روايات وقصص

القصة كاملة

الجزء الثاني
لكن وأنا خارجة من القاعة، سمعت صوت حسام ورايا:

“سلمى… استني.”

وقفت.

لفيت ببطء.

كان حسام واقف وسط مجموعة من رجال الأعمال، لكن عينيه ما كانتش على الفلوس ولا على المؤسسة.

كانت على وشي.

وقال بصوت منخفض:

“في حاجة لازم تعرفيها.”

سألته:

“إيه؟”

بص حواليه، وبعدين قال:

“عمر طلب مني قبل وفاته إني ما أقولش أي حاجة غير بعد ستة شهور.”

اتجمدت مكاني.

“طلب منك إيه؟”

حسام مد إيده بملف أسود صغير.

“قال إن الملف ده ما يتفتحش غير بعد مرور ستة شهور على وفاته… وبشرط إنك تكوني موجودة بنفسك.”

بصيت للملف.

كان عليه اسم عمر بخط إيده.

سلمى.

إيدي بدأت ترتعش.

أخذته منه.

وقبل ما أفتحه، سمعت صوت نوال من بعيد:

“حسام! إنت بتديها إيه؟!”

ما رديتش.

دخلت غرفة جانبية هادية، وقفلت الباب.

فتحت الملف.

في البداية، لقيت أوراق قانونية.

ثم كشوف استثمارات.

ثم أسماء شركات ما كنتش أعرفها.

لكن آخر ورقة…

كانت رسالة مكتوبة بخط عمر.

وقفت لحظة قبل ما أبدأ أقرأ.

وكان أول سطر:

“لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى أنا مشيت فعلًا… وأتمنى تكوني أقوى مما كنتِ يوم ما سيبتك.”

اتنفست ببطء.

وكملت.

“سلمى…

أنا عارف إنك هتفتكري إن أكبر حاجة سبتها لك هي المال.

لكن ده مش صحيح.

الفلوس مجرد وسيلة.

الحاجة اللي كنت عايز أسيبهالك هي الحقيقة.”

قلبي بدأ يدق أسرع.

“طول سنين، عيلتي كانت فاكرة إنهم أصحاب النفوذ الحقيقي في العيلة.

لكنهم ما يعرفوش إن الجزء الأكبر من ثروتي بنيته بعيد عنهم.

وأنا تعمدت إني أخليهم ما يعرفوش كل التفاصيل.”

وقفت عن القراءة.

ليه؟

ليه عمر كان مخبي كل ده حتى عن عيلته؟

رجعت أكمل.

“لو حصل لي شيء، ما تعلنيش عن ثروتك فورًا.

استني.

راقبي.

شوفي مين هيقف جنبك لما يفتكر إنك خسرتي كل حاجة.

لأن المال أحيانًا بيخلي الناس يمثلوا أحسن نسخة من نفسهم.

لكن فقدان المال…

بيخليهم يظهروا على حقيقتهم.”

دموعي نزلت من غير ما أحس.

لأن عمر كان عارف.

كان عارف إن عيلته ممكن تتغير بعد موته.

وكان عايزني أشوف بنفسي.

لكن الرسالة ما انتهتش.

كان فيه سطر أخير:

“ولو اكتشفتي إنهم عاملوكِ بقسوة، ما تستخدميش ثروتي للانتقام منهم.”

وقفت.

وقريت السطر مرة تانية.

“استخدميها لبناء شيء هم ما قدروش يبنوه.”

حطيت إيدي على الورقة.

وهمست:

“كنت عارفني أوي يا عمر.”

لكن فجأة…

لقيت ورقة صغيرة وقعت من آخر الملف.

انحنيت وخدتها.

وكان مكتوب عليها اسم شركة واحدة.

شركة ما كانتش موجودة ضمن الشركات اللي ظهرت في باقي الأوراق.

شركة النيل للحلول البيئية.

وتحت الاسم رقم.

فتحت الموبايل واتصلت بالرقم.

رد رجل بعد ثواني:

“مساء الخير.”

قلت:

“أنا سلمى المنشاوي.”

سكت الرجل للحظة.

وبعدين قال:

“أخيرًا.”

اتجمدت.

“أخيرًا إيه؟”

قال:

“كنا مستنيين اتصالك من ستة شهور.”

سألته:

“مين حضرتك؟”

رد:

“اسمي ياسر… وكنت شريك عمر في آخر مشروع.”

سكت لحظة، وبعدين قال:

“بس المشروع ده مش مجرد شركة.”

سألته:

“أمال إيه؟”

قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي:

“ده المشروع اللي عمر كان بيخاف إن عيلته تعرف عنه.”

—

في اليوم التالي، قابلت ياسر في مكتبه.

دخلت وأنا متوقعة أشوف شركة عادية.

لكن أول ما دخلت…

اكتشفت إن المكان كان مركز أبحاث ضخم.

مهندسين.

علماء.

أجهزة.

شاشات.

ومعامل كاملة.

سألته:

“إيه ده؟”

ابتسم وقال:

“ده آخر مشروع كان عمر بيشتغل عليه.”

مشينا وسط المعمل.

وكان فيه نموذج لجهاز كبير محاط بزجاج.

قال:

“الجهاز ده ممكن يساعد في معالجة كميات ضخمة من المياه الملوثة بتكلفة أقل بكتير من الطرق التقليدية.”

بصيت للجهاز.

وقلت:

“وعمر كان بيمول كل ده؟”

قال:

“عمر كان الممول الرئيسي.”

سكت.

ثم أضاف:

“لكن في حاجة أهم.”

بصيتله.

“إيه؟”

قال:

“عمر كان مقرر إن المشروع ده يتحول لمؤسسة غير ربحية بعد وفاته.”

سألته:

“ليه؟”

رد:

“لأنه كان عايز التكنولوجيا دي توصل لمناطق فقيرة، مش تتحول لمشروع تجاري ضخم.”

وقتها فهمت.

عمر ما كانش بيبني ثروة عشان يسيبلي فلوس.

كان بيبني حاجة أكبر.

حاجة يعيش أثرها بعد موته.

لكن قبل ما أمشي، ياسر وقفني.

وقال:

“في مشكلة.”

قلت:

“إيه؟”

فتح درج مكتبه.

وطلع ملف تاني.

قال:

“قبل وفاة عمر بأيام، حد حاول يشتري المشروع بالكامل.”

سألته:

“مين؟”

بصلي في عيني.

وقال:

“واحد من أفراد عيلته.”

سكتُّ.

“مين؟”

ياسر ما ردش فورًا.

وبعدين قال:

“أخو عمر.”

اتسعت عيني.

لأن أخو عمر…

ما كانش موجود أصلًا في جنازته.

ووقتها فهمت إن الحكاية لسه أكبر بكتير مما كنت متخيلة.

لكن اللي ما كنتش أعرفه…

إن الشخص اللي حاول يشتري مشروع عمر ما كانش بيتصرف لمصلحته وحده.

كان فيه شخص تاني وراه.

وشخص أنا كنت شفته بعيني في الحفل…

نوال، حماتي.
فضلت واقفة قدام ياسر وأنا مش قادرة أتكلم.

قلت له:

“إنت متأكد إن نوال ليها علاقة بالموضوع؟”

هز راسه وقال:

“مش عندي دليل إنها وقعت بنفسها على أي ورقة، لكن فيه تحويلات مالية، ورسائل، واجتماعات حصلت قبل وفاة عمر بأيام.”

مد إيده بملف.

“والأسوأ من كده… إن عمر كان عارف.”

فتحت الملف بسرعة.

لقيت نسخ من رسائل بريد إلكتروني، ومحاضر اجتماعات، ومستندات تحويلات مالية.

وكان فيه اسم أخو عمر، محمود، بيتكرر كتير.

لكن في إحدى الرسائل ظهر اسم نوال.

كانت بتطلب من محمود يعرف تفاصيل ملكية المشروع، ومن يملك حقوقه بعد وفاة عمر.

قلبي وجعني.

مش بسبب الفلوس.

لكن لأن عمر كان عايش آخر أيامه وهو عارف إن أقرب الناس ليه كانوا بيدوروا على اللي هيسيبُه وراه.

سألت ياسر:

“ليه عمر ما واجههمش؟”

رد:

“لأنه كان عايز يعرف مين هيحاول ياخد حاجة مش من حقه.”

ثم أضاف:

“وكان عنده سبب تاني.”

“إيه؟”

“كان خايف إن المواجهة تعرضك للخطر.”

سكتُّ.

حسيت إن الدنيا بتلف بيا.

عمر كان بيحميني حتى وهو عارف إنه ممكن يموت.

—

رجعت البيت في نفس الليلة.

قعدت قدام صورته لساعات.

وقلت:

“ليه ما قلتليش؟”

طبعًا ما كانش فيه إجابة.

لكن في اليوم التالي، جالي اتصال من المحامي القديم لعمر.

قال:

“سلمى، لازم نتقابل فورًا.”

قابلته في مكتبه.

أول ما دخلت، حط قدامي ظرف أبيض.

وقال:

“عمر ترك تعليمات واضحة جدًا.”

فتحت الظرف.

لقيت مستندات قانونية.

وكان فيها بند واضح:

أي محاولة للاستيلاء على المشروع أو التأثير على إدارته بعد وفاته تمنح سلمى كامل الحق في تجميد الأصول والتحقيق في كل التحويلات المالية المرتبطة به.

بصيت للمحامي.

قلت:

“يعني عمر كان متوقع ده؟”

قال:

“هو كان مستعد لكل الاحتمالات.”

ثم سكت لحظة.

وقال:

“لكن فيه حاجة أخطر.”

“إيه؟”

فتح درج مكتبه وطلع صورة.

بصيت للصورة…

وكانت صدمة.

الصورة كانت لعمر قبل وفاته بأسبوع تقريبًا.

وكان واقف فيها مع محمود…

ومع شخص ثالث.

شخص أعرفه كويس.

حسام.

نفس الرجل اللي كان واقف جنب نوال في الحفل.

قلت:

“حسام؟”

المحامي هز رأسه.

“كان مستشار عمر المالي لفترة طويلة.”

“وعمر كان عارف إنه بيتعامل مع محمود؟”

“أيوه.”

سألته:

“طب ليه ما طردهش؟”

رد بهدوء:

“لأنه كان بيجمع أدلة.”

—

في اليوم التالي، طلبت من المحامي يعمل مراجعة كاملة لكل الحسابات والتحويلات.

بعد ساعات طويلة من البحث…

ظهر شيء غريب.

تحويلات صغيرة ومتفرقة.

مبالغ مش ضخمة لدرجة تلفت الانتباه.

لكنها كانت بتتكرر.

والتحويلات كلها كانت مرتبطة بشركات وسيطة.

ولما المحاسبين تتبعوا مسار الأموال…

وصلوا لشركة مملوكة بشكل غير مباشر لشخص من عيلة المنشاوي.

لكن المفاجأة الحقيقية كانت في آخر صفحة.

المستفيد النهائي…

محمود.

حسيت بغضب.

مش لأنه حاول يسرق مال أخوه.

لكن لأنه كان مستعد يخدع أخوه وهو مريض.

ومع ذلك، تذكرت رسالة عمر.

“ما تستخدميش ثروتي للانتقام.”

قفلت الملف.

وقلت للمحامي:

“أنا مش عايزة فضيحة.”

بصلي باستغراب.

“أمال عايزة إيه؟”

قلت:

“عايزة كل حاجة ترجع للقانون.”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى