روايات وقصص

القصة كاملة

بعد يومين، طلبت مقابلة محمود.

وافق.

دخل مكتبي وهو متوتر.

قعد قدامي.

فضل ساكت ثواني.

وبعدين قال:

“أنا عارف إنك عرفتي.”

قلت:

“عرفت إيه؟”

خفض عينيه.

“التحويلات.”

ما رديتش.

فكمل:

“أنا ما كنتش ناوي آخد كل حاجة.”

ضحكت ضحكة قصيرة.

“كنت ناوي تاخد إيه بالضبط؟”

قال:

“كنت خايف إن المشروع يضيع.”

قلت:

“عشان كده حاولت تشتريه قبل ما أخد حقي؟”

رفع عينيه وقال:

“أمي قالت إنك مش هتعرفي تديريه.”

سكتُّ.

الكلمة دي وجعتني أكتر من أي حاجة.

مش لأنه شك في قدرتي.

لكن لأن نوال كانت شايفة إني مجرد زوجة عمر.

مش إنسانة اختارها عمر بنفسه.

قلت:

“وأنت صدقتها؟”

ما ردش.

فقلت:

“كان ممكن تسألني.”

ظل ساكت.

ثم قال:

“أنا غلطت.”

بصيت له.

“الغلط ممكن يتصلح.”

رفع رأسه.

سأل:

“إزاي؟”

قلت:

“هتقدم كل المستندات للجهات المختصة، وهتتعاون في التحقيق، وهتتوقف أي تحويلات أو تعاملات مشروعة.”

قال:

“ولو عملت كده؟”

رديت:

“مش هطلب منك أكتر من حق القانون.”

—

بعد أسبوع…

الخبر بدأ ينتشر في دوائر رجال الأعمال.

مش عن ثروتي.

لكن عن المؤسسة.

وعن مشروع المياه.

وبدأت جهات علمية ومؤسسات خيرية تتواصل معايا.

وأنا لأول مرة فهمت ليه عمر كان عايزني أكمل.

المشروع ما كانش مجرد شركة.

كان ممكن يغيّر حياة ناس كتير.

وبدأت المؤسسة تمول مشروعات لتنقية المياه في قرى ومناطق محتاجة.

كل مرة أشوف صور الأطفال وهم بيشربوا مياه نظيفة…

كنت أفتكر عمر.

وأقول في سري:

“شايف؟ أنا بكمل اللي بدأته.”

—

لكن بعد فترة قصيرة، وصلتني رسالة مجهولة.

جملة واحدة فقط:

“لو فاكرة إنك عرفتي كل الحقيقة… فأنتِ لسه ما شفتيش حاجة.”

قرأت الرسالة مرتين.

وبعدين ظهر إشعار برسالة تانية.

كان فيها صورة.

صورة قديمة لعمر وهو داخل مستشفى قبل وفاته.

لكن في خلفية الصورة…

كان فيه شخص واقف بعيد.

شخص ما كانش من عيلته.

ولا من فريق الأطباء.

ولا من موظفي المستشفى.

رفعت الصورة قدام عيني.

وقلت:

“مين ده؟”

وبعد ثواني…

وصلتني رسالة أخيرة:

“اسألي نفسك ليه عمر نقل جزء من ثروته باسم عائلتك قبل وفاته… ومن كان بيحاول يوصل للملف ده.”

وقتها فهمت إن كل اللي حصل من يوم وفاة عمر…

ما كانش النهاية.

كان مجرد بداية.

لأن السر الأكبر…

ما كانش متعلق بالـ500 مليون دولار.

كان متعلق بسبب إخفاء عمر للثروة أصلًا.
فضلت ماسكة الصورة في إيدي وأنا مش قادرة أبعد عيني عن الشخص اللي واقف في خلفية المشهد.

اتصلت بالمحامي فورًا.

وقلت له:

“عايزة أعرف مين الشخص ده.”

بعد أقل من ساعة، كان عندي فريق صغير بيراجع كل حاجة تخص آخر أسابيع في حياة عمر.

سجلات المستشفى.

كاميرات المراقبة.

سجلات الزيارات.

والمكالمات.

وبعد ساعات من البحث، ظهر اسم.

الدكتور سامح الراوي.

طبيب ومستشار كان عمر قابله قبل وفاته بأيام.

اتصلنا بيه.

في البداية رفض الكلام.

لكن لما عرف إن عمر ترك تعليمات قانونية تسمح بالكشف عن بعض الملفات بعد وفاته، وافق يقابلني.

دخل المكتب، وقعد قدامي.

سألته:

“كنت موجود يوم اتصورت الصورة دي؟”

بص للصورة.

وسكت.

وبعدين قال:

“أيوه.”

قلت:

“إيه علاقتك بعمر؟”

رد:

“عمر ما كانش بيطلب مني علاج.”

استغربت.

“أمال؟”

قال:

“كان بيسألني عن حاجة تانية.”

ثم فتح حقيبته وأخرج ملفًا قديمًا.

وقال:

“كان عايز يتأكد إن مشروعه يقدر يكمل حتى لو هو مات.”

سألته:

“وده سبب إخفائه للثروة؟”

هز رأسه.

“جزء من السبب.”

فتحت الملف.

لقيت أوراقًا تخص مشروع عمر البيئي، لكن كان فيه مستند مختلف.

مستند يحمل اسم عائلتي قبل الزواج.

رفعت عيني للدكتور سامح.

“ليه باسم عيلتي؟”

قال:

“لأن عمر كان خايف إن أي جهة تحاول السيطرة على المشروع لو اتسجل باسمه وحده.”

ثم قال:

“وكان عايز يضمن إن القرار النهائي يفضل في إيد شخص يثق فيه.”

سألته:

“أنا؟”

ابتسم.

“أنتِ.”

—

في اللحظة دي، افتكرت حاجات صغيرة كنت بعتبرها عادية.

عمر كان أحيانًا يسألني عن رأيي في مشروعات خيرية.

كان بيخليني أقرأ تقارير من غير ما أفهم ليه.

وكان دايمًا يقول:

“أهم حاجة يا سلمى إن الإنسان ما يسيبش وراه فلوس بس.”

كنت بفتكرها مجرد حكمة.

لكن دلوقتي فهمت.

كان بيجهزني.

مش لإدارة ثروة.

لكن لإكمال حلم.

—

بعد أيام، اتصل بيا حسام.

وقال:

“لازم نتكلم.”

قابلته في نفس المكان اللي واجهته فيه أول مرة.

لكن المرة دي ما كانش واثق من نفسه.

قال:

“أنا عايز أقولك الحقيقة.”

سكت.

فكمل:

“عمر اكتشف إن محمود ونوال كانوا بيحاولوا يوصلوا لبعض أصوله.”

قلت:

“وأنت كنت عارف.”

قال:

“أيوه.”

“وسكت؟”

خفض رأسه.

“عمر طلب مني أراقب بس.”

سألته:

“ليه؟”

قال:

“لأنه كان عايز يعرف مين هيحاول يتصرف بعد وفاته.”

سكتُّ.

ثم سألته:

“والرسائل المجهولة؟”

رفع عيني.

“أنا اللي بعتها.”

اتصدمت.

“إنت؟!”

قال:

“كنت عايز أتأكد إنك هتكملي اللي عمر بدأه.”

وقفت غاضبة.

“كنت ممكن تخوفني!”

قال:

“عارف.”

ثم أضاف:

“لكن عمر ترك تعليمات أخيرة.”

“إيه هي؟”

مد إيده بورقة.

قرأتها.

وكان فيها جملة واحدة:

“إذا وصلت سلمى إلى هنا، فاتركوا لها الاختيار.”

اختيار إيه؟

حسام قال:

“عمر ما كانش عايز يفرض عليكِ حياة جديدة بعد وفاته.”

“كان عايزك تختاري بنفسك: تاخدي الثروة وتعيشي حياتك… أو تستخدمي جزءًا منها لإكمال مشروعاته.”

بصيت للورقة طويلًا.

وفهمت أخيرًا.

كل ده ما كانش اختبارًا ليا.

كان محاولة من عمر إنه يسيبلي حرية الاختيار حتى بعد ما يموت.

—

مرت شهور.

القضايا انتهت في مسارها القانوني.

محمود اعترف بمسؤوليته عن بعض التصرفات المالية، وتمت إعادة الأصول التي ثبت أنها نُقلت بصورة غير مشروعة.

أما نوال…

فلم تعد تملك القدرة على التحكم في أي شيء يخص ثروة عمر.

لكنني لم أرفع عليها قضية انتقامية.

لم أفضحها.

ولم أحاول تدميرها.

فقط قطعت علاقتي بها.

نهائيًا.

وبعد سنة من وفاة عمر، أقامت المؤسسة أول مشروع كبير لها.

محطة لمعالجة المياه في قرية كانت تعاني من نقص المياه النظيفة.

وقفت أمام الناس في يوم الافتتاح.

وكانت صورة عمر معلقة خلفي.

قلت:

“الثروة اللي تركها عمر ما كانتش ملكًا لي وحدي.”

“كانت فرصة.”

“وفرصتنا الحقيقية إننا نحولها لحاجة تعيش بعدنا.”

صفق الناس.

لكن أنا كنت أدور بعيني على صورة عمر.

وكأنني أنتظر منه إشارة.

وفي اللحظة دي…

ابتسمت.

لأني أخيرًا فهمت رسالته.

—

بعد انتهاء الحفل، رجعت البيت.

فتحت ألبوم صور فرحنا.

وقفت عند نفس الصورة القديمة.

الصورة اللي كان الطين مغطي جزء من وشه يوم طردوني من البيت.

مررت أصابعي عليها.

وقلت:

“فاكر اليوم ده يا عمر؟”

ضحكت وسط دموعي.

“هما كانوا فاكرين إنهم بيرموني من غير حاجة.”

ثم أغلقت الألبوم.

“لكن الحقيقة إني خرجت بالحاجة الوحيدة اللي كنت محتاجاها.”

ذكراك.

أما الفلوس…

فهي مجرد وسيلة.

أما اسمك…

فبقى مشروعًا يعيش بعدك.

وأما عيلتك…

فقد تعلمت منهم درسًا لن أنساه أبدًا:

مش كل شخص يقف جنبك وقت راحتك يستحق يكون جنبك وقت ضعفك.

وقبل ما أنام، فتحت آخر رسالة تركها عمر.

كان آخر سطر فيها:

“لو قدرتِ تسامحيهم، سامحيهم… لكن ما تسمحيش لهم يحددوا قيمتك.”

قفلت الرسالة.

وبصيت من الشباك.

لأول مرة من يوم وفاته…

ما حسيتش إني فقدته.

حسيت إني أكملت وعده.

وبعد سنوات، أصبحت المؤسسة واحدة من أكبر المؤسسات الخاصة التي تمول مشروعات المياه والطاقة النظيفة في المنطقة.

أما البيت الكبير الذي طردوني منه…

فلم أعد أذكر حتى عنوانه.

لأنني اكتشفت أنني لم أخسر بيتًا يوم خرجت منه.

أنا فقط خرجت من مكان لم يعد يشبه المكان الذي كنت أظن أنني أنتمي إليه.

والأهم…

إنني في اليوم الذي ظنوا فيه أنني خرجت من حياتهم بلا شيء…

كنت في الحقيقة أبدأ حياة جديدة.

حياة اختارها لي قلبي…

واختار عمر أن يترك لي حرية إكمالها.

النهاية.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى