
الجزء الثاني والاخير
أحمد ماقدرش يستحمل الغموض أكتر من كده، فبص لمحاميته بعصبية وقال:
— إنتِ بتبصي على إيه؟ قوليلي إيه اللي مكتوب في الورقة دي!
محاميته، الأستاذة نجلاء، أخدت نفسًا عميقًا، وبعدها قالت بصوت منخفض لكنه واضح:
— أحمد، إحنا لازم نتكلم قبل ما تعمل أي تصرف. الاتفاق اللي إنت وافقت عليه مش معناه إنك هتاخد كل حاجة بالطريقة اللي إنت متخيلها.
قطّب حواجبه ورد بعصبية:
— إنتِ بتهزري؟ أنا خدت البيت والعربيات والمدخرات، وهي اللي مضت بإيديها! إيه اللي ممكن يتغير دلوقتي؟
نجلاء بصت للمستند اللي في إيده وقالت:
— المشكلة مش في الممتلكات اللي مكتوبة في الاتفاق. المشكلة في الالتزامات القانونية المرتبطة بيها، وفي المستندات السابقة اللي الاتفاق ده بيحيل ليها.
أحمد سكت لحظة، وبعدها رجع يبص في الورق.
كان بيقرأ كل سطر بعناية، لكن كل ما كان بيكمل، ملامحه كانت بتزداد توترًا.
أما أنا، فكنت قاعدة في مكاني بهدوء.
ماحاولتش أقاطعه، ولا حتى أشرح له أي حاجة.
لأن اللحظة دي تحديدًا كانت اللحظة اللي استنيتها من شهور.
خلوني أرجع بالزمن شوية، علشان تفهموا إزاي وصلت الأمور للنقطة دي.
قبل الطلاق بحوالي سنة ونص، كنت بدأت ألاحظ تغييرات غريبة في تصرفات أحمد.
بقى يقضي ساعات طويلة في التليفون، ويخرج من البيت بحجة مقابلات الشغل، ويرجع في أوقات متأخرة من غير ما يشرح هو كان فين.
في البداية، حاولت أقنع نفسي إن دي مجرد ضغوط شغل.
أحمد كان شريكًا في شركة مقاولات متوسطة الحجم، وكانت الشركة بتتعامل مع مشروعات كبيرة في القاهرة الجديدة والشيخ زايد.
لكن مع الوقت، بدأت أكتشف إن فيه حاجات مش منطقية بتحصل.
مرة، كنت براجع أوراق خاصة بالبيت، ولقيت إشعارًا من البنك متعلقًا بتحويل مالي كبير.
التحويل كان خارجًا من حساب مشترك بيننا، لكني ماكنتش أعرف عنه أي حاجة.
لما سألته، رد باستخفاف:
— دي معاملات شغل، مش لازم تعرفي كل تفصيلة.
الجملة دي كانت غريبة، خصوصًا إن جزءًا كبيرًا من الفلوس اللي في الحساب كان من مدخراتي قبل الجواز، بالإضافة لمرتبي اللي كنت بحوش منه لسنين.
قررت ما أعملش مشكلة وقتها.
لكن بدأت أراجع حساباتي وأوراقي القديمة بهدوء.
وبعد أسابيع من البحث، اكتشفت إن أحمد كان بيحاول ينقل جزءًا من أصوله وأمواله بعيدًا عن الحسابات اللي كنت أعرفها.
ماواجهتوش.
بدلًا من كده، رحت لمحاسب قانوني مستقل، وطلبت منه يراجع المستندات اللي تخصني، وبعدها استشرت محامية متخصصة في قضايا الأسرة والملكية.
وهناك عرفت حقيقة ماكنتش متوقعاها.
قبل سنوات، لما شركة أحمد كانت بتمر بأزمة مالية كبيرة، أنا اللي ساعدته يخرج منها.
كنت وقتها بشتغل في إدارة الحسابات، وعندي مدخرات كويسة، وكمان كنت ورثت مبلغًا من والدي.
استخدمت جزءًا من فلوسي في تمويل مشروع كان أحمد على وشك خسارته.
ولأننا كنا متجوزين، ولأننا كنا بنثق في بعض، اتفقنا على توثيق مساهمتي في المشروع بعقد قانوني واضح.
العقد ماكانش مجرد ورقة عادية.
كان بيثبت إن جزءًا من التمويل اللي دخل الشركة كان قرضًا مستحق السداد، وفق شروط محددة، وإن بعض الضمانات المرتبطة بالمشروع تفضل سارية لحد تسوية المبلغ بالكامل.
أحمد كان عارف بوجود العقد وقتها، لكنه مع مرور السنين بدأ يتعامل مع الموضوع كأنه انتهى، رغم إن المبلغ ما اتسددش بالكامل.
والأهم من كده، إن المستندات الأصلية كانت بتوضح تفاصيل قانونية مرتبطة بالأصول اللي كان مصمم ياخدها في الطلاق.
لما محاميتي راجعت الأوراق، قالت لي بوضوح:
— ليلى، لازم نفصل بين ملكية الممتلكات وبين الالتزامات المالية اللي ممكن تكون مرتبطة بيها. تنازلك عن حق معين مش معناه تلقائيًا إن أي التزام قانوني يختفي، ولا معناه إن الطرف التاني يقدر يتجاهل العقود السابقة.




