أخبار

القصة كاملة

— يعني مفيش تشخيص مؤكد.

ياسر سكت.

كأنه لأول مرة يفهم حجم الخطأ الذي ارتكبه.

قال:

— أنا ماكنتش أعرف.

— ودي مش المشكلة الوحيدة.

نظرت له مريم طويلًا.

— المشكلة إنك كان ممكن تسألني.

— كان ممكن تدخل عندي وتقول: “أنا خايف.”

— كنت هشرح لك.

— لكنك اخترت الصمت.

ياسر دمعت عيناه.

— عندك حق.

مريم جمعت الأوراق كلها.

ثم قالت:

— عارف إيه أصعب حاجة؟

— إيه؟

— إني كنت مستعدة أسامحك لو جيت وقتها.

سكت.

— حتى لو ماكنتش عارف تقول إيه.

— حتى لو كنت خايف.

— حتى لو قعدت جنبي وسكت.

ثم ابتسمت بحزن.

— لكنك ماجتش.

ياسر لم يجد ما يقوله.

بعد دقائق، وقف.

— هحترم قرارك.

— وهساعدك في إنهاء إجراءات الطلاق من غير مشاكل.

مريم نظرت إليه.

— شكرًا.

اتجه ناحية الباب.

وقبل ما يخرج، التفت وقال:

— مريم؟

— نعم؟

— أنا آسف.

المرة دي لم تقل له شيئًا.

خرج وأغلق الباب بهدوء.

وبعد عدة دقائق، جاء اتصال من الدكتور شريف.

— مريم، عندي خبر مهم.

— خير؟

— ظهرت نتيجة الفحص النهائي.

سكتت.

— والنتيجة؟

— سليمة.

أغمضت عينيها.

لأول مرة منذ أسابيع، شعرت أن حملًا ثقيلًا انزاح عن صدرها.

كل الشكوك الطبية القديمة انتهت.

لم يكن لديها المرض الذي خاف منه الجميع.

لكن كان هناك شيء واحد لم يكن له تحليل ولا علاج:

الثقة التي انكسرت.

بعد شهر، انعقدت جلسة الطلاق.

لم يحاول ياسر تعطيل الإجراءات.

تم الاتفاق على تقسيم الشقة والممتلكات المشتركة كما طلبت مريم.

لا صراخ.

لا فضائح.

لا معارك.

فقط توقيعات أنهت زواجًا استمر سنوات.

بعد خروجها من المحكمة، وقفت مريم أمام المبنى.

كانت السماء صافية.

نفس القاهرة التي كانت تنظر إليها من نافذة المستشفى أصبحت تبدو مختلفة.

رن هاتفها.

كانت سلمى.

— خلصت؟

— أيوه.

— إنتِ كويسة؟

مريم ابتسمت.

— لأول مرة من زمان… أيوه.

بعد عدة أشهر، عادت مريم إلى عملها.

وبسبب خبرتها السابقة، قررت تبدأ مشروعًا صغيرًا في مجال مراجعة جودة الخدمات الطبية.

كانت عايزة تستخدم تجربتها عشان تمنع مرضى تانيين من الوقوع في نفس الأخطاء.

أما ياسر…

فاستمر في عمله كطبيب.

لكنه تغير.

بدأ يخصص وقتًا أكبر للمرضى وعائلاتهم.

وأصبح يكرر على الأطباء الأصغر منه جملة واحدة:

“المريض مش ملف… المريض إنسان.”

وفي يوم، وصل لمريم ظرف عن طريق المحامية سلمى.

فتحت الظرف.

كان خطابًا من ياسر.

لم يكن يطلب العودة.

ولم يكن يطلب فرصة جديدة.

كان فقط يقول:

“مريم،

أعرف إن الاعتذار لا يمحو اللي حصل.

وأعرف إنك لم تكوني بحاجة إلى زوج خارق أو طبيب مشهور.

كنتِ بحاجة إلى إنسان يقف بجانبك.

وأنا فشلت في اللحظة التي كان يجب أن أكون فيها موجودًا.

أتمنى فقط إنك تكملي حياتك من غير خوف.

وأتمنى لما تفتكري زواجنا يومًا، ما تفتكريش آخر شهر فقط.

افتكري إن فيه حاجات جميلة حصلت، حتى لو النهاية كانت مؤلمة.

أنا لن أطلب منك الرجوع.

لأنني فهمت أخيرًا أن احترام قرارك أهم من رغبتي.”

مريم قرأت الخطاب حتى النهاية.

ثم طوته ووضعته في درج مكتبها.

لم تبكِ.

ولم تغضب.

فقط شعرت أنها أخيرًا أغلقت صفحة ظلت مفتوحة فترة طويلة.

وبعد سنوات، عندما سألتها إحدى صديقاتها:

— لو رجع بيكي الزمن، كنتِ هتتجوزيه؟

ابتسمت مريم وقالت:

— ماعرفش.

ثم أضافت:

— لكني أعرف حاجة واحدة…

أي إنسان بيحبك بجد، مش لازم يكون موجود طول الوقت… لكنه لازم يكون موجود في اللحظة اللي تحتاجيه فيها.

وأحيانًا…

أكبر درس في الحياة مش إنك تعرف مين خانك أو مين ظلمك.

لكن إنك تعرف إمتى تتمسك، وإمتى تمشي.

ومريم اختارت تمشي.

مش لأنها بطلت تحب…

لكن لأنها أخيرًا بدأت تحب نفسها بما يكفي إنها ما تقبلش تعيش تاني في مكان تشعر فيه إنها وحدها.

النهاية.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى