روايات وقصص

الجزء الاخير بقلم محمد عبده

الجزء الرابع: السر اللي والدي خبّاه قبل وفاته فضلت واقفة في نص قاعة الاجتماعات، والظرف الأبيض في إيدي، وعيني بتتنقل بين الخطاب القديم ومحمود اللي كان واقف قدامي من غير ما ينطق بكلمة. كان واضح إن اسم والدي حرّك جواه حاجة كبيرة. سألته مرة تانية: «محمود، إنت تعرف إيه عن الخطاب ده؟» حاول يبتسم، لكن ابتسامته كانت مرتبكة.

«معرفش حاجة يا نادية. إنتِ بتسأليني ليه؟»
ما رديتش. رجعت بصّيت للخطاب وبدأت أقرأه من أوله.
كان مكتوب بخط والدي، اللي كنت أعرفه كويس جدًا.
«إلى ابنتي نادية، إذا وصل إليكِ هذا الخطاب يومًا، فاعلمي أن هناك أمورًا تركتها دون شرح، ليس لأنني لم أثق بكِ، ولكن لأنني أردت أن أضمن أن حقوقك وحقوق ابنتك محفوظة مهما تغيرت الظروف».
قلبي بدأ يدق بسرعة.
حقوق ملك؟
ليه والدي ذكر بنتي بالاسم في خطاب اتكتب من سنين؟
كملت القراءة.
«لقد خصصت جزءًا من استثماري في الشركة لمستقبل أحفادي، ووضعت له ترتيبات قانونية مستقلة، بحيث لا يتأثر بأي خلاف عائلي أو تغير في الإدارة. وقد أوكلت متابعة هذه الترتيبات إلى المستشار القانوني، على أن تُراجع عند ظهور أي محاولة للتصرف في الحقوق المخصصة لهم دون موافقة صحيحة».
وقفت عند الجملة الأخيرة.
رفعت عيني ناحية الأستاذ فؤاد وسألته:
«إنت تعرف حاجة عن الترتيبات دي؟»
فتح الملف اللي كان معاه، وبدأ يقلب في الأوراق.
بعد لحظات، رفع رأسه وقال:
«أيوه يا مدام نادية. فيه بالفعل حساب استثماري مخصص لمستقبل ملك، واتعمل من خلال ترتيب قانوني مستقل عن أصول الشركة التشغيلية. لكن لازم نراجع المستندات الأصلية قبل ما نحدد كل التفاصيل».
ملك كانت قاعدة جنبي، وبتبص لي باستغراب.
همست:
«ماما، جدو كان عامل لي حاجة؟»
ابتسمت لها رغم القلق اللي جوايا.
«واضح إنه كان بيفكر في مستقبلك يا حبيبتي».
لكن قبل ما أكمل كلامي، محمود اتكلم فجأة.
«طيب، وإيه المشكلة؟ الحساب موجود، ومحدش أخد منه حاجة».
بصّيت له باستغراب.
«أنا لسه ما قلتش إن فيه مشكلة».
سكت.
وفي اللحظة دي، لاحظت حاجة مهمة.
محمود ما كانش مستغرب وجود الحساب، ولا حتى فكرة إن والدي خصص فلوس لمستقبل ملك.
كان بيتكلم كأنه عارف التفاصيل من قبل ما أقرأ الخطاب!
سألته بهدوء:
«إنت عرفت بوجود الحساب ده إمتى؟»
ردّ بسرعة:
«من زمان… يمكن سمعت عنه من والدك».
«وإنت عمرك ما قلت لي؟»
هزّ كتفه وقال:
«ما افتكرتش إن الموضوع مهم».
بصّيت له طويلًا.
والدي ما كانش من الناس اللي بتعمل ترتيبات مالية كبيرة من غير سبب، خصوصًا لما الأمر يتعلق بحفيدته.
قلت للأستاذ فؤاد:
«عايزة نسخة من المستندات الأصلية، وتاريخ كل تعديل حصل عليها، ومين كان عنده صلاحية الاطلاع أو تقديم طلبات تخص الحساب».
ردّ بجدية:
«هنراجع كل ده من خلال الجهة القانونية المختصة، وهنوثق كل خطوة».
إيريني كانت واقفة بعيد، لكنها بدأت تتحرك بعصبية.
وفجأة قالت:
«أنا مش فاهمة إنتوا بتتكلموا عن إيه! هو إحنا جايين نحل مشكلة بنت، ولا نفتح ملفات مالية قديمة؟»
بصّيت لها وقلت:
«مشكلة بنت؟ إنتِ اللي قلتي من شوية إنك كنتِ بتعلميها الأدب. دلوقتي بقى لازم نعرف إذا كان فيه أي تصرفات تانية محتاجة مراجعة، وكل موضوع هيتعامل معاه بشكل منفصل».
ردّت بعصبية:
«أنا ماليش أي علاقة بحساب البنت!»
ما كنتش اتهمتها أصلًا.
لكنها قالت الجملة بسرعة، وبنبرة دفاعية خلتني أبص للأستاذ فؤاد.
هو كمان لاحظ رد فعلها، لكنه ما علّقش.
اكتفى بتدوين ملاحظاته.

المفاجأة اللي ظهرت في السجلات
بعد حوالي عشرين دقيقة، رجع الأستاذ فؤاد ومعاه موظف من الإدارة المالية.
حطّوا مجموعة مستندات على المكتب، وبدأوا يراجعوا التواريخ.
قال الأستاذ فؤاد:
«مدام نادية، لحد اللحظة دي، الحساب نفسه موجود، ومفيش دليل مؤكد على سحب أموال منه. لكننا لقينا طلبًا قديمًا للاستعلام عن تفاصيل الترتيبات المالية الخاصة بملك».
سألته:
«مين قدم الطلب؟»
قلب الموظف المالي في الأوراق، وبعدها قال:
«الطلب اتقدم من خلال مكتب خدمات مالية، باسم شركة استشارات مرتبطة بمحمود».
محمود اتحرك من مكانه بسرعة.
«ده مش معناه إني عملت حاجة غلط! أي حد يقدر يستفسر عن إجراءات قانونية».
ردّ الأستاذ فؤاد:
«صحيح. مجرد الاستعلام مش دليل على مخالفة. إحنا محتاجين نعرف طبيعة الطلب، والغرض منه، وهل كان فيه تفويض يسمح بتقديمه».
بصّيت لمحمود.
«ليه شركتك كانت بتستفسر عن حساب مستقبل ملك؟»
ردّ وهو بيحاول يحافظ على هدوئه:
«كنت بحاول أفهم الإجراءات. أنا أبوها، ومن حقي أعرف مستقبل بنتي».
قلت له:
«معرفة مستقبل بنتك شيء، ومحاولة الوصول لتفاصيل مالية محمية شيء تاني. وده لازم يتراجع وفقًا للقانون والمستندات».
إيريني تدخلت فجأة:
«أنا اللي طلبت منه يستفسر!»
الكل بصّ لها.
محمود لف ناحيتها بصدمة.
«إنتِ بتقولي إيه؟»
قالت بسرعة:
«أنا كنت بحاول أفهم وضع العائلة المالي، خصوصًا إننا كنا بنخطط للمستقبل. ما كانش قصدي أعمل حاجة غلط».
سألتها:
«وإيه علاقة حساب ملك بمستقبلك إنتِ؟»
اترددت.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى