أخبار

القصة كاملة

— متعلق بإيه؟

الدكتور أخيرًا نطق:

— بوالد ياسر نفسه.

اتجمد ياسر.

— أبويا؟

— أيوه.

— إيه علاقته بتحليل مريم؟

الدكتور شريف أغلق الملف.

— لأن والدك قبل وفاته بأيام طلب مني أحتفظ بالمستند ده، وقال لي: “لو حصل لي حاجة، لازم مريم تعرف.”

مريم شعرت بقشعريرة.

— بس والدك مات من أربع سنين.

— عارف.

— وإنت ليه ماقولتش؟

الدكتور قال:

— لأنني لم أكن أملك الشجاعة.

ثم أضاف:

— ولأنني كنت أعتقد أن الموضوع انتهى.

ياسر أمسك بالملف.

— واضح إنه ما انتهيش.

في نفس اللحظة، رن هاتف مريم.

هذه المرة كان الرقم غير مسجل.

ردت.

— ألو؟

صمت لثوانٍ.

ثم جاء صوت امرأة:

— مريم؟

— أيوه.

— أنا والدة ياسر.

مريم نظرت إلى ياسر.

— أستاذة نادية؟

— لازم أقابلك.

— ليه؟

صمتت نادية للحظة.

ثم قالت جملة جعلت مريم تفقد قدرتها على الكلام:

— لأن اللي حصل في المستشفى مش أول مرة ياسر يختار يبعد عنك وقت ما تكوني محتاجاه.

ياسر اقترب من الهاتف.

— ماما، إنتِ بتقولي إيه؟

لكن نادية أنهت المكالمة.

ظل الثلاثة واقفين في صمت.

ثم قالت مريم:

— أنا هقابلها.

ياسر قال:

— وأنا هاجي معاكي.

نظرت إليه.

— المرة دي، لو سمحت، ماتختفيش.

خفض رأسه.

— مش هختفي.

وفي مساء اليوم نفسه، وصلت مريم إلى منزل نادية.

كانت نادية تنتظرها وحدها.

فتحت الباب.

نظرت لمريم طويلًا.

ثم قالت:

— أنا آسفة.

مريم دخلت.

— آسفة على إيه؟

نادية أغلقت الباب خلفها.

— على حاجة كان لازم أقولها لك من سبع سنين.

وأشارت إلى درج قديم.

— لأن الحقيقة كلها…

موجودة هنا.

فتحت الدرج.

وأخرجت ظرفًا أبيض.

لكن قبل أن تعطيه لمريم، قالت:

— قبل ما تقريه، لازم تعرفي إن ياسر مش الشخص الوحيد اللي أخفى عنك الحقيقة.

مريم تجمدت.

— مين كمان؟

نادية نظرت إليها بعينين ممتلئتين بالدموع.

— إنتِ نفسك… كان عندك جزء من الحقيقة، بس ماكنتيش تعرفي معناه.
فتحت نادية الظرف ببطء، وأخرجت منه مجموعة أوراق قديمة وصورة صغيرة.

حطتها قدام مريم.

— قبل ما تقري، لازم أوضحلك حاجة.

مريم بصت لها بحذر.

— إيه؟

— ياسر ماكانش يعرف كل حاجة.

مريم رفعت عينيها.

— يعني إيه؟

— يعني إن فيه أسرار اتخبّت عنه هو كمان.

في اللحظة دي دخل ياسر من الباب.

كان واقف من غير ما يتكلم.

نادية بصت له وقالت:

— اقعد يا ابني.

جلس ياسر بجوار مريم.

نادية حطت أول ورقة قدامهم.

كانت نسخة من تقرير طبي قديم.

مريم قرأت أول سطر.

ثم توقفت.

— دي تحاليلي؟

— أيوه.

— بس التقرير ده مختلف عن النسخة اللي كانت معايا.

نادية هزت رأسها.

— لأن النسخة اللي كانت معاكي كانت ناقصة.

ياسر أمسك الورقة.

قرأها بسرعة.

— مين حذف الجزء ده؟

نادية ردت:

— والدك.

ساد الصمت.

ياسر قال:

— ليه؟

نادية لم تجب مباشرة.

بدلًا من ذلك، وضعت الصورة القديمة أمام مريم.

مريم أمسكتها.

كانت صورة لها وهي في بداية العشرينات.

لكن الغريب…

إن الصورة لم تكن في مستشفى.

كانت أمام بيت قديم.

وبجوارها رجل لم تعرفه.

رفعت عينيها.

— مين ده؟

نادية قالت:

— أخوكي.

تجمدت مريم.

— إيه؟

— أخوكي الأكبر.

هزت مريم رأسها بسرعة.

— أنا ماعنديش أخ أكبر.

— دي اللي اتقالت لك طول عمرك.

ياسر نظر لأمه بدهشة.

— ماما، إنتِ بتقولي إيه؟

نادية أخذت نفسًا عميقًا.

— والد مريم كان عنده ابن قبل زواجها من والدتها.

مريم كانت مشلولة من الصدمة.

— أنا مش فاهمة.

— أخوكي اتولد قبل ما والدتك تتجوز والدك.

— وراح فين؟

نادية قالت:

— مات في حادث وهو صغير.

مريم نظرت للصورة مرة أخرى.

— طب ليه مخبين عليا؟

— لأن والدك كان خايف عليك.

— من إيه؟

نادية سكتت.

ثم قالت:

— لأن وفاته كانت مرتبطة بنفس المشكلة الصحية اللي ظهرت في تحاليلك.

ياسر رفع رأسه فجأة.

— يعني التقرير كان متعلق بتاريخ عائلي؟

نادية أومأت.

— أيوه.

مريم بدأت تفهم.

المشكلة لم تكن مرضًا مؤكدًا.

كانت احتمالًا وراثيًا يحتاج متابعة.

وهذا هو السبب الذي جعل والد ياسر يتدخل.

لكنه لم يتدخل لحمايتها فقط.

كان يخشى أن تعرف مريم تاريخ عائلتها، فتخاف من المستقبل، أو أن ترفض الزواج.

لكن كان هناك شيء آخر.

ياسر قلب الورقة.

وجد توقيع والده.

وتحته ملاحظة:

“لا يتم إبلاغ مريم قبل التأكد من التشخيص.”

قال ياسر:

— يعني أبويا كان عايز يستنى نتيجة الفحوصات؟

نادية قالت:

— أيوه.

— وطلعت إيه؟

نادية لم تجب.

مريم بدأت تقلب الأوراق بسرعة.

وفي آخر صفحة وجدت نتيجة فحص أحدث.

قرأت.

ثم اتسعت عيناها.

— النتيجة طبيعية.

الدكتور شريف كان بالفعل قد كتب أن الفحوصات اللاحقة لم تُظهر وجود المرض.

يعني كل الخوف…

كل السر…

كل السنوات…

كانت مبنية على احتمال لم يتحول إلى مرض.

مريم رفعت رأسها.

— طب ليه التقرير الأول اتخبّى؟

نادية قالت:

— لأن والدك ووالد ياسر كانوا خايفين من حاجة تانية.

— إيه؟

— إنك تعرفي إنهم اتفقوا من البداية على إن الموضوع مايتفتحش إلا لو ظهرت أعراض.

ياسر انتفض.

— اتفقوا؟

— أيوه.

مريم بصت له.

— يعني جوازنا كان مبني على اتفاق بين العيلتين؟

ياسر هز رأسه.

— أنا ماكنتش أعرف.

نادية قالت:

— هو ماكانش يعرف.

مريم وقفت.

كانت غاضبة، لكن مش من المرض.

كانت غاضبة لأن الجميع اتخذ قرارات تخص حياتها دون أن يخبرها.

قالت:

— أنا كنت أستحق أعرف.

نادية دمعت عيناها.

— عندك حق.

مريم التفتت لياسر.

— وإنت؟

— أنا غلطت.

— في إيه؟

— في حاجات كتير.

سكت لحظة.

— لكن أكتر حاجة ندمان عليها إني افتكرت إن وجودي جنبك وقت المرض مش مهم.

مريم لم ترد.

ياسر أكمل:

— كنت بقول لنفسي إنك قوية، وإنك هتعديها.

— لكن الحقيقة إني كنت خايف.

— وخوفي خلاني أهرب.

مريم قالت بهدوء:

— وأنا كنت محتاجة منك حاجة واحدة.

— إيه؟

— إنك ماتسبنيش لوحدي.

خفض رأسه.

— عارف.

في هذه اللحظة، دخلت نادية إلى الغرفة وهي تحمل ظرفًا آخر.

قالت:

— لسه فيه حاجة.

مريم نظرت إليها.

— إيه؟

— الظرف ده كتبه والد ياسر قبل وفاته.

أعطته لمريم.

فتحت الظرف.

كان بداخله خطاب قصير.

بدأت تقرأ.

“يا مريم،

لو وصل الخطاب ده ليكي، فمعناه إن الوقت اللي كنت خايف منه جه.

أنا عارف إنك ممكن تكرهيني بسبب إني أخفيت عنك بعض المعلومات.

لكن كان عندي سبب.

لم أرد أن أقرر عنك، لكنني أخطأت عندما ظننت أنني أعرف مصلحتك أكثر منك.

وأريدك أن تعرفي شيئًا واحدًا:

ياسر لم يكن يعلم.

لو أخبرته وقتها، كنت أخشى أن يتصرف بدافع الخوف، أو أن يتركك بسبب شيء لم يكن مؤكدًا أصلًا.

لذلك اخترت الصمت.

وأعرف الآن أن الصمت كان خطأ.”

مريم توقفت عن القراءة.

ثم قلبت الصفحة.

وكان هناك سطر أخير:

“أما ما حدث لك بعد الزواج، فلا علاقة له بهذا السر.”

تجمدت.

رفعت رأسها.

ياسر قال:

— يعني إيه؟

مريم أعادت قراءة الجملة.

الدكتور شريف كان محقًا.

المشكلة الطبية لم تكن السبب.

والسر القديم لم يكن سبب إهمال ياسر لها.

لكن السؤال الذي ظل بلا إجابة:

لماذا تجاهلها ياسر طوال الثلاثين يومًا وهي بين الحياة والموت؟

ياسر اقترب منها.

— مريم، أنا مش هكدب عليكي.

— أنا فعلًا كان ممكن أجيلك.

— وكان لازم أجيلك.

— لكن فيه سبب ماقولتوش لأي حد.

مريم نظرت إليه.

— إيه هو؟

تنفس بعمق.

— قبل دخولك المستشفى بأسبوع، عرفت حاجة عنك.

تجمدت.

— حاجة عني؟

— أيوه.

— إيه؟

مد يده إلى جيبه وأخرج هاتفه.

فتح رسالة قديمة.

ثم وضع الهاتف أمامها.

كانت الرسالة من رقم مجهول.

ومكتوب فيها:

“لو طلعت لمراتك في المستشفى، هتندم… لأنها لم تخبرك بالحقيقة عن سبب دخولها المستشفى.”

مريم حدقت في الشاشة.

— مين بعتلك الرسالة دي؟

ياسر هز رأسه.

— ماعرفش.

— وليه صدقتها؟

— ماصدقتهاش بالكامل.

— أمال ليه ماجتش؟

قال بصوت مكسور:

— لأن بعد الرسالة بساعات، وصلتني نتيجة تحليل من المستشفى…

مريم اقتربت من الهاتف.

— تحليل إيه؟

فتح الملف.

وفي أعلى الصفحة كان مكتوب:

“نتيجة فحص إضافي أثناء فترة دخول المريضة…”

مريم بدأت تقرأ.

ثم شهقت.

لأن النتيجة الجديدة…

كانت تحمل معلومة لم يعرفها أي شخص حتى تلك اللحظة.

وهنا فهمت مريم إن سبب طلاقها من ياسر لم يكن نهاية القصة… بل بداية الحقيقة التي أخفاها عنها الجميع.
مريم فضلت باصة للورقة من غير ما تنطق.

كانت إيديها بتترعش.

رفعت عينيها لياسر وقالت:

— النتيجة دي… مين كتبها؟

— قسم التحاليل.

— ومين طلب الفحص؟

ياسر سكت.

— أنا.

— ليه؟

— لأن الرسالة اللي وصلتني خوفتني.

مريم بصت له بحدة.

— يعني بدل ما تيجي تسألني، صدقت رسالة من رقم مجهول؟

— أنا عارف إني غلطت.

— لأ يا ياسر… إنت عملت أكتر من كده.

حطت الورقة على الترابيزة.

— إنت كنت بتعاقبني على حاجة ماعرفتش حتى إيه هي.

ياسر نزل عينيه.

— كنت خايف.

— وأنا كنت بموت.

الجملة خلت المكان كله يسكت.

مريم كملت:

— كنت في أوضة في المستشفى، مش عارفة هخرج منها ولا لأ، وكل اللي كنت محتاجاه إن جوزي يفتح الباب ويدخل.

— لكن إنت ماجتش.

ياسر قال بصوت منخفض:

— أنا ندمان.

— الندم مش هيرجع الثلاثين يوم.

ثم أشارت للورقة.

— وبعدين، النتيجة دي مش معناها اللي إنت فهمته.

ياسر رفع رأسه.

— يعني إيه؟

— الدكتور شريف شرح لي النتيجة.

— وقال إيه؟

— إن التحليل محتاج إعادة وفحص متخصص قبل أي استنتاج.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى