روايات وقصص

القصة كاملة بقلم محمد عبده

“أنا اسمي كمال رشدي. المحامي اللي كلمك من شوية.”
شعرت بقلبي يهبط.
تذكرت الرسالة التي وصلتني من سعاد:
“متثقيش في المحامي… لأن طارق عرف مكان المستندات.”
قلت له بحذر:
“لو حضرتك المحامي فعلًا، ليه سعاد قالت لي ما أثقش فيك؟”
تغيرت ملامحه.
ثم أغلق باب العربة خلفه وقال:
“لأنها كانت بتحاول تحميك.”
تراجعت خطوة.
“تحميني منك؟”
هز رأسه.
“لا… تحميك من الشخص اللي بعتني.”
سكت للحظات.
ثم قال:
“طارق.”
شعرت أن بناتي اقتربن مني.
ليان سألت:
“ماما، مين الراجل ده؟”
لم أجب.
كنت أحاول فهم ما يحدث.
قال كمال:
“أنا مش جاي آخدك لمكان طارق. أنا جاي أقول لك إن عندك فرصة واحدة بس قبل ما المستندات تختفي.”
قلت:
“أي مستندات؟”
فتح حقيبته.
وأخرج ملفًا قديمًا.
على غلافه كان اسم والدي.
فؤاد منصور.
تجمدت.
لم أر هذا الملف من قبل.
قال كمال:
“والدك كان شريكًا قديمًا في تأسيس الشركة قبل ما تتحول لملك عيلة طارق بالشكل اللي شفتيه.”
فتحت الملف.
وجدت بداخله عقودًا قديمة.
توقيعات.
إيصالات تحويل.
ومستندات تثبت أن الأموال التي أنقذت الشركة قبل ستة عشر عامًا لم تكن مجرد مدخراتي الشخصية كما كنت أعتقد.
كان جزء كبير منها أموالًا تركها والدي لي في حساب خاص.
قلت بصوت منخفض:
“ليه بابا ما قالليش؟”
أجاب:
“لأنه كان عارف إن طارق وعيلته ممكن يحاولوا ياخدوا كل حاجة منك.”
ثم أضاف:
“وعشان كده كتب بندًا واضحًا.”
قلبت الصفحة.
وقرأت:
في حالة محاولة أحد الشركاء إقصاء مريم فؤاد من إدارة الشركة أو الاستيلاء على حصتها بطرق غير قانونية، تنتقل بعض حقوق التصويت والسيطرة إلى مريم فورًا.
رفعت عيني.
“يعني إيه؟”
قال:
“يعني نسبة الـ43% اللي باسمك مش كل حاجة.”
سكت.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
“إنتِ ممكن تكوني صاحبة القرار الحقيقي في الشركة.”
شعرت أنني عاجزة عن الكلام.
طوال ستة عشر عامًا كنت أعتقد أنني مجرد شريكة كبيرة.
لكن والدي كان قد ترك لي مفتاحًا لم أكن أعرف بوجوده.
في تلك اللحظة، رن هاتف كمال.
نظر إلى الشاشة.
تغير وجهه.
قال:
“لازم نمشي.”
سألته:
“ليه؟”
قال:
“طارق عرف إن الملف معايا.”
ليان قالت:
“ماما… إحنا هنرجع القاهرة؟”
نظرت إليها.
ثم إلى أخواتها.
وأدركت أن الهروب لم يعد حلًا.
قلت:
“أيوه.”
كمال سأل:
“متأكدة؟”
أجبته:
“أنا مش راجعة عشان أطلب منهم حاجة.”
ثم أغلقت الملف.
“أنا راجعة آخد اللي هو أصلًا حقي.”

في نفس الوقت، داخل قصر عائلة فؤاد…
كانت الفوضى قد تحولت إلى كارثة.
الضيوف بدأوا يغادرون.
بعضهم كان يصور ما يحدث بهاتفه.
والخبر بدأ ينتشر بين رجال الأعمال.
أما سهام فكانت جالسة على كرسي، تنظر إلى الخاتم الذهبي الموجود على الأرض.
اقتربت منها داليا.
وقالت بصوت مرتجف:
“إحنا لازم نمشي.”
سهام رفعت عينيها إليها.
“إنتِ كنتِ عارفة؟”
داليا صمتت.
“كنتِ عارفة إن التحليل مزور؟”
لم تجب.
صرخت سهام:
“ردي عليا!”
بكت داليا وقالت:
“أنا عملت اللي طارق طلبه.”
طارق الذي كان يقف خلفهما، أغلق عينيه للحظة.
لكن حسام قال:
“خلاص… لازم نخرج من هنا.”
طارق نظر إليه بغضب:
“أنت السبب.”
حسام ضحك بسخرية.
“أنا السبب؟ مين اللي كان عايز ولد بأي تمن؟”
قال طارق:
“إنت اللي جبت داليا.”
“وأنت اللي صدقتها.”
توقفا عن الكلام.
لأن صوت سعاد عاد فجأة عبر السماعات.
قالت:
“لسه في جزء أهم.”
التفت الجميع.
ظهرت على الشاشة صورة قديمة.
صورة لمستشفى.
ثم صورة لملف ولادة.
ثم صورة لطفلة رضيعة.
وقالت سعاد:
“الطفلة اللي حاولتوا تخبوا حقيقتها ست سنين… مش مالك.”
شهقت سهام.
“أمال مين؟”
جاء الرد:
“جنى.”
ثم ظهرت نتيجة التحليل الحقيقي.
لكن هذه المرة لم يظهر اسم الأب.
ظهر اسم شخص آخر في خانة القرابة.
فؤاد منصور.
والد مريم.
قالت سعاد:
“جنى مرتبطة بعائلة مريم من جهة ما حاولتم إخفاءه.”
ارتبك الجميع.
لأن المعنى لم يكن واضحًا.
هل كانت جنى تحمل سرًا يخص والد مريم؟
أم أن هناك شخصًا آخر من العائلة كان وراء كل شيء؟
ثم قالت سعاد:
“والسبب الحقيقي إن طارق خاف من ظهور الحقيقة… إن جنى كانت المفتاح اللي ممكن يكشف ملكية الشركة.”
وهنا فهم طارق.
اتسعت عيناه.
وقال:
“لا…”
اقتربت سهام منه:
“إيه اللي هي بتقوله؟”
لكنه لم يرد.
فقالت سعاد:
“جنى مش مجرد طفلة في العيلة.”
ثم أضافت:
“هي الوريثة القانونية لجزء من أصول كانت مملوكة لجدها.”
شهقت سهام.
“مستحيل!”
لكن سعاد ردت:
“والد مريم ما تركش كل شيء لبنته مباشرة.”
صمتت لحظة.
ثم قالت:
“هو وضع جزءًا من ملكيته باسم حفيدته الأولى من ابنته.”
نظر الجميع إلى بعضهم.
لكن هناك مشكلة واحدة.
جنى ليست الحفيدة الأولى.
ليان هي الأكبر.
فلماذا اختار الجد جنى تحديدًا؟
وفي نفس اللحظة، وصلت مريم إلى محطة القاهرة.
كانت بناتها معها.
وقبل أن تنزل من السيارة، وصلتها رسالة من رقم سعاد:
“اسألي والدك لماذا كان يعرف بوجود جنى قبل ولادتها.”
تجمدت في مكانها.
لأن ذلك كان مستحيلًا.
والدي توفي قبل ولادة جنى بأيام.
فكيف كان يعرف بوجودها؟
ثم وصلت رسالة ثانية:
“والأهم… اسألي نفسك مين كان موجود مع والدك في المستشفى ليلة وفاته.”
رفعت عيني إلى كمال.
“حضرتك كنت مع بابا ليلة وفاته؟”
لم يجب.
قلت:
“كمال… كنت هناك؟”
نظر إلى الأرض.
ثم قال:
“أيوه.”
“ومين كان معاك؟”
ظل صامتًا.
ثم قال جملة جعلتني أشعر بقشعريرة:
“كان طارق.”
وفي نفس اللحظة…
رن هاتف ليان.
نظرت إلى الشاشة.
ثم قالت:
“ماما… بابا بعتلي رسالة.”
أخذت الهاتف منها.
كانت الرسالة قصيرة جدًا:
“لو عايزة تعرفي الحقيقة عن جنى… تعالي لوحدك.”
ثم وصلت رسالة ثانية:
“لأن اللي هقولهولك، مش لازم بناتك يعرفوه.”
نظرت إلى بناتي الأربع.
وعرفت أنني أمام سر أكبر بكثير من خيانة زوج.
سر بدأ قبل ولادة أصغر بناتي بسنوات…
وربما كان والدي نفسه جزءًا منه.
لكن لماذا كان طارق مع والدي ليلة وفاته؟
وهل كانت وفاة والدي فعلًا طبيعية كما أخبروني طوال هذه السنوات؟
لم أنم تلك الليلة.
جلست في الشقة الجديدة مع بناتي، والملف القديم أمامي، بينما كانت الرسائل التي وصلتني من طارق تدور في رأسي بلا توقف.
“تعالي لوحدك.”
كنت أعرف أنه يريد أن يخيفني.
لكنني كنت أعرف أيضًا أن هناك شيئًا يخفيه.
وفي الصباح، اتصلت بكمال.
قلت له:
“عايزة أعرف الحقيقة كاملة.”
أجابني:
“الحقيقة مش هتعجبك.”
“أنا مش خايفة.”
سكت قليلًا ثم قال:
“يبقى لازم تشوفي المكان بنفسك.”
بعد ساعتين، كنت أقف أمام مستشفى قديم في وسط القاهرة.
كان المستشفى نفسه الذي توفي فيه والدي قبل سنوات.
دخلت مع كمال إلى غرفة أرشيف صغيرة.
أخرج ملفًا من خزانة معدنية.
وقال:
“ده الملف اللي والدك طلب مني أخفيه.”
فتحت الملف.
كانت أول ورقة تقريرًا طبيًا عن والدي.
والتشخيص الرسمي كان:
أزمة قلبية مفاجئة.
لكن تحت التقرير الرسمي كان هناك تقرير آخر لم أره من قبل.
تقرير من طبيب آخر.
قرأت السطر الأول.
ثم تجمدت.
“المريض أظهر أعراضًا غير معتادة، ويجب إعادة فحصه لتعرضه المحتمل لمادة دوائية غير موصوفة.”
رفعت رأسي.
“يعني بابا ما ماتش بأزمة قلبية؟”
كمال لم يجب مباشرة.
قال:
“الطبيب طلب تحليلًا إضافيًا.”
“واتعمل؟”
“أيوه.”
“والنتيجة؟”
أخرج ورقة أخرى.
ثم وضعها أمامي.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى