أخبار

القصة كاملة

الجزء الثاني والاخير
فضل الدكتور ياسر واقف في مكانه، ماسك أوراق الطلاق بإيده، ومش قادر يستوعب اللي مكتوب قدامه.

طلاق؟

مريم طلبت الطلاق فعلًا؟

رفع عينه ناحية الموظف وقال بعصبية:

— هي مين اللي قدّمت الطلب ده؟

الموظف رد بهدوء:

— زوجتك، مدام مريم.

— وأنا آخر واحد يعرف؟!

الموظف ماعلّقش.

وقّع ياسر على استلام الأوراق، وبعدها خرج بسرعة من القاعة.

أول ما دخل مكتبه، قفل الباب وراه.

حط الأوراق على المكتب وبدأ يقراها من الأول.

ماكانش فيها اتهامات صريحة.

مافيهاش فضايح.

مافيهاش طلبات مبالغ فيها.

مريم كانت طالبة إنهاء الزواج وتقسيم الممتلكات المشتركة بالعدل.

وده تحديدًا هو اللي عصّبه أكتر.

لأنها ماكانت بتطلب منه فلوس.

ولا كانت بتحاول تنتقم.

كانت ببساطة…

بتخرج من حياته.

مسك موبايله وحاول يتصل برقمها.

الرقم خارج الخدمة.

حاول مرة تانية.

نفس النتيجة.

فتح تطبيقات التواصل.

كل الطرق مقفولة.

ضرب المكتب بإيده وقال:

— مستحيل!

في اللحظة دي دخل صديقه وزميله في المستشفى، الدكتور حازم.

قال:

— ياسر، إيه اللي حصل؟

ياسر رفع ورقة الطلاق.

— مريم رفعت قضية طلاق.

حازم سكت لحظة.

وبعدين قال:

— وإنت مستغرب ليه؟

ياسر بصله.

— يعني إيه؟

— إنت بقالك شهر تقريبًا مازرتهاش وهي مريضة.

— كنت في العزل.

— أول عشرين يوم، آه.

ياسر اتوتر.

— وبعد كده كان عندي شغل.

حازم بصله بثبات.

— كان عندك شغل… ولا كنت بتتهرب؟

ياسر ما ردش.

لكن الجملة فضلت ترن في دماغه.

بعد ساعات قليلة، بدأ يسأل عن مريم.

اكتشف إنها خرجت من المستشفى، وإنها ما رجعتش البيت.

راح الشقة في مصر الجديدة.

فتح الباب.

دخل.

البيت كان هادي بشكل غريب.

فتح الدولاب.

ملابسها اختفت.

دخل غرفة المكتب.

كتبها وشهاداتها مش موجودة.

ثم دخل غرفة النوم.

وهناك…

شاهد شيئًا جعل قلبه ينقبض.

فوق السرير كان تقرير خروجها من المستشفى.

وفوقه…

دبلة جوازها.

قرب منها.

مسك الدبلة بين أصابعه.

ولأول مرة منذ سنوات، حس إن الموضوع مش مجرد غضب مؤقت.

مريم كانت فعلًا انتهت منه.

لكن اللي ماكانش يعرفه…

إنها كانت مخبية حاجة أهم.

في اليوم التالي، اتصل ياسر بمحامي الأسرة اللي بيتعامل معاه.

لكن قبل ما يقدر يحدد ميعاد، وصلته رسالة من مكتب المحامية سلمى.

كان فيها طلب بسيط:

“برجاء مراجعة المستندات المرفقة قبل الجلسة.”

فتح الملف.

وكان أول مستند هو نسخة من لائحة مشروع العزل.

قرا البند المحدد.

وسكت.

ثم قراها مرة تانية.

وبدأ يفهم.

كان مسموح له بالفعل بالخروج في حالات المرض الخطير لأحد أفراد الأسرة.

يعني مريم كانت عارفة.

والأسوأ…

إنها كانت تملك نسخة من سجلات خروجه.

عرف وقتها إن مريم ماكانت اتخذت قرارها بسبب لحظة غضب.

كانت جمعت الأدلة.

لكن ياسر كان مقتنع إن ده كله ممكن يتحل بكلمتين.

اتصل بصديقه القديم أحمد، وقال:

— لازم أوصل لمريم.

بعد يوم كامل من البحث، عرف عنوان الشقة الجديدة.

وفي مساء اليوم نفسه، وقف قدام بابها.

رفع إيده وخبط.

مرة.

مرتين.

مفيش رد.

خبط مرة ثالثة.

وأخيرًا سمع صوتها من الداخل:

— مين؟

— أنا… ياسر.

ساد صمت طويل.

وبعدين قالت:

— امشي يا ياسر.

— مريم، لازم نتكلم.

— اتكلمنا قبل كده.

— لأ، إحنا ما اتكلمناش.

— أنا كنت في المستشفى ثلاثين يوم.

سكت.

قال بصوت منخفض:

— أنا عارف.

— لأ… إنت ماكنتش عارف.

— كنت فاكر إنك هتخرجي.

ضحكت ضحكة قصيرة، لكن من غير أي فرحة.

— كنت فاكر؟

فتحت الباب.

كانت لابسة ملابس بسيطة، ووشها لسه باين عليه التعب.

لكن عينيها كانت مختلفة.

هادية.

ثابتة.

قالت:

— إنت كنت فاكر إني هعيش، فقلت مفيش داعي تيجي.

— مريم، الموضوع مش كده.

— أمال إيه؟

ماعرفش يرد.

قال:

— أنا غلطت.

كانت أول مرة يسمع نفسه بيقولها.

لكن مريم ما اتأثرتش.

— الغلط إنك تنسى تجيب حاجة من السوبر ماركت.

— لكن إن مراتك تكون بين الحياة والموت، وإنت تعرف، وتقدر تيجي، وما تجيش…

سكتت.

— ده مش غلطة يا ياسر.

— ده قرار.

الجملة نزلت عليه كأنها صفعة.

حاول يقترب.

لكنها رجعت خطوة.

وقالت:

— أنا مش عايزة أسمع تبريرات.

— طيب اسمعيني بس.

— لا.

— فيه حاجة لازم تعرفيها.

توقفت.

— إيه؟

بص حواليه، ثم قال:

— قبل ما نسيب بعض، لازم نتكلم عن التقرير الطبي.

تغيرت ملامحها.

— أي تقرير؟

— التقرير اللي خرجتي بيه من المستشفى.

سكتت.

عرف وقتها إنها كانت متوقعة السؤال.

قال:

— أنا شفت نسخة منه.

— مين اداها لك؟

— المستشفى.

هزت رأسها.

— لأ.

— إيه؟

— المستشفى ماكانش من حقه يديك التقرير من غير إذني.

تردد.

— أنا طبيب في المستشفى.

— وإنت زوجي، مش الطبيب المعالج بتاعي.

سكت.

ثم قالت:

— وبعدين… إيه اللي شوفته؟

ياسر بلع ريقه.

— فيه نتيجة في التقرير مش مفهومة.

— بالنسبة لمين؟

— بالنسبة لي.

— وإنت خايف من إيه؟

ما ردش.

مريم نظرت له طويلًا.

ثم قالت:

— ادخل.

كانت أول مرة تسمح له يدخل شقتها الجديدة.

دخل.

لكنها ماطلبتش منه يقعد.

راحت ناحية خزانة صغيرة، وطلعت ملف أزرق.

حطته على الطاولة.

وقالت:

— قبل ما تفتح الملف ده، لازم تعرف إن السبب اللي خلاني أطلب الطلاق مش بس إنك ماجتش المستشفى.

ياسر رفع عينه.

— أمال إيه؟

قالت:

— في حاجة اكتشفتها وأنا في المستشفى.

فتح الملف.

كانت هناك تحاليل وتقارير طبية.

لكن في آخر صفحة…

كان فيه اسم طبيب لم يكن يعرفه.

وتاريخ قبل زواجهما بشهور.

قرأ السطر.

ثم توقف.

وجهه تغير تمامًا.

— إنتِ كنتِ بتعملي التحليل ده قبل جوازنا؟

مريم هزت رأسها.

— أيوه.

— ليه؟

— لأن الدكتور وقتها طلب مني أعمل فحوصات إضافية.

— وإيه اللي ظهر؟

سكتت.

ثم قالت:

— ظهر شيء كان المفروض أعرفه من زمان.

ياسر قلب الصفحة بسرعة.

قرأ النتيجة.

ثم أعاد قراءتها.

ولأول مرة منذ استلامه أوراق الطلاق…

بدا عليه الخوف الحقيقي.

قال:

— مريم… مين كان يعرف بالنتيجة دي؟

ردت بهدوء:

— أنا.

ثم أضافت:

— وإنت.

ياسر رفع رأسه فجأة.

— أنا؟

ابتسمت ابتسامة حزينة.

— أيوه.

— أنا ما شفتش التقرير ده قبل كده.

مريم أشارت إلى توقيع أسفل الصفحة.

— بص كويس.

انحنى فوق الملف.

ولما شاف التوقيع…

تجمد مكانه.

لأن التوقيع كان توقيعه هو.

لكن السؤال الحقيقي لم يكن:

لماذا كان توقيعه موجودًا؟

السؤال كان:

كيف وصل هذا التقرير إلى يده قبل زواجهما… ولماذا أخفى الحقيقة عنها طوال هذه السنوات؟

وفجأة، رن هاتف مريم.

نظرت إلى الشاشة.

وتغير وجهها.

كان المتصل…

الطبيب الذي كتب التقرير قبل زواجها.
بصّت مريم لشاشة الموبايل، والاتصال لسه بيرن.

اسم الدكتور ظهر قدامها بوضوح:

الدكتور شريف فؤاد.

ياسر بص للشاشة، وبعدين بص لمريم.

— مين شريف ده؟

ما ردتش.

الموبايل وقف رنين.

ثواني قليلة…

ورجع يرن تاني.

مريم أخيرًا ردت.

— ألو؟

جاءها صوت رجل كبير في السن:

— مريم؟ أنا الدكتور شريف. آسف إني اتصلت في الوقت ده، لكن لازم أشوفك فورًا.

— حصل إيه؟

— الملف القديم اللي طلبتيه… اتفتح من جديد.

مريم سكتت.

— إزاي؟

— لأن فيه شخص طلب نسخة من المستندات.

نظرت ناحية ياسر.

— مين؟

جاء صوت الدكتور شريف منخفضًا:

— والد ياسر.

اتسعت عيناها.

ياسر نفسه وقف مكانه.

— أبويا؟!

مريم أنهت المكالمة.

وبصت لياسر.

— إنت كنت تعرف إن والدك طلب الملف؟

هز رأسه بسرعة.

— لا.

— متأكد؟

— والله ما أعرف.

مريم رجعت للملف الأزرق.

— يبقى لازم نعرف الحقيقة.

في اليوم التالي، ذهبت مريم إلى عيادة الدكتور شريف.

ياسر أصر يروح معاها، لكنها في البداية رفضت.

قالت:

— أنا رايحة أعرف الحقيقة عن حياتي، مش عشان أصلح جوازنا.

رد:

— وأنا مش رايح عشان أصلح حاجة.

سكت لحظة.

— أنا رايح عشان أعرف أنا كنت مخبي إيه عنك.

وافقت.

عندما دخلا العيادة، كان الدكتور شريف ينتظرهما.

وضع أمامهما ملفًا قديمًا.

وقال:

— الملف ده عمره سبع سنين.

فتح أول صفحة.

— مريم، وقتها إنتِ كنتِ في بداية شغلك، وكنتِ داخلة على جواز.

هزت رأسها.

— فاكرة.

— التحاليل اللي عملتيها وقتها أظهرت مشكلة صحية بسيطة، لكنها كانت تحتاج متابعة منتظمة.

ياسر قاطع:

— مشكلة إيه؟

الدكتور نظر إليه.

— قبل ما أقول، لازم تعرف إن المشكلة دي ماكانتوش سبب يمنع الجواز، ولا كانت معناها إن مريم مش هتقدر تعيش حياة طبيعية.

مريم سألت:

— طب إيه اللي حصل؟

الدكتور أخذ نفسًا عميقًا.

— يوم ما استلمتي النتيجة، والد ياسر كان موجود.

ياسر اتصدم.

— أبويا؟

— أيوه.

— ليه؟

الدكتور نظر إلى مريم.

— لأن ياسر وقتها كان موجود في المستشفى للتدريب.

مريم بدأت تستوعب شيئًا.

— يعني هو شاف الملف؟

الدكتور هز رأسه.

— مش بس شافه.

ثم أخرج ورقة.

— والد ياسر طلب مني أتأكد إن ياسر يعرف إنك محتاجة متابعة.

ياسر أخذ الورقة.

كانت مذكرة داخلية قديمة.

قرأها.

ثم رفع عينه.

— أنا مش فاكر الكلام ده.

الدكتور رد:

— لأنك كنت وقتها في آخر أيام التدريب، ووالدك هو اللي تولى الموضوع.

مريم قالت:

— وإيه علاقة ده بالجواز؟

الدكتور سكت.

ثم قال:

— دي المشكلة.

— إيه المشكلة؟

— والد ياسر طلب مني ما أبلغكيش إن فيه تقرير إضافي اتعمل بعد التحاليل الأولى.

مريم تجمدت.

— يعني إيه؟

— التقرير الإضافي كان بيقول إن الحالة محتاجة متابعة سنوية.

— وأنا ماكنتش أعرف؟

— لأ.

ياسر نظر لوالده في ذهنه.

— ليه يعمل كده؟

الدكتور شريف أخرج ورقة ثانية.

— فيه سبب.

قرأ ياسر أول سطر.

وتغير وجهه.

كانت الورقة عبارة عن رسالة بخط يد والده.

مضمونها كان واضحًا:

“مريم لازم تعرف الحقيقة قبل الجواز.”

لكن أسفل الرسالة كان هناك سطر آخر:

“لو عرفت، ممكن ترفض.”

ياسر رفع رأسه.

— هو كان خايف إنها ترفضني؟

الدكتور قال:

— أيوه.

مريم شعرت أن الأرض تهتز تحت قدميها.

كل السنوات اللي فاتت…

كل القرارات…

كل ما حدث…

كان فيه شخص آخر يتدخل من البداية.

لكن السؤال الأكبر كان:

هل ياسر كان يعرف؟

التفتت إليه.

— إنت كنت تعرف؟

ياسر هز رأسه.

— لا.

— حتى بعد الجواز؟

— لا.

— ولا مرة شفت التقرير؟

— شفت جزء منه… لكن ماكنتش فاهم التفاصيل.

الدكتور شريف قال:

— فيه حاجة تانية.

سكت الجميع.

ثم فتح آخر صفحة في الملف.

— قبل زواجكم بأيام، والد ياسر طلب مني أكتب تقرير مختصر.

مريم سألت:

— مختصر عن إيه؟

— عن حالتك.

— وليه؟

— لأنه كان بيقول إن فيه شخص من العيلة محتاج يعرف.

ياسر اقترب من الورقة.

— مين الشخص؟

الدكتور شريف نظر إليه مباشرة.

— والدتك.

سكت ياسر.

— أمي؟

هز الدكتور رأسه.

— أيوه.

مريم بدأت تشعر أن الموضوع أكبر بكثير مما تخيلت.

— طب ليه والدك كان بيجمع كل المعلومات دي؟

الدكتور شريف لم يرد.

لكن بدلًا منه، أخرج ظرفًا بنيًا قديمًا.

ووضعه على الطاولة.

— لأنه كان بيحاول يحميك.

ياسر قال:

— يحميني من إيه؟

الدكتور رد:

— من قرار كنت هتندم عليه.

ياسر فتح الظرف.

وجد داخله صورة قديمة.

صورة له ولمريم قبل الزواج.

لكن خلف الصورة كانت مكتوبة جملة واحدة:

“لو اتجوزتها، لازم تعرف الحقيقة.”

ياسر ظل يحدق في الصورة.

مريم قالت:

— أي حقيقة؟

الدكتور شريف نظر لهما وقال:

— الحقيقة إن التقرير اللي اتخفى عن مريم ماكانش متعلق بصحتها فقط.

— كان متعلق…

وسكت.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى