
### الجزء الرابع: الاجتماع اللي كشف كل الأسرار
طول الليل ما عرفتش أنام.
كل ما أغمض عيني، كنت أشوف وش ريم وهي واقفة قدامي بالملف الأزرق، وأسمع صوت نور وهي بتقول لي: «أهلًا يا أستاذ نادر».
كلمة بسيطة، لكنها كانت كفاية تفهمني إن السنين اللي ضيعتها مش هترجع باعتذار، ولا حتى بمليون اعتذار.
وفي نفس الوقت، كنت خايف على شركتي. لأول مرة من سنين طويلة، حسيت إن كل اللي بنيته ممكن ينهار بسبب أخطاء قديمة كنت فاكر إنها انتهت.
الساعة تسعة الصبح، وصلت لمقر الشركة في القاهرة الجديدة.
كان مجلس الإدارة مجتمع بالكامل، والمحامي الخاص بالشركة قاعد قدام مجموعة كبيرة من المستندات. داليا كانت موجودة هي كمان، وبجانبها والدها، رجل الأعمال المعروف حسام المنشاوي.
أول ما دخلت، حسام قام من مكانه وسلم عليّ.
قال بابتسامة مصطنعة:
«صباح الخير يا نادر. سمعت إن فيه شوية مشاكل في أوراق قديمة، لكن متقلقش. إحنا هنحل الموضوع.»
ما ارتحتش لطريقته.
قعدت على رأس الطاولة، وطلبت من المحامي يبدأ.
فتح ملفًا كبيرًا وقال:
«بعد مراجعة المستندات الأولية، اتضح إن الشركة استخدمت بعض الأنظمة التقنية اللي تم تطويرها في المشروع الأصلي بمشاركة المهندس محمود السيوفي وابنته ريم. والعقود الموقعة وقتها بتتضمن شروطًا بخصوص حقوق الملكية الفكرية والعائدات المالية.»
واحد من أعضاء المجلس سأله:
«هل ده معناه إن الشركة مهددة؟»
رد المحامي بحذر:
«لسه ما نقدرش نحكم على النتيجة النهائية. لازم نراجع جميع العقود والاتفاقيات اللاحقة. لكن فيه مستندات بتشير إلى إن بعض الحقوق ما اتنقلتش بالطريقة اللي كنا فاكرينها.»
حسام تدخل بسرعة:
«أنا شايف إننا ما نكبرش الموضوع. دي أوراق قديمة، وممكن تكون انتهت صلاحيتها. الأفضل نرفض أي مطالبات لحد ما الطرف التاني يثبت حقه.»
بصيت له باستغراب.
«إنت بتتكلم كأنك عارف ريم هتطالب بإيه.»
اتغيرت ملامحه للحظة، لكنه رد بسرعة:
«أنا بتكلم بمنطق رجال الأعمال يا نادر.»
المحامي قلب صفحة من المستندات، وبعدها رفع رأسه.
«فيه نقطة تانية. أثناء المراجعة، اكتشفنا اتفاقًا جانبيًا موقعًا من السيد حسام المنشاوي، بيتعلق بحقوق استخدام التكنولوجيا الأصلية في شركة استثمارية مرتبطة بمجموعته.»
القاعة سكتت.
بصيت لحسام.
«إنت وقعت اتفاقًا مع ريم أو والدها؟»
رد بعصبية:
«مش فاكر كل عقد وقعته من عشر سنين!»
المحامي أخرج نسخة من الاتفاق وحطها قدام أعضاء المجلس.
«التوقيع موجود هنا، وهنحتاج نتحقق من كل التفاصيل. لكن الاتفاق ده مهم لأنه ممكن يوضح إزاي الحقوق انتقلت بين الشركات خلال السنوات الماضية.»
داليا قامت فجأة.
«الكلام ده مالوش علاقة ببابا! إحنا مجتمعين عشان نحمي شركة نادر، مش عشان نحاكم عيلتي!»
رئيس المجلس رد بصرامة:
«محدش بيحاكم حد يا مدام داليا. إحنا بنراجع مستندات رسمية، ولازم نعرف الحقيقة قبل ما ناخد أي قرار.»
في اللحظة دي، فهمت إن المسألة أكبر من خلاف بيني وبين طليقتي.
كان فيه تاريخ كامل من العقود والاتفاقيات اللي ما كنتش راجعتها بنفسي، وكنت معتمد على آخرين في إدارتها.
والأخطر إنني اكتشفت إن ثقتي العمياء في بعض الأشخاص كانت جزءًا من المشكلة.
بعد حوالي ساعة، طلب المحامي استراحة قصيرة.
خرجت للممر، ولقيت ريم واقفة بعيد عن قاعة الاجتماع.
كانت جاية بصفتها طرفًا معنيًا بالمستندات، ومعاها محاميها.
قربت منها وقلت:
«أنا محتاج أفهم كل حاجة.»
ردت بهدوء:
«وده اللي المفروض يحصل من البداية.»
سألتها:
«ليه ما كلمتنيش من زمان؟ كان ممكن نتجنب كل ده.»
بصت لي بحزن.
«أنا حاولت أتواصل معاك بعد الطلاق بفترة، لما ظهرت مشكلة في حقوق المشروع الأصلي. لكن رسائلي ما وصلتش لك، ومحامي شركتك وقتها أبلغني إن كل المسائل اتسوت وفقًا للعقود.»
اتصدمت.
«إنتِ حاولتي تتواصلي معايا؟»
أومأت برأسها.
«أكتر من مرة. لكن بعد فترة، فهمت إن الاستمرار مش هيغير حاجة. والدي كان لسه عايش وقتها، وهو اللي طلب مني ما أدخلش في نزاع طويل إلا لو كان فيه ضرورة حقيقية.»
نزلت عيني للأرض.
«وأبوكي… هو مات؟»
قالت:
«من أربع سنين.»
حسيت بوجع غريب. الرجل اللي وقف جنبي في بداية حياتي، واللي ساعدني أحقق أول نجاح حقيقي، مات من غير ما أشوفه أو حتى أعرف أخباره.
قلت بصوت منخفض:
«أنا آسف يا ريم.»
ردت من غير غضب:
«أنا مش محتاجة أسمع اعتذار عن كل حاجة حصلت النهارده. أنا محتاجة إنك تكون صادق مع نفسك، وتسيب الحقيقة تظهر مهما كانت نتيجتها.»
وبعدين أضافت:
«وبالنسبة لبناتك، ما تحاولش تستخدم الفلوس عشان تقرب منهم. هما مش محتاجين هدايا غالية. هما محتاجين يشوفوا إنك اتغيرت فعلًا.»
قبل ما أقدر أرد، خرج المحامي من القاعة ونادانا للعودة.
كان عنده مستند جديد وصل من الأرشيف القانوني للشركة.
ولما فتحه قدام المجلس، اتضح إن الاتفاق القديم ما كانش مجرد عقد استخدام تكنولوجيا.
كان فيه ملحق بيوضح إن جزءًا من الحقوق المرتبطة بالمشروع الأصلي ما زال خاضعًا لاتفاقات محددة، وإن أي تغيير في الملكية أو الاستخدام كان لازم يتم وفق شروط مكتوبة.
المحامي وضح إن تحديد الأثر القانوني الكامل محتاج مراجعة مستقلة، وإن المجلس مش من حقه يصدر حكمًا مسبقًا لصالح أي طرف.
لكن في نقطة واحدة كانت واضحة للجميع:
ما ينفعش الشركة تتجاهل حقوق أي طرف لمجرد إن المطالبات قديمة أو إن الطرف التاني ما طالبش بيها لسنين.
حسام حاول يقترح تسوية سريعة من غير مراجعة كاملة، لكن أعضاء المجلس رفضوا.
وفي النهاية، اتفقوا على تعيين مكتب قانوني مستقل لمراجعة العقود، وتجميد أي قرار متعلق بالحقوق محل النزاع لحد ما التقرير النهائي يخلص.
خرجنا من الاجتماع من غير قرار نهائي، لكنني كنت عارف إن حياتي المهنية مش هترجع زي الأول بسهولة.
أما داليا، فكانت غاضبة بشكل واضح.
### الجزء الخامس: مراتي كشفت عن وجهها الحقيقي
بعد ما رجعنا البيت، داليا بدأت تهاجمني من غير مقدمات.
قالت وهي بتتحرك بعصبية في الصالة:
«إنت إزاي تسمح لهم يتعاملوا معاك بالطريقة دي؟ إنت صاحب الشركة! المفروض تقدر توقف أي حد عند حده.»
رديت بتعب:
«الشركة مش ملكي لوحدي بالشكل اللي إنتِ متخيلاه. فيه مجلس إدارة، وفيه عقود لازم نحترمها.»
ضحكت بسخرية.
«يعني بعد كل اللي عملناه، هتسيب طليقتك تتحكم في مستقبلك؟»
قلت بحزم:
«ريم ما طلبتش تتحكم في أي حاجة. هي طلبت مراجعة حقوقها القانونية.»
اقتربت مني وقالت:
«إنت مش فاهم! لو الست دي خدت أي نسبة من الشركة، قيمتك هتقل، ومكانتك هتتأثر، وكل الناس هتعرف إنك ما كنتش صاحب الفكرة لوحدك.»
بصيت لها طويلًا.
وبعدين سألتها:
«هو إيه اللي مضايقك بالضبط؟ إن فيه حقوق لازم تتراجع، ولا إن الناس ممكن تعرف إن نجاحي كان له شركاء من البداية؟»
وشها اتغير.
«إنت بتشك فيا؟»
ما جاوبتش فورًا.
لكنها هي اللي بدأت تتكلم، وكأنها مش قادرة تتحكم في غضبها.
«أنا وأبويا ساعدنا شركتك تكبر. ولما ظهرت مشاكل في الاتفاقات القديمة، كان لازم نتصرف عشان نحمي استثماراتنا.»
سألتها:
«تتصرفوا إزاي؟»
سكتت لحظة، وبعدها قالت:
«أبويا كان عنده اتفاقات مع مستثمرين تانيين. لو الشركة دخلت في نزاع، كل حاجة ممكن تتأثر. إحنا كنا بنحاول نمنع الخسائر.»
لكن كلامها ما كانش مقنعًا.
في اليوم التالي، تواصل معايا المحامي المستقل وطلب اجتماعًا جديدًا. وخلاله، اتضح إن بعض القرارات التجارية القديمة اتخذت بناءً على معلومات ناقصة، وإن فيه تعاملات بين شركات مرتبطة بحسام المنشاوي محتاجة مراجعة دقيقة.
ما كانش فيه دليل يسمح لي أتهم داليا أو والدها بارتكاب جريمة، لكن كان واضحًا إن تضارب المصالح ده لازم يتفحص بشكل مستقل.
لما واجهت داليا بالتفاصيل، انفجرت في وجهي.
«إنت مصدق ريم أكتر مني؟ بعد كل السنين دي؟»
قلت:
«أنا مش مصدق حد على حساب حد. أنا عايز أعرف الحقيقة.»
ردت بحدة:
«طيب، اختار. يا أنا يا هي.»
الجملة دي خلتني أسكت تمامًا.
من 13 سنة، كنت اخترت داليا على حساب ريم وبناتي، لأنني كنت فاكر إن النجاح المادي هو الطريق الوحيد للسعادة.
والنهارده، بعد كل السنين دي، كانت بتطلب مني أكرر نفس الاختيار.
لكن المرة دي، ما كنتش مستعد أعمل كده.




