
الجزء الثاني والأخير
مريم فضلت واقفة قدام باب شقتها، والظرف الأزرق بين إيديها.
إيدها كانت بتترعش.
أما المستشار فؤاد، فكان واقف قدامها بملامح جامدة، لكن عينيه كانوا مليانين قلق.
ومن بعيد، داخل عربيته، كان آدم بيتابع المشهد وهو مش فاهم حاجة.
هو كان المفروض يرجع.
كان المفروض يسيب مريم في حالها.
لكن اسم زوجها، والظرف الأزرق، ووجود محامي عيلته قدام بابها… كل حاجة كانت بتقول له إن اللي بيحصل مش مجرد صدفة.
مريم بصت جوه الظرف.
وبمجرد ما شافت أول ورقة، شهقت.
«إنت لسه محتفظ بيها؟»
فؤاد قال بهدوء:
«أنا احتفظت بيها عشان كنت عارف إن اليوم ده هييجي.»
مريم رفعت عينيها له.
«بعد أربع سنين؟»
سكت فؤاد.
وبعدين قال:
«أربع سنين بالظبط.»
مريم ضغطت على الورقة بين صوابعها.
«بس أنا وعدت نفسي إني مش هرجع للماضي تاني.»
فؤاد رد:
«إنتِ ما رجعتيش للماضي يا مريم. الماضي هو اللي رجعلك.»
الكلمة دي خلت مريم تسكت.
وفي نفس اللحظة، آدم حس بقلبه بيدق أسرع.
هو مش فاهم.
لكن اسم واحد كان بيلف في دماغه.
سليم كمال.
زوج مريم الراحل.
الاسم اللي كان مكتوب في الملف.
الاسم اللي سمعه من أربع سنين.
الاسم اللي عيلته رفضت تتكلم عنه بعد اللي حصل.
آدم فتح باب عربيته ونزل.
لكن قبل ما يوصل للعمارة، شاف فؤاد بيبص ناحيته.
عيونهم اتقابلت.
المستشار اتفاجئ.
«أستاذ آدم؟»
مريم لفت بسرعة.
وشافته.
وشها شحب.
«إنت؟»
آدم وقف مكانه.
كان واضح إنه اتكشف.
قال بصراحة:
«أنا آسف.»
مريم فضلت باصة له.
«إنت كنت بتتبعني؟»
آدم نزل عينيه للحظة.
«آه.»
ملامحها اتغيرت.
«ليه؟»
آدم قال:
«سمعتك الصبح وإنتِ بتطلبي من والدتك 28 دولار عشان لبن عمر. أنا… ماكانش قصدي أتدخل في حياتك.»
مريم ردت بانفعال:
«بس اتدخلت.»
«عندك حق.»
«وجيت ورايا لحد هنا.»
«أنا عارف إن ده غلط.»
سكت لحظة، وبعدين قال:
«كنت عايز أساعدك من غير ما أحرجك.»
مريم بصت له بحيرة.
«تساعدني؟»
آدم أخرج محفظته.
لكن قبل ما يمد إيده، مريم قالت:
«لو سمحت… متدينيش فلوس.»
آدم وقف.
«أنا مش عايزة صدقة.»
«أنا ما اعتبرتهاش صدقة.»
«بس أنا هاعتبرها كده.»
صوتها كان هادي، لكنه حاسم.
آدم فهم إنها مش محتاجة حد يشفق عليها.
قال:
«تمام. مش هديكي فلوس.»
فؤاد كان ساكت طول الوقت.
لكن فجأة قال:
«أعتقد إن الوقت جه إن أستاذ آدم يعرف الحقيقة.»
مريم بصت له بخوف.
«لأ.»
«مريم…»
«قلت لأ.»
فؤاد تنهد.
«لو ما عرفش منك، هيعرف من غيرك.»
آدم قرب خطوة.
«يعرف إيه؟»
مريم ما ردتش.
فؤاد بص لآدم وقال:
«اسم زوجها كان موجود في ملفات عيلتك من أربع سنين.»
آدم قال:
«أنا عارف.»
«لأ. إنت مش عارف.»
فؤاد أخرج ورقة من الظرف.
«سليم كمال ماكانش مجرد موظف سابق في شركة عيلتك.»
آدم عقد حواجبه.
«كان إيه؟»
فؤاد قال:
«كان شريكًا في مشروع كبير.»
آدم اتصدم.
«أي مشروع؟»
فؤاد بص لمريم.
ومريم غمضت عينيها.
ثم قالت بصوت مكسور:
«المشروع اللي مات بسببه.»
الصمت نزل على المكان.
آدم حس إن الدنيا وقفت للحظة.
«مات بسبب مشروع؟»
فؤاد قال:
«سليم كان مسؤول عن مراجعة حسابات مشروع طريق القاهرة الجديدة من أربع سنين.»
آدم بدأ يفتكر.
كان وقتها المشروع الأكبر في تاريخ الشركة.
ميزانية ضخمة.
مقاولين كتير.
أعمال بنية تحتية واسعة.
وفي آخر المشروع، حصلت مشكلة مالية كبيرة.
كانت فيه مبالغ ناقصة.
وسليم اتهموه إنه المسؤول.
آدم قال:
«أنا فاكر القضية دي.»
مريم بصت له.
«أيوه.»
«بس… أنا فاكر إن سليم هرب.»
وشها اتكسر.
«دي كانت الكذبة.»
آدم سكت.
فؤاد قال:
«سليم ما هربش.»
مريم مسحت دمعة نزلت من عينها.
«هو مات وهو بيحاول يثبت إنه بريء.»
آدم ما عرفش يرد.
فؤاد كمل:
«قبل وفاته بيومين، سليم سلمني مستندات.»
آدم بص للظرف الأزرق.
«المستندات دي؟»
فؤاد هز رأسه.
«جزء منها.»
«وجزء منها فين؟»
فؤاد بص لمريم.
«معاها.»
آدم التفت لمريم.
«إنتِ كنتِ عارفة؟»
مريم ردت:
«كنت عارفة إن جوزي بريء.»
«من البداية؟»
«أيوه.»
«طيب ليه ما قلتيش؟»
مريم ضحكت ضحكة قصيرة مليانة وجع.
«أقول لمين؟»
سكتت لحظة.
وبعدين قالت:
«لما مات، الناس قالت إنه لص.»
«أهله اتبروا منه.»
«والناس اللي كان بيشتغل معاهم اختفوا.»
«وأنا كنت لوحدي… حامل.»
آدم حس بصدمة حقيقية.
«إنتِ كنتِ حامل وقتها؟»
مريم هزت رأسها.
«كنت حامل في عمر.»
ثم نظرت إليه.
«وعمر ده كان عنده تلات شهور لما أبوه مات.»
آدم حس بالخجل.
كل الفترة اللي فاتت، كان شايف مريم مجرد موظفة في بيته.
أرملة بتربي طفل.
لكنه دلوقتي بدأ يفهم إنها كانت شايلة قصة كاملة فوق كتفها.
فؤاد قال:
«سليم اكتشف إن فيه تحويلات مالية خرجت من حسابات الشركة لحسابات وهمية.»
آدم قال:
«مين عملها؟»
فؤاد رد:
«دي هي المشكلة.»
«سليم حاول يواجه الشخص المسؤول.»
«وبعدها بيومين، حصل الحادث.»
آدم قرب منه.
«حادث؟»
فؤاد أومأ.
«عربيته خرجت عن الطريق.»
«والشرطة قالت إنه فقد السيطرة.»
مريم قاطعته:
«لكن جوزي ماكانش بيقود بسرعة.»
آدم بص لها.
«إنتِ متأكدة؟»
مريم فتحت الظرف وأخرجت صورة قديمة.
مدتها له.
آدم أخذ الصورة.
كانت صورة لسيارة سليم بعد الحادث.
وفي أسفل الصورة، كان فيه تقرير فني
آدم قرأه.
ثم توقف.
«دي مش النسخة اللي في ملف الشركة.»
فؤاد قال:
«بالضبط.»
آدم رفع عينيه.
«يعني إيه؟»
فؤاد قال:
«النسخة الرسمية اتغيرت.»
آدم حس ببرودة في أطرافه.
«مين غيرها؟»
فؤاد لم يرد.
مريم قالت:
«أنا كنت عارفة إنك هتوصل للنقطة دي في يوم من الأيام.»
آدم قال:
«أنا محتاج أعرف كل حاجة.»
مريم بصت له.
«ليه؟»
«لأن لو اللي بتقولوه حقيقي… يبقى عيلتي ظلمت راجل بريء.»
مريم ردت بسرعة:
«مش عيلتك كلها.»
سكتت.
وبعدين قالت:
«شخص واحد.»
آدم سأل:
«مين؟»
لكن قبل ما تجاوب…
سمعوا صوت عربية بتقف تحت العمارة.
فؤاد بص من الشباك.
وفجأة تغير لون وشه.
«إحنا لازم نقفل الباب.»
آدم سأله:




