“أنا فاهمة أكتر منك.”
ثم أضافت:
“لأنني كنت موجودة يوم جبت الورقة المزورة للمدام سهام.”
نظرت سهام إلى ابنها.
“طارق… قول لهم إنها كذابة.”
لكنه لم يتكلم.
وهنا بدأ الشك يتسلل إلى وجوه الحاضرين.
داليا أمسكت بيد مالك.
كانت تحاول تهدئته، لكن الطفل كان ينظر حوله في خوف.
ثم قالت سعاد:
“بس دي مش المفاجأة.”
ساد الصمت من جديد.
“المفاجأة الحقيقية إن مالك… مش ابن طارق.”
صرخت داليا:
“كفاية!”
لكن سعاد واصلت:
“ومش دي أسوأ حاجة.”
ثم ظهرت صورة أخرى على الشاشة.
كانت صورة قديمة لطفلة صغيرة.
طفلة عمرها حوالي ست سنوات.
وكانت تقف أمام باب المستشفى.
بجوارها امرأة تحمل ملفًا.
قالت سعاد:
“دي الطفلة اللي كنت بقول عليها.”
بدأت سهام ترتجف.
أما حسام فتراجع خطوة.
ثم قالت سعاد:
“اسمها جنى.”
ساد الصمت.
لم أفهم شيئًا وقتها.
لأنني كنت في القطار، أستمع إلى كل ما يحدث عبر الهاتف.
وفجأة سمعت صوتًا جعلني أجلس منتبهة.
كان صوت سعاد يقول:
“جنى مش مجرد بنت مريم.”
توقفت أنفاسي.
نظرت إلى ابنتي الصغيرة التي كانت نائمة بجانبي.
ثم قالت سعاد:
“جنى هي البنت اللي العيلة دي حاولت تخفي الحقيقة المتعلقة بيها من يوم ولادتها.”
وضعت يدي على فمي.
ليان لاحظت تغير وجهي.
قالت:
“ماما؟ في إيه؟”
لم أستطع الرد.
كان قلبي يدق بعنف.
ثم سمعت سعاد تقول جملة جعلتني أشعر أن الأرض تحركت من تحتي:
“والأهم من كل ده… إن مريم ما كانتش تعرف الحقيقة.”
رفعت رأسي.
لماذا قالت ذلك؟
ماذا كانت تخفي عني؟
لماذا كانت تتحدث عن ابنتي جنى بهذه الطريقة؟
ثم جاء صوت طارق لأول مرة:
“سعاد… أرجوك.”
قالت:
“متقوليش أرجوك دلوقتي.”
ثم أضافت:
“إنت عارف كويس إن اللي عملته من ست سنين هو السبب في كل اللي حصل النهارده.”
حسام اندفع نحو جهاز التحكم مرة أخرى.
لكن أحد الحراس أوقفه.
وفي تلك اللحظة، دخل رجل غريب إلى الحديقة.
كان يحمل حقيبة جلدية.
تقدم حتى وصل إلى سعاد.
ثم أعطاها ملفًا آخر.
فتحت سعاد الملف أمام الجميع.
وقالت:
“ده آخر دليل.”
ثم رفعت ورقة واحدة.
“تحليل النسب الحقيقي.”
بدأ طارق يصرخ:
“محدش يقرأ الورقة دي!”
لكن سعاد قرأتها بصوت واضح.
وبمجرد أن قالت اسم الأب الحقيقي…
سقط الخاتم الذهبي من يد سهام على الأرض.
لأن الرجل الذي ظهر اسمه في التقرير…
لم يكن طارق.
ولم يكن حسام.
بل كان شخصًا لم يتوقع أحد أن يكون له أي علاقة بهذه العائلة.
شخص مات قبل سنوات…
وترك وراءه سرًا يمكن أن يقلب ملكية الشركة كلها رأسًا على عقب.
وفي نفس اللحظة، وصلني اتصال من رقم مجهول.
رفعت الهاتف وأنا أرتجف.
جاءني صوت رجل مسن وقال:
“مدام مريم… لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة عن جنى، لازم ترجعي فورًا.”
قلت:
“مين حضرتك؟”
قال:
“أنا المحامي اللي والدك كان موكلّه قبل وفاته.”
تجمدت.
والدي مات منذ سنوات.
فما الذي يمكن أن يكون قد تركه لي؟
ثم قال الرجل:
“والدك ترك لك مستندات ملكية الشركة… لكنه طلب مني ألا أسلمها لك إلا إذا حاول طارق الاستيلاء على نصيبك.”
سكت للحظة.
ثم قال:
“واللي حصل النهارده معناه إن الوقت جه.”
نظرت إلى بناتي.
وفجأة أدركت أن رحيلنا لم يكن هروبًا.
كان بداية المعركة.
لأنني لم أكن سأعود لأستعيد زوجي.
كنت سأعود لأستعيد حق بناتي… وحق السنوات التي سرقوها مني.
لكن قبل أن أتحرك، وصلتني رسالة أخرى من سعاد:
“مريم، متثقيش في المحامي… لأن طارق عرف مكان المستندات.”
ثم اختفى اتصالها.
وفي نفس اللحظة، سمعت صوت باب القطار يُفتح خلفي…
ورجلًا ينادي باسمي.
“مدام مريم؟”
التفتُّ بسرعة.
كان رجل في أواخر الخمسينات يقف عند باب العربة، يرتدي بدلة رمادية ويحمل حقيبة جلدية صغيرة.
لم أكن أعرفه.
لكنه قال اسمي مرة أخرى:
“مدام مريم فؤاد؟”
وقفت أمام بناتي مباشرة.
“أيوه… مين حضرتك؟”
نظر إلى بناتي ثم عاد ينظر إليّ.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى