روايات وقصص

المفتاح النحاس بقلم محمد عبده

— حاولت. لكن لما عرفت مين والد الولد، اتطلب مني أسكت. وأنا سكتّ فعلًا… لحد ما شفت آدم خارج من المدرسة وهو مش قادر يحرك دراعه.

سكتت لحظة، وبعدها رفعت عينيها ليا وقالت:

— بس فيه حاجة لازم تعرفيها. اللي حصل لابنك مش أول مرة، والمفتاح ده مش مجرد لعبة أو ذكرى من أبوه.

اتسعت عينيّ.

— تقصدي إيه؟

بصت ناحية آدم، اللي كان المسعف بيساعده يقوم بحذر.

— جوزك الله يرحمه كان سايب حاجة مهمة جدًا ورا المفتاح ده. حاجة ناس معينة مستعدة تعمل أي حاجة عشان توصل لها.

قبل ما أقدر أسألها عن أي تفاصيل، سمعت صوت العميد شريف من آخر الممر:

— أستاذة مريم! إنتِ بتعملي إيه هنا؟

اتجمدت مريم مكانها.

أما هو، فبدأ يمشي ناحيتنا بخطوات سريعة، وملامحه بتقول إنه فهم إن فيه حاجة اتغيرت، وإن السيطرة على الموقف ما بقتش في إيده زي الأول.

مريم قربت مني بسرعة، وحطت ورقة صغيرة في إيدي من غير ما يلاحظ.

وهمست:

— ما تفتحيهاش هنا. ولما تعرفي اللي مكتوب فيها، هتفهمي ليه محمود كان مخبي عنك الحقيقة.

وبعدها ابتعدت بسرعة، قبل ما العميد يوصل لنا.

ركبت مع ابني عربية الإسعاف، وأنا ضامة الورقة في كفي، وعقلي مليان أسئلة.

مين اللي كان بيحاول يوصل للمفتاح؟

وإيه الحاجة اللي محمود سابها وراه من غير ما يقولي؟

وليه قائد الشرطة، بكل نفوذه، خايف من مفتاح صغير في إيد طفل عنده سبع سنين؟

لكن السؤال الأخطر كان لسه مستنيني… لأن أول ما وصلنا المستشفى وفتحت الورقة اللي مريم ادتهالي، لقيت مكتوب فيها اسم شخص كنت فاكرة إنه مستحيل يكون له أي علاقة بالموضوع.

يتبع في الجزء الثالث…

الجزء الثالث: الورقة اللي كشفت سر جوزي الراحل
كنت قاعدة جنب سرير آدم في المستشفى، بحاول أطمنه وأنا من جوايا حاسة إن الأرض بتتسحب من تحت رجلي.

الدكتور فحص دراعه، وأكد إن فيه إصابة محتاجة تثبيت وعلاج، وإننا لازم نتابع حالته كويس خلال الفترة الجاية.

آدم كان ساكت، وبيبص للمفتاح النحاسي اللي متعلق في السلسلة حوالين رقبته.

قربت منه، ومسحت على شعره وقلت:

— حبيبي، أنا جنبك، ومش هسمح لأي حد يقلقك تاني.

بص لي بعينين مليانين دموع وقال:

— ماما، هو بابا كان عارف إن يوسف هيحاول ياخد المفتاح مني؟

السؤال وجعني أكتر من أي حاجة تانية.

إزاي طفل عنده سبع سنين يوصل لدرجة إنه يربط بين ذكرى أبوه وبين القلق من ولد أكبر منه؟

حضنته بحذر، وقلت:

— مش عارفة يا حبيبي، بس هنعرف الحقيقة سوا.

بعد ما الممرضة دخلت تطمن عليه، افتكرت الورقة اللي الأستاذة مريم حطتها في إيدي.

طلعتها من جيبي، وفردتها ببطء.

كان مكتوب فيها عنوان مكتب محاماة في القاهرة، وتحته اسم شخص أعرفه كويس.

الأستاذ سامح الدسوقي.

محامي جوزي محمود.

الرجل اللي حضر إجراءات الميراث بعد وفاة محمود، واللي سلّمني الأوراق الرسمية الخاصة ببيتنا وحساباتنا، واللي كنت فاكرة إنه أنهى كل الأمور القانونية المتعلقة بوفاته.

لكن ليه اسمه مكتوب في ورقة مرتبطة بالمفتاح؟

قلبت الورقة على الناحية التانية، فلقيت جملة قصيرة مكتوبة بخط مريم:

«اسأليه عن الملف رقم ٢٧، وماتقوليش لأي حد إنك عرفتي بوجوده.»

فضلت باصة للجملة دي، وأنا بحاول أرتب أفكاري.

ملف رقم ٢٧؟

إيه علاقته بمحمود؟ وإيه اللي يخلي الأستاذة مريم تحذرني بالطريقة دي؟

فتحت موبايلّي، ودوّرت على رقم المحامي القديم، وبعد تردد طويل اتصلت بيه.

رد بعد رنتين.

— ألو، مدام نجلاء؟ خير، حضرتك محتاجة حاجة؟

حاولت أتكلم بشكل طبيعي.

— أيوه يا أستاذ سامح. كنت عايزة أسألك عن أوراق جوزي الله يرحمه.

سكت لحظة، وبعدين قال:

— خير إن شاء الله. فيه مشكلة في الميراث؟

— لأ، بس لقيت ورقة مكتوب فيها اسم حضرتك، ومعاه رقم ملف غريب. ملف رقم ٢٧. تعرف عنه حاجة؟

الصمت اللي جه بعد سؤالي كان أطول من اللازم.

سمعت صوت حركة عنده، وبعدها اتكلم بنبرة مختلفة تمامًا.

— مين اللي قال لك عن الملف ده؟

حسيت بقلبي بيدق أسرع.

— يعني فيه ملف فعلًا؟

تنهد وقال:

— مدام نجلاء، الموضوع ده حساس، ومش مناسب نتكلم فيه على التليفون. تقدري تيجي مكتبي بكرة الصبح؟

— أنا محتاجة أفهم دلوقتي. ابني اتصاب في المدرسة، وابن قائد الشرطة كان بيحاول ياخد منه مفتاح جوزي. وأنا مش فاهمة أي حاجة.

سمعت نفسًا عميقًا من الناحية التانية.

وبعدين قال جملة خلتني أمسك الموبايل بإيدي الاتنين.

— لو المفتاح اللي بتتكلمي عنه هو المفتاح النحاسي الصغير، يبقى لازم تيجي بنفسك. لكن أهم حاجة، ما تديهوش لأي حد، مهما قال لك إنه عايز يساعدك.

قبل ما أسأله سؤال تاني، أنهى المكالمة.

فضلت قاعدة مكاني، والموبايل في إيدي، وعقلي بيرجع لكل كلمة قالها.

هو يعرف المفتاح.

ويعرف إن فيه ناس عايزة توصله.

والأغرب إنه كان عارف إن المفتاح مهم من قبل ما أحكيله تفاصيل كتير.

في اللحظة دي، سمعت آدم بيناديني بصوت ضعيف.

— ماما؟

قمت بسرعة وقعدت جنبه.

— عايز إيه يا حبيبي؟

بص ناحية باب الأوضة، وبعدها قرب مني وهمس:

— يوسف قال لي إن أبوه عارف إن المفتاح معايا. وقال لي لو ما اديتهولوش، أبوه هيعمل حاجة تضايقني.

حسيت بغضب شديد، لكني حاولت ما أبينش ده قدامه.

— قال لك الكلام ده إمتى؟

— من أسبوعين. وكان كل يوم يسألني عنه. وأنا كنت بقول له إني مش هديهوله، عشان بابا قال لي أحافظ عليه.

سألته بهدوء:

— طب إنت تعرف المفتاح بيفتح إيه؟

هز راسه بالنفي.

— بابا قال لي إنه هيفتح باب لحاجة مهمة، وإن لما أكبر هفهم. وقال لي لو حد حاول ياخده مني، أفتكر إن الأمانة مش بتتقاس بحجم الحاجة اللي في إيدينا، لكن بقيمتها عند صاحبها.

حسيت بدموعي بتتجمع في عيني.

دي كانت طريقة محمود في الكلام فعلًا. كان دايمًا بيحب يعلّم آدم دروس صغيرة بكلمات بسيطة، حتى وهو لسه طفل.

لكن المرة دي، كلامه كان وراه سر أكبر من قدرتي على الفهم.

تاني يوم الصبح، سيبت آدم تحت رعاية خالتي سعاد، بعد ما اطمّنيت إن حالته مستقرة، وروحت لمكتب الأستاذ سامح.

كان مكتبه في شارع هادي، وفيه مكتبة كبيرة مليانة ملفات وكتب قانون.

أول ما دخلت، قام من مكتبه، وقفل الباب بنفسه.

— اقعدي يا مدام نجلاء. قبل ما أشرح لك أي حاجة، لازم أسألك سؤال واحد.

قعدت قدامه وقلت:

— اتفضل.

— هل العميد شريف منصور أو أي حد من عيلته اتواصل معاكِ قبل كده بخصوص محمود؟

فكرت للحظات، وبعدين افتكرت مكالمة حصلت بعد وفاة جوزي بشهر تقريبًا.

وقتها، اتصل بيا شخص عرّف نفسه إنه بيشتغل في جهة حكومية، وقال إنه محتاج يستفسر عن بعض أوراق محمود القديمة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى